نصيحة مجانية لاصحاب السلطة في العراق!

جمال محمد تقي

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة العاشرة ـ العدد 2120 )

قالوا قديما قطع الاعناق ولا قطع الارزاق، وذلك لان وطئة محاربة الناس بأرزاقها هو قتل مكرر وبذل وعذاب. اما اذا كان الحاكم قاطعا للعنق والرزق معا فانه يقرب نهايته بيده لا محال ولا مجال. فالموت بكسر العنق سيكون رحيما والموت بقطع الرزق سيكون جحيما وكلاهما موت، وفي هذه الحالة يندر ان يصبر الناس اذا عرفوا ان موتهم سيكون محتما، فالانتظار يعني قبولهم بالموت جوعا وقتلا!

اكتب هذه الكلمات وانا اتذكر خطاب احمد حسن البكر المنقول مباشرة بواسطة تلفزيون بغداد والذي القاه بجموع المفصولين السياسيين المتجمعين امام القصر الجمهوري ـ حاليا ضمن مباني المنطقة الخضراء ـ وهم يهتفون لعدالة القرار ويشيدون به، اعلن البكر في خطابه قرار مجلس قيادة الثورة باعادتهم جميعا الى وظائفهم واحتساب فترة الفصل لاغراض الخدمة والتقاعد، وذلك في عام 1969، كان اغلب المفصولين من الشيوعيين او المحسوبين عليهم وهم بالالاف، فيهم الاساتذة والمعلمين والموظفين وعمال القطاع العام ـ بقيت عالقة في مخيلتي صورة البكر وهو يريد ان يستكمل مفردات خطابه لكن هتافات الجموع الفرحة واهازيجهم تقاطعه باستمرار، حتى تعب البكر من كثرة المقاطعة فصاح بهم شائطا ـ يزي عاد او خفت ـ وهي كلمات شعبية تعني يكفي هذا افتر الله حماسكم او اخفته ـ يذكرني هذا الخطاب والقرار الذي احتواه بمقدار الكسب الشعبي الكبير الذي حققته حكومة البعث وقتها وهي ما زالت حديثة العهد بالسلطة!

تذكرت ايضا الاجراءات الحثيثة والمغرية التي اتخذتها الحكومة العراقية في منتصف السبعينات لتشجيع الكفاءات العراقية المهاجرة من اجل العودة للوطن والمشاركة بتنفيذ الخطط التنموية الجبارة فيه، كانت عودة الكفاءات العراقية العاملة في الخارج هدف حيوي عملت لتحقيقه كل الوزارات وتنافست على انجازه ـ الصحة والتعليم العالي والزراعة والصناعة ومؤسسة البحث العلمي ومؤسسة الطاقة الذرية وقبلهم جميعا وزارة التخطيط التي كان لها قيمة علمية وفنية ومركزية مشهود لها ـ كل وزارة تحملت مسؤولياتها في توفير التسهيلات الملائمة للعائدين ـ السكن المريح والرواتب المجزية والاعانات المالية لبناء الاراضي الممنوحة لهم اضافة للاعفاءات الكمركية عن كل ما استجلبوه معهم من اثاث او سيارات شخصية!

عندما اقارن بين ما فعله السابقون ومنذ نوري السعيد وحتى 9 نيسان 2003 وما يفعله اللاحقون من طلاب السلطة الحاليين فانني لا اجد ما اقوله سوى بان السابقين كانوا ورغم مثالبهم رجال دولة وبامتياز، اما الحاليون فهم طلاب سلطة مؤقتون لذلك تجدهم يسرعون بالنهب والكسب غير المشروع ويتنافسون على ما خف وزنه وغلى ثمنه، وليس لهم شأن ببناء الدولة لانهم لا يريدونها ان تكون غير سلطة تذهب عندما يذهبون، حتى الاثراء كان بالنسبة للحكام السابقين هو اثراء في بذخ القصور والكماليات التي تبقى كأصول ثابتة داخل البلد اما اصحاب السلطة في المنطقة الخضراء فانهم لا يكتفون بما استولوا عليه من اصول ثابتة بل انهم اخذوا يهربون ثروات العراق الى خارج البلاد حيث تستوطن عوائلهم وحيث يعيشون بعد سقوط سلطتهم!

