تأنيث العمل لا يحقق المساواة

بادية ربيع

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة العاشرة ـ العدد 2119 )

قرأت مؤخراً جزءاً من كراس ل بوب أفاكيان[1]، من الحزب الشيوعي الثوري (الماوي) في الولايات المتحدة وهو محاضرة قدمها في نوفمير الماضي في مؤتمر تركز على الثورة الثقافية في الحقبة الماوية في الصين الشعبية. وكان افكيان قد خصص نصف الكراس (40 صفحة من 80) للمرأة. ومن بين ما شدني الفقرات التالية:

” كما نعلم فإن النساء قد دخلت باعداد كبيرة في قوة العمل في الولايات المتحدة في هذه الفترة. وفي الحقيقة، فقد تبين مؤخراً، أنه فيما إذا تواصلت هذه التوجهات، وفي وقت ليس ببعيد، فإن النساء سوف يتجاوزن الرجال عددياً في قوة العمل في الولايات المتحدة، وهذا لا شك تطور عالي الأهمية. وهذه نتيجة التغيرات في الاقتصاد (اقتصاد الولايات المتحدة في سياق الاقتصاد العالمي عامة) الذي جعل من الممكن والضروري تدفق النساء إلى العمل بأعداد كبيرة، وهذا لعب دوراً في “استقرار/توازن” المجتمع في الولايات المتحدة من خلال هذا التطور وتوسيع مستوى معيشة طبقة وسطى معينة “نمط حياة”، الذي لم يعد الحفاظ عليه ممكناً اليوم في حالة أعداد ملموسة من الناس في الولايات المتحدة إلا عبر تشغيل النساء والرجال. وهذا يُمثِّل تغييراً هائلاً عن فترة البرنامج التلفزيوني “الرجل الأحمق”، مثلاً، (في فترة الستينات للقرن العشرين) حينما كانت النساء في المنزل، وكان بوسع رجل واحد من الأسرة يعمل في وظيفة من وظائف الطبقة الوسطى، أن يوفر مستوى المعيشة هذا للأسرة بأجمعها”.

هذا يعني بلا مواربة، وإن لم يقلها الرجل، أننا أمام تأنيث العمل. وقد يخيل للكثيرين، إثر هذا: وماذا تبقَّى من مملكة الرجل؟ كما ورد في الكراس أنه خلال التصدي السوفييتي للنازي شاركت مليون إمرأة في حرب الغوار.. ومرة أخرى، ماذا تبقى للرجل بعد أن شغلت المرأة العمل والحرب!

بقَّى للرجل كل شيىء بعد. تبقت له السلطة وراس المال والملكية الخاصة والثقافة نفسها وفي النهاية الهيمنة.

لا شك ان تدفق المرأة إلى العمل، وليس القيادة والإدارة، هو تطور شديد الأهمية على أكثر من صعيد، ربما أهمها أنها قادرة كتف إلى كتف على القيام بالأعمال جميعاً، وأكثر. ولكن والنظام السائد كما هو والثقافة والإيديولوجيا كما هما، فإن هذا الإنجاز الضخم سيُختزل إلى زيادة عدد من يعملن في خدمة راس المال. وهل هناك ما هو أفضل له من زيادة عدد المستغَلين، طالما الهيمنة محسومة؟

لقد أخرج غلاء المعيشة ونزعة الاستهلاك المتأصلة في المجتمع الأميركي (هيمنة إيديولوجيا الاستهلاك)[2] وخاصة الطبقة الوسطى بما هي قاطرة اقتصاد الاستهلاك، أخرج غلاء المعيشة والجوع الاستهلاكي النساء إلى سوق العمل، رغم أنف الرجال من المنزل إلى سوق العمل. ورغم كافة مواعظ المحافظية الجديدة، والكنيسة الكاثوليكية والسلفية الإسلامية، فإنها لن تعود. ولكن، لن تعود لأن الأزمة مستفحلة رغم تزيينها بالمساحيق. وما يجب العمل عليه، أن لا تعود المرأة إلى المنزل لأنها قررت ذلك، أو ستعود في إضراب عام يجمد دم الراسمالي في عروقه، لكي تحل قوة العمل محلة لكي تحتل المصنع.

وإذا قرأنا الأمر على ضوء الأزمة المالية الاقتصادية الجارية، وفي الولايات المتحدة تحديداً، فإن النساء سوف يبززن الرجال لا شك في العمل. ومع ذلك يظل موقعهن ضعيفاً وقد يصبح اضعف. ففي الأزمة تنتهي الرأسمالية إلى صفتها المعروفة التي اطلقها عليها كارل ماركس: “راسمالية الأجور المتدنية [3] Low-Wage Capitalism”، وهي حالة تنجم عن عرض عال للعمل، وطلب قليل عليه، مما يسمح للراسمالي بدفع اجور أقل، وهذا بخلاف الفوردية التي دعت للأجور الأعلى، كما يسمح للتشكيلة الاجتماعية الاقتصادية نفسها بتأنيث العمل لأن القبول النسائي بالأجور الأقل اصبح دارجاً.

وابعد حتى من هذا، ففي ظل راسمالية الأجور القليلة، والعمالة الوفيرة، يزداد اغتراب العامل عن ما أنتجه، كيف لا وهو مغرَّب اساساً بعمله تحت إمرة ماكينات تنتج بغزارة كما لو كانت مدفوعة بقوة الجِنِّ والإنس معاً. فاية مفارقة؟ تشغيل هائل وإنتاج يفيض على حواف النهر، والناس عطشى للماء وجوعى للسكنن وبلا مساكن!

نعم، ليس العدد الكبير للنساء في سوق العمل هو نهاية الأمر، وإن كان مقدمة موضوعية للتغيير. حتى الآن هو اختلاف في الدرجة لا النوع! فبين ان تكون للمرأة كوتا من 30 بالمئة أو 55 بالمئة، لا يتغير شيئاً ما لم تتغير التشكيلة الاجتماعية الاقتصادية نفسها، النظام السياسي نفسه، جوهر هذا النظام، أو قوة صاعقه (إذا شئنا استخدام مكونات القنبلة، فمفجرها هو الصاعق) اي نمط الإنتاج الراسمالي.

حتى الآن، ما تنجزه المرأة هو التمكين. والتمكين ليس اكثر من محاولة لتقريبها إلى (الرجل زُلفى). أي رجل؟ اي لتقع كالعامل الذكر تحت “استغلال متساوي”.

ماذا يحتاج هذا في الولايات المتحدة مثلا؟ يحتاج إلى حركة عمالية. اي لا تكفي حتى حركة نقابية. حركة عمالية طبقية المحتوى، مساواتية التكوين، يبرز كل بنضاله وحسب، بتحمله في مقاومة راس المال. حين تصل الطبقات العمالية الثلاثة في الولايات المتحدة إلى بلورة حركة عمالية يزدهر التفاؤل الذي ابداه الرفيق أفاكيان. والطبقات الثلاث هي:

· الطبقة العاملة في الاقتصاد الجديد، قطاع الإنترنيت والمضاربات وصناديق التحوط واقتصاد الكازينو…الخ

· والطبقة العاملة الصناعية الكلاسيكية التي تراجع تكوينها وحجمها لصالح الطبقة الأولى، والثالثة وهي

· طبقة عمالة الخدمات التي تتسع بشراهة.

إذا كانت الراسمالية قادرة بعد على تفكيك الطبقة الواحدة في البلد الواحد، فالشوط طويل حتى نوحد عمال العالم. هنا تكمن المفارقة، ففي لحظة تخلخل توازن راس المال، لم ينتصب الوعي الطبقي بعد. ولكن ليس إلى الأبد.


[1] Bob Avakian, Chairman of the Revolutionary Communist Party, USA, titled: Unresolved Contradictions: Driving Forces for Revolution, Fall 2009. Source: http://revcom.us/avakian/driving

[2] يوم تفجير البرجين القتيلين في نيويورك، لم يتركز حديث ديك تشيني نائب الرئيس الاميركي على كرامة البلد وأرواح الضحايا، بل تركز على الاقتصاد، على الاستهلاك. كانت عبارته الأشهر: “لكي يثبت الأميركي ولائه الوطني عليه أن يستهلك”! اين جهيزة من هذه البلاغة؟

[3] يتضح تحول اقتصاد الولايات المتحدة إلى راسمالية الاجور المتدنية من حقيقة أنه في سبعينات القرن الماضي كانت شركة جنرال موتورز هي أكبر مشغِّل بعمالها ال 600,000 كعمال نقابيين، ويحصلون بشكل نسبي على أجور ومكافآت عالية. أما الآن، فإن المشغِّل الأكبر في الولايات المتحجة هو وال-مارت Wal-Mart، الذي يشغل 1,200,000 عامل/ة يحصلون على أجور تقارب حد الفقر، ويعيش الكثير منهم على أل Food stamps، ومعونات الحكومة، وفي بيئة معادية تماماً حتى لمجرد ذكر كلمة اتحاد العمال. أنظر:

Low-Wage Capitalism, by Fred Goldestien, World View Forum, 2008, New York, NY 10011, p. vii