أزواج نادين البدير… وحكاية الكوب النظيف

د. أحمد الخميسي

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة العاشرة ـ العدد 2119 )

عام 2009 الذي بدأ بالقصف الإسرائيلي الوحشي لغزة ينتهي بضجة من نوع آخر، أبعد ما تكون عن القضايا الكبرى، أعنى مقالات الإعلامية السعودية نادين البدير التي طالبت فيها بأن نأذن للمرأة بأن تزف إلي: “أربعة.. بل إلي خمسة.. أو تسعة إن أمكن”. وإذا كان هذا هو مطلب نادين فعلا فلا أظن أنها بحاجة إلي إذن.

لكن الكاتبة تضع دعوتها في إطار حركة التنوير والمساواة وتحرير النساء من ذلك “المجتمع الذكوري”، وتنثر على سطح مقالها عبارات لامعة من نوع جذاب مثل: ” تكفر أقلام.. وتحرق كتب.. وتمنع أفلام ” فيصبح ما تقوله وكأنه جزء من دعوة عامة للتحرر والتقدم! وقد ساعد على الإيحاء بذلك الوهم أن الكاتبة لاقت ردود أفعال عنيفة في السعودية ومصر وغيرها من رجال دين ومفكرين محافظين ونواب برلمانات مما صور للكثيرين أن معركة قد نشبت بين ” صيحة تقدم ” أطلقتها امرأة جريئة ومجتمعات متخلفة!. فهل أن لضجيج نادين البدير صلة أية صلة بالتقدم أم أن ما تنادي به هو وجه آخر صارخ للتخلف؟

تقول نادين في مقالها الأول “أنا وأزواجي الأربعة” إن “أصل الموضوع كان إصراري على أحادية العلاقات”. وحين يقول كاتب إن أصل موضوعه هو تبني أحادية العلاقة فإن عليه أن يدافع عن تلك الفكرة ويدلل عليها على امتداد مقاله، بينما كان جوهروصلب مقالتي نادين البدير هو الدفاع عن حق المرأة في التعددية، وهي تقول في ذلك الصدد: ” وما الحل حين يرفض الطلاق ولا أحصل على الخلع؟ إن أصابني الملل من جسده أو شعرت أنه أخي؟ “. وتتساءل عن سبب: ” اختفاء عنصر التشويق ” داخل المنزل الواحد، وتقول: ” إن كان الرجل لا يكتفي جنسيا بواحدة فالمرأة لا تكتفي عاطفيا برجل. أما عن نسب الأولاد فتحليل الحمض النووي سيحل المسألة “.

فهل يفهم من كل ذلك وغيره أن الكاتبة تدافع عن “العلاقات الأحادية”؟. لقد قالت الكاتبة إنها تدافع عن ” الأحادية ” لكنها تحت ذلك الشعار أشهرت كل أسلحتها دفاعا عن شيء آخر، ومن ثم فليس لعبارتها الأولى أي معنى!.

وخلاصة كلام الإعلامية السعودية أن الرجل يتمتع بالتعددية ومن حق المرأة التمتع بذلك الحق. السؤال هنا هو: إن كان الرجل مدمنا للمخدرات أو قاطع طريق أو مزور أوراق نقدية فهل تطالب المرأة “بالحق ذاته” أم تقف ضد الإدمان والسرقة والتزوير باعتبار أن حصولها على تلك الحقوق تحقيق للمساواة؟!.

ثانيا: من المعلوم أن المرأة إذا أرادت أن تحظي برجل أو عشرة رجال فإن شيئا لا يعوقها في الواقع الفعلي عن ذلك، وربما لم يعقها شيء عبر التاريخ كله.

ثالثا: وضع قضية علاقة المرأة بالرجل على أنها قضية جنسية، أشد ما يؤلم فيها هو “اختفاء عنصر التشويق” فهو طرح غريب، لا يليق إلا بمجتمعات ما قبل الحضارة، أما ما بعد ذلك فقد تعلم الإنسان أن هناك أسرة، ومسؤوليات تفرض على الرجل – قبل المرأة أحيانا – أن يكظم الملل والنفور الجنسي لأن هناك قضية أخرى خاصة بتنشئة وتربية جيل جديد. ولم تقم الحضارة الإنسانية في تطورها على “عنصر التشويق” لأننا لسنا إزاء رواية بوليسية، لكن تاريخ الإنسانية المتطورة كله قام على العمل الشاق والبحث. وحتى حين تضرب نادين البدير مثالا بحالة الفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر وصديقته سيمون دي بوفوار فإنها تنسى أن الأخيرة لم تطالب برجلين أو تسعة بل عاشت مخلصة لعلاقة أحادية.

أيضا من المعروف أن المشكلة ليست في التصريح للمرأة، أو حتى الرجل بعلاقات متعددة، بل إن المشكلة هي أن الواقع الاقتصادي والاجتماعي ودرجة الوعي لم تعد تسمح بمثل تلك العلاقات.

لكن ما الحل إذا لم تكن المرأة سعيدة؟. الحل أن تنفصل. ومعلوم أنه لم يبق ثمة رجل تقريبا يقبل يقبل بمعاشرة امرأة لا تطيقه. كنت أفهم الكاتبة لو أنها دافعت عن حق المرأة في الانفصال، أما الدفاع عن تعددية العلاقات سواء بالنسبة للمرأة أو الرجل فهو أمر غريب. فإما أن تكون المرأة حرة قبل الزواج، أو أن تتزوج برضاها وتقبل علاقة أحادية ذات مسئوليات متبادلة. لكن ما معنى أن تطالب بتعدد الأزواج؟!

ذات يوم كتبت “روزا لوكسمبورج” أن الجنس مثل الطعام والماء وحينذاك أجابها فلاديمير لينين بقوله: “سأفترض معك أن الجنس مجرد ضرورة مثل الماء، فإن كان الأمر كذلك فإني أفضل أن أشرب الماء من كوب نظيف”!

::::

أحمد الخميسي. كاتب مصري

Ahmad_alkhamisi@yahoo.com