النصيحة المجانية التي اقدمها الى حكومات الاحتلال في العراق، انه لا حل امامهم لاستطالة فترة تمتعهم بالسلطة غير الكف عن مطاردة الناس بارزاقها بعد ان استهتروا بقطع الاعناق!

ارجعوا كل ذي عمل الى عمله، ولا تتأخروا في الغاء قوانين الاجتثاث ومهزلة العدالة والمسائلة ـ لانكم الاولى من غيركم بالشمول بها ـ فهذه جنوب افريقيا ورغم مشكلاتها العنصرية المزمنة فأنها حافظت على سلمها الاجتماعي عندما جعلت من الاعتراف بالخطأ هو سمة لمرحلة جديدة من البناء، اي لم تكن سياسة الانتقام والاجتثاث وعقد المظلوميات هي المحرك لنهضتها الجديدة!

اما انتم ايها المتسلطون في العراق فلا واعز وطني مسؤول لديكم، الذي لديكم فقط هو واعز الانتقام والغنيمة وكأننا في عصر جاهلي جديد!

ليس غريبا ان يكون البارزاني والطالباني مختلفين عن مجمل الطاقم المتسلط حاليا في العراق، والسبب لانهما اصحاب مشروع محدد الملامح ـ اقامة دولة كردية في شمال العراق ـ مشروع يتطلب تجنيد كل الطاقات وعدم الانزلاق للمعوقات وخاصة الداخلية، مشروع يتطلب خطوات لا تخلو من التجاوز حتى على بعض المسلمات التي كانت في الماضي تعتبر خطوط حمر!

في عام 1992 عندما تمكن حزبا البرزاني والطالباني من بسط نفوذيهما على منطقة الجيب الامن في شمال العراق، كان اول قرار اتخذاه هو العفو عن اعوان النظام السابق والبعثيين من الاكراد وهم يعدون بمئات الالاف ومنهم من كان يقود حملات التصفية بحق الحزبين، لكن القرار كان ذكيا وبناءا فهو احتواهم ووفر لهم العيش الكريم من دون اي شكل من اشكال المحاسبة عن الماضي بكل ما فيه من دماء وثراء، والكثير من هؤلاء اليوم يتقلدون المناصب والمسؤوليات، وكان لهذا القرار الفضل الكبير على ما تشهده مناطق شمال العراق من هدوء نسبي واستقرار مريح!

من المثال اعلاه نستنتج ان من يريد ان يبني فعلا، يجمع ولا يفرق، وهذا ما فعله الاخوة الاعداء جلال الطالباني ومسعود البارزاني، حيث عملا على السير التدريجي باتجاه التوحد المحلي تحضيرا للانفصال عن المركز لان هدفهم القادم هو بناء دولة كردية في الشمال العراقي والذي اخذ يتوسع حتى وصل بحدوده الافتراضية الى تخوم بغداد، اما من يفرق ولا يجمع فهو يهدم ولا يبني بطبيعة الحال، وخير مثال على ذلك هي سياسات الاحزاب الطائفية ـ الحكيم والدعوة تحديدا ـ فسياسة هؤلاء قصيرة النظر وهي تؤدي حتما بقصد او دونه الى تهديم العراق وتقسيمه!

يبقى ان نقول ان رجال الدولة يبنون ما لا يزول بزوالهم اما طلاب السلطة فهم يزولون بزوال سلطتهم، والنصيحة هنا تدعو هؤلاء الهواة الى استخلاص الدروس على الاقل من المتحاصصين معهم من امراء شمال العراق، لانهم ان استمروا على هذا المنوال بمحاربة خصومهم بسياسة قطع الارزاق والاعناق فانهم يرسمون نهاية مأساوية لسلطتهم المهزوزة!