قراءة في كتاب: “تشريح الفكر السلفي المتطرف “

خطيب بدلة

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة العاشرة ـ العدد 2126 )

الكتاب: تشريح الفكر السلفي المتطرف

المؤلف: حسن محسن رمضان

الناشر: دار الحصاد، بدمشق

سنة النشر: 2009

عدد الصفحات: 654 صفحة من القطع الكبير

يعتبر كتاب (تشريح الفكر السلفي المتطرف) الصادر مؤخراً عن دار الحصاد بدمشق، المؤلف من 654 صفحة من القطع الكبير، مرجعاً مهماً للغاية حول هذا الموضوع الشائك. وأكاد أجزم أن أي باحث يريد أن يتناول هذا الموضوع في وقت لاحق لن يجد ما يضيفه إليه.

لقد سبق لمؤلف الكتاب الباحث الكويتي حسن محسن رمضان أن أصدر كتاباً على قدر كبير من الأهمية يحمل عنوان (السلفية والعلمانية)، وهو هنا يتصدى بجدارة لعملية الدخول في أعماق التفكير السلفي، والوقوف على عوامل وأسباب التطرف الذي يحتل اليوم ساحة تفكير الملايين من البشر في مختلف أصقاع الأرض.

هذه القضية، في الحقيقة، ليست قضية صراع أديان، إنما هي مسألة بقاء لطرف، وفناء للطرف الآخر، يجب أن يكون فيها هازم ومهزوم، قاتل ومقتول.

إن المجتمعات الغربية التي أخذت على عاتقها مواجهة التطرف الإسلامي بشكل علني وسافر لا يربطها بالدين إلا رباط رمزي غير مؤثر في آليات القرار السياسي ولا في توجيهه. ولعل أصحاب الآراء المعاكسة لهذا الرأي، القائلة بأن هذه الحرب إنما هي صليبية يهودية موجهة ضد الإسلام، قد غابت عنهم حقيقةُ أن تلك الدول هي دول مؤسسات، واتخاذ القرارات المصيرية فيها يكون من خلال برلمان منتخب ومؤسسة حكمية متخصصة ذات طابع علماني براغماتي بحت، ولا شيء يخضع لمزاجية فرد أو قائد أو كنيسة أو معبد.

يقدم الكتاب في البداية تعريفاً موجزاً لمجموعة من رموز الفكر السلفي المتطرف المعاصرين، بدءاً بـ (مجدد الزمان وقاهر الروس والأمريكان) أسامة بن لادن المليونير السعودي من أصل يمني الذي تولت مكِنةُ الإعلام الغربي والأمريكي الجبارة عملية الربط بين اسمه وبين الإرهاب).

قاتل بن لادن السوفييت في أفغانستان سنة 1979، ونسبت إليه مجموعة من التفجيرات ضد المصالح الأمريكية في أماكن مختلفة من العالم، وعلى رأسها (11 أيلول 2001)، وهو الذي نظم حملات ومؤسسات لجمع التبرعات للمجاهدين المسلمين، وأسس (سجلاً لقاعدة المعلومات) عن المجاهدين اختصر اسمه إلى: (القاعدة).

وأتى الدكتور (المختص بالجراحة) أيمن الظواهري من أسرة أزهرية بمصر، ليصبح الساعد الأيمن لبن لادن، وليتولى التصريحات الإعلامية والتهديدات التي يوجهها (للكفار)، وهو الذي انتقد الرئيس الأمريكي أوباما بعد أيام من تسلمه الحكم بسبب (ارتداده) عن جذوره الإسلامية.

وسافر أبو مصعب الزرقاوي القادم من مدينة الزرقاء بالأردن، وهو شخص بغير مؤهلات علمية، إلى العراق ليتولى تنظيم القاعدة هناك، وليقوم بنحر الجنود الأمريكان المختطفين بيده. وكان يخطط لإدخال العراق في حرب أهلية شاملة، كما تسرب في رسالة منه لبن لادن. وأخيراً قُتل الزرقاوي في غارة أمريكية على مكان إقامته بناء على معلومات استخباراتية استخلصