جدل التطبيع في رام الله: ليس حواراً بل مواقف حدِّية

د. عادل سمارة

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 2117 )

إمتداداً لجدل التطبيع ونقضه ومناهضته في الأرض المحتلة 1967 وخاصة في رام الله، دعت اللجنة الفلسطينية للمقاطعة الأكاديمية والثقافية لإسرائيل للقاء ثقافي لتعريف ومناهضة التطبيع واشتقاق معاييرا للمقاطعة، والقول في زيارة فنانين عرب للأرض المحتلة…الخ.

كان الحضور متنوعاً ومتفاوت الموقف تجاه التطبيع. وهذه العجالة ليست لاستعراض الاراء والمواقف بقدر ما هي ملاحظات على اللقاء نفسه، وتأكيد على موقف التوجه الجديد لمناهضة التطبيع بعموميته.

لو كان لي توصيف تمدد التطبيع واستشرائه لأشرت إليه بالمرض الخبيث الذي ينفذ من تحت الوعي قبل ان يصيب الجسد نفسه. هكذا يتمدد التطبيع في مناطق الحكم الذاتي مؤيداً بقوة من هذه السلطة ومُقاماً على حوامل صهيونية وغربية راسمالية (من الراديكاليين إلى اللبراليين وصولاً إلى بعض تمفصلات اليسار).

وبدورنا نحن الرافضين للتطبيع، فقلما تنبهنا إليه وهذا النقد علينا شرعي وضروري! وربما كان سماح أغلبية أعضاء مجلس بلدي رام الله لمؤسسة بيرنباوم سعيد التطبيعية بامتياز وزهو من ناحية، واعتراض بعض المثقفين على ذلك من ناحية ثانية مثابة سقط الزند الذي اضاء في العتمة شمعة. وهو أمر جرى فيه لغط طويل وتهم واحتمالات تقديم البعض ل “القضاء”. ثم جاءت مشكلة مسرح القصبة الي وزع بيانا يطلب من مثقفين/ات فلسطينيين يرتادون ذلك المكان أن يوقعوا على عريضة تطالب المثقفين العرب بزيارة الأرض المحتلة! وهو الأمر الذي اجترأ مجدداً نقاشاً عن التطبيع ورفد الرافضين بفريق ممن لم يحسموا امرهم من التطبيع بعد. ومن ثم جاءت العريضة المناهضة للتطبيع والتي احتضنتها نشرة “كنعان” الإلكترونية www.kanaanonline.org وابقت عليها عريضة مفتوحة، جرح مفتوح وفارس على الصليب لم يترجَّل طالما الاحتلال على تراب الوطن وكرامته. و”كنعان” مشروع ثقافي فكري عروبي واشتراكي وليس مجرد عبث إلكتروني أو موقع تنفيس الزفرات الوطنية وحسب.

في الورشة ذاتها كانت هناك مواقف/توجهات رئيسية، ولا اقول اجتهادات. ففي القضية الوطنية لا توجد اجتهادات، لا تُجاز الاجتهادات تتكاثف في موقفين.

الموقف الأول: هو موقف اللجنة الداعية، لجنة المقاطعة الأكاديمية، الذي حاول أهلها حصره في المستوى الأكاديمي والعلاقات الدولية مما يشكل مخرجا أو ملاذاً لالتواءات مواقفية يصعب ضبطها وربما حتى التأشير إليها. وربما لهذا السبب دعوا أُناسا من الذين يعلنون تطبيعتيهم. وقدَم اهل الدعوة عرضا ضافياً للمناهضة الأكاديمية للتطبيع، لما قاموا به منذ أن بدأوا، مع أن البداية كانت في الحقيقة (أقصد المقاطعة الأكاديمية ووقف الاستثمارات Divestment) في جامعة بيركلي الاميركية منذ عام 2001. وبيت القصيد أن أهل اللجنة والدعوة هذه حاولوا تأكيد انفسهم كمرجعية مرنة في مناهضة التطبيع. وقد اتضحت مرونتهم في هبَّتهم ضد من طالب بطرد المطبعين من القاعة، أكثر مما عبروا عن مرونتهم بصياغات لغوية.

الموقف الثاني: وهو الموقف الحدِّي ضد التطبيع بمدياته القصوى، وليس في المستوى الأكاديمي وحسب. وهو الموقف الذي أكد المشتركون/ات فيه على رفض قدوم اي عربي إلى الأرض المحتلة سواء بتاشيرة صهيونية أو بواسطة من سلطة الحكم الذاتي. وأكدوا على أن الفلسطيني العادي من حقه القدوم إلى الأرض المحتلة، بعكس الرموزيات الفلسطينية التي يجب أن لا تأتي بينما لا يسمح الاحتلال لستة ملايين من اللاجئين البسطاء بالقدوم. هذا ناهيك عن أن المسألة الأساسية ليسن زيارة الأرض المحتلة بل مشروع التحرير والعودة، الذي تخلو أجندته من الزيارت بالطبع ومن التضامن الذي هو شأن اصدقاء الشعب والقضية وليس شأن ابناء الأمة.

ليست ورشة للاتفاق

أكد الفريق الثاني على مجموعة من المسائل الهامة، منها وجوب مسائلة المطبعين بأثر رجعي، واعتبار هذا اللقاء نقاشي تشاوري وليس بهدف الاتفاق على تعريف جامع مانع للتطبيع، لأن البحث عن هكذا توافق سوف ينطوي بالضرورة على مرونات تخلّ بفهم التناقض مع العدو بما هو تناحري انطلاقا من حقيقة أن من الاحتلال ينيخ على الوطن مما يجعل العلاقة تجاهه هي ممارسة المقاومة كحياة، اي مقاومة ضد احتلال. وهذا الموقف الحدِّي هو الذي حال دون خروج اللقاء ببيان مشترك ربما لأن الوضع الفلسطيني الحالي لا يمكن جمعه في مشترك حتى تجاه الاحتلال. نعم، هي لحظة من اتساع استدخال الهزيمة، فمن ليس محطما من داخله لا يمكنه الائتلاف مع من يرى الاحتلال وضعاً طبيعياً.

كانت فائدة اللقاء هي عصف فكري سياسي، واختبار كل لفهمه وموقفه.

لعل من الدروس المستفادة من هذا اللقاء، أن سمع كل طرف رأي الطرف الآخر، هذا وإن كان في الطرف الأول أطياف متعددة تراوح بين أل 5-49 بالمئة من وجوب رفض التطبيع (هذا باستثناء القلة الرانخة في التطبيع). كما تأكد أن ليست هناك مرجعيات كبرى حين تكون المسألة مسألة وطن. وإلا كيف يزعم كثيرون ان السرديات الكبرى قد انتهت، ثم يُطوِّحوا امامنا بمرجعيات كبرى مثل م.ت.ف التي تُماتُ وتُبعث أنَّى شاءت مصالح الكمبرادور بتمفصلاته الطبقية سياسيا واقتصاديا وثقافيا! وبشأن العرب، أوضح الطرف الثاني ان المطلوب أن يدعونا إليهم، لا أن يُدعوا للمذلَّة هنا. أما المتضامنين الدوليين، فلا جُناح على دخولهم، شريطة أن لا يتحولوا إلى دُعاة تطبيع باسم التضامن، الأمر الذي يشترط ويستدعي أن نصوغ نحن إطاراً للأنشطة التي يمكنهم القيام بها.

قد يكون من أطرف ما لوحظ في اللقاء وجود نمط بطريركي يساري حاول جهد نفسه التأثير بحكم “الوُد القديم” على الجيل الجديد ليخصي حرارة هذا الجيل، فلم يُفلح! هذا إضافة إلى وجود ثُلَّةٍ من قديم اليسار الذين يترأسون مؤسسات أنجزة تمارس التطبيع الحرام إذ قدَّموا بمواقفهم رقصة تطبيع بلون يساري! فيما لم يخفَ على أحدٍ أنهم غدوا من الشريحة الجديدة “شريحة اصحاب العائدات غير المنظورة”.

بقي أن نقول، إن الهجوم التطبيعي في الأرض المحتلة ليس صدفة، بل هو مشروع منهجي متكامل عتيق متناغم يحمل كل جزء منه الأجزاء الأخرى، لم يتوقف يوماً ولن يتوقف قط ما وسعه ذلك. لذا نراه في المدرسة والجامعة والقصر الثقافي والسوق وحتى في المنازل. لكن ما يشدُّ العزم أن التطبيعيين في الوطن المحتل هم نخبة يمكن أن تضلِّل الجماهير، لكنها لا تصبح حالة جماهيرية. وهذا يستدعي قراءة الجبهة الأخرى، قوتها تماسكها تنسيقها ديمومتها وتوسعها لتصبح حالة جماهيرية، لأن هذا مآلها الطبيعي.

على هذا النحو، تكون مناهضة التطبيع مشروع تأسيس، إعادة تاسيس بعد الانحراف، تأسيس في السياسة والثقافة والعلاقات الأسرية وتأسيس للمقاطعة التي تفترض التنمية…إنها مشروع إعادة بناء المجتمع الذي ضُرب في العصب.

ويبقى السؤال: اين هي القبضة من الناس التي تمنح نفسها ـ كفتاة النيل- قرباناً للوطن وناسه! إن لم تكن، لا بد أن نكون نحن منها ونكوِّنها.