فقاعة الثراء الفاحش تهدّد العالم!

نصر شمالي

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 2116 )

مثلما يحدث في جميع المؤتمرات الدولية تصدّر أصحاب المال الحرام والأعمال الشائنة مؤتمر كوبنهاكن الذي انعقد لمعالجة أزمة المناخ (7-18/12/2009). ولقد كان واضحاً مسبقاً لكل من لديه أبسط قدر من المعلومات الصحيحة عن تركيبة هذا العالم أنّ هؤلاء الأثرياء (الرأسماليون المتوحشون) لا يزالون حتى الآن يملكون إمكانية القول الفصل والإملاء والإرغام حتى في قضية وجودية كقضية المناخ، وهي القضية التي تتعلّق بمصير البشرية وكوكب الأرض عموماً، وإنّ ذلك ما سوف تبرهن عنه نتائج قمة كوبنهاكن!

إنّ هذه الجولة الأممية التي احتضنتها كوبنهاكن سوف تتمخّض عن نتائج غير عقلانية. ولن يغيّر في مثل هذه النتائج ذلك الحشد الأممي الهائل من المشاركين، الذي زاد عدده عن خمسة عشر ألف مشارك يتقدّمهم أكثر من مائة رئيس دولة، ناهيكم عن عشرات ومئات الألوف بل ملايين المشاركين سلباً، أي بالضغوط على القمة الأممية من خارج قاعات المؤتمر. وهكذا، وبما أنّ الحال والنتائج كذلك، فلعلّ الأجدى والأنفع اليوم هو التعرّف أكثر على حقيقة هؤلاء الأثرياء الدوليين المهيمنين على العالم، والتعرّف على مصدر قوتهم النافذة المسيطرة، وبالتالي على إمكانية الخلاص من نفوذهم السرطاني المدمّر.

لقد اجتاز هذا النظام الاحتكاري العالمي، الأوروبي/الأميركي، مراحل عدّة في تطوّره خلال القرون الخمسة الماضية، ابتداءً بعمليات القرصنة وقطع الطرق الدولية وغارات حرق وإبادة ونهب الأمم الأخرى، مروراً بمرحلة الاستعمار المباشر والهيمنة العالمية التجارية/الصناعية (والثقافية/الإعلامية أيضاً)، ثمّ المرور بمرحلة اندماج القطاعين المالي المصرفي والتجاري الصناعي (مرحلة الإمبريالية)، وأخيراً الوصول إلى مرحلة الرأسمال المالي المتفرّد كإمبراطور عالمي، وهي المرحلة التي نعيش اليوم ذروة صعودها وبدايات انحدارها.

إنّ المركزية الأوروبية/الأميركية المفرطة في أنانيتها العنصرية وفي قسوتها العسكرية، والتي كرّست جهودها على مدى القرون الخمسة الماضية لصالح خمس البشرية على حساب أربعة أخماسها، ظلت في عهودها السابقة تلتزم حدّاً أدنى من المنطق في علاقاتها الأممية (وإن هي تجاوزته عندما تعارض مع ثوابتها الاستراتيجية)، أمّا في عهدها الحالي، عهد الرأسمال المالي الإمبراطور، فقد أسقطت المنطق نهائياً من حساباتها وخطاباتها، ولم تعد تأبه حتى لمصالح الخمس البشري الذهبي الذي يتشكّل من شعوبها، والسبب في ذلك هو أنّ هذه المركزية أصبحت تقتصر على أولئك الأثرياء الذين انفصلوا تماماً عن عملية الإنتاج الطبيعية، الصناعية والزراعية، وانعزلوا في فقاعة الثراء الفاحش التي أصبحت تقتصر على الرأسمال المالي. إنّ الرأسمال المالي يهيمن على العالم بفضل التركة العملاقة المسيطرة، المتنوعة الأشكال والمعقّدة الأساليب، التي ورثها عن أسلافه.

لقد تابعنا على مدى العامين الماضيين حكاية فقاعة الرهن العقاري في ميدانها الأميركي وفي تفرّعاتها الدولية، وشهدنا انفجارها وما ترتّب عليه من كوارث اجتماعية في الولايات المتحدة. وما تنبغي معرفته هو أنّ فقاعة الرهن العقاري ليست إلاّ واحدة من فقاعات كثيرة تدور جميعها، مثل الكواكب، في فلك مركزها الذي هو فقاعة الثراء العالمي المالي الفاحش. كذلك ينبغي أن نعرف أنّ الكوارث المالية التي أصابت الشعب الأميركي بأغلبيته كانت لصالح الأقلية من الأميركيين الذين يتمركزون في الفقاعة المركزية المالية الدولية، وهي الأقلية التي لم تعد تهتمّ بمصير الشعب الأميركي قدر اهتمامها بمصيرها هي بالذات. ويجب أن لا يغيب عن بالنا أبداً أنّ هذه الأقلية (من أمثال ديك تشيني) تعتبر نفسها منتصرة رابحة، سواء في حربها العراقية الأفغانية، أم في استغلالها الوحشي لمأساة نيو أورلينز التي نجمت عن إعصار كاترينا، وأيضاً استغلالها لإعصار تسونامي وكوارثه الآسيوية، وتعتبر نفسها منتصرة رابحة في انفجار فقاعة الرهن العقاري الأميركي والإفلاسات العملاقة الأميركية وغير الأميركية التي نجمت عنه!

إنّ الرأسماليين الدوليين الذين اعتزلوا أو انعزلوا اليوم في فقاعة الثراء العالمي المالي الفاحش، والذين هم قطعاً ليسوا أسوياء، إن لم نقل أنّهم لم يعودوا بشراً، يسيطرون على غرفة قيادة المركبة الفضائية التي هي كوكب الأرض! وما هو كوكب الأرض إن لم يكن مركبة تسبح في الفضاء، مثلها مثل المراكب الفضائية الصناعية الصغيرة، وعرضة للأخطار المدمّرة مثلها مثل هذه المراكب؟ وما هي فقاعة الثراء الفاحش إن لم تكن مثل غرفة قيادة إجبارية للمركبة الأرضية؟ أي أننا نستطيع القول أنّ كوكب الأرض أشبه بمركبة فضائية مأهولة مخطوفة من قبل أناس غير أسوياء يتحصّنون في غرفة قيادتها!

نعود إلى مؤتمر كوبنهاكن لنسمع أنّ عريضة تحمل عشرة ملايين توقيع طالبت القادة في هذا المؤتمر بأن يتحلّوا بالإرادة السياسية، ويبرموا معاهدة طموحة تنقذ الأرض من الجفاف، والفيضانات، والعواصف والأعاصير العاتية، ومن ارتفاع مستوى مياه البحار وبالتالي غرق الجزر والمدن الساحلية، ومن اضطرار أكثر من مليار إنسان للنزوح من بلادهم بسبب التغيّرات المناخية، ومن تعرّض صحة البشر لأخطار مميتة بسبب ظاهرة الاحتباس الحراري..الخ، أي أنّ المطلوب من القادة، بكلمة واحدة، العمل على إنقاذ الأرض من خطر الدمار الشامل. وبالطبع فإنّ البشرية كلّها تؤيّد ما جاء في هذه العريضة. غير أنّ مختطفي المركبة الأرضية الفضائية غير الأسوياء لا يأبهون لمناشدات ركّابها المخطوفين، ولا ينشغلون سوى بإحصاء ملياراتهم وبالاطمئنان إلى جهوزية بنادقهم!

تقول أخبار كوبنهاكن أنّ المؤشّرات تدلّ على استحالة التزام حكومة الولايات المتحدة بأي إجراءات ملزمة بالحدّ من انبعاث المواد المسبّبة للاحتباس الحراري، علماً أنّ الأميركيين مسؤولين عن نسبة 40% من أسباب الاحتباس الحراري. وكانت هذه الحكومة، بالنيابة عن أصحاب المال والأعمال والثراء الفاحش في الولايات المتحدة والعالم، قد أفشلت قبل سنوات عملية التصديق على اتفاق كيوتو بصدد العمل على الحدّ من كارثة المناخ وإيقافها، وهاهي اليوم، على الرغم من التدهور المناخي الذي أصبح معاشاً على نطاق عالمي واسع، تتمسك بمواقفها السابقة، وتناور من أجل الخروج بصياغات مضلّلة فارغة.

غير أنّ فقاعة الثراء المالي العالمي الفاحش، الفقاعة المركزية، معرّضة بدورها هي أيضاً للانفجار، مثلما حدث لفقاعة الرهن العقاري ومؤسسات المال الربوية الشايلوكية. وإنّ حكماء العالم وشرفائه ومناضليه ملزمون بالاستعداد لمواجهة هذا الحدث العظيم حين وقوعه بما يكفل نجاة العالم وخروجه سالماً من شظاياه وعقابيله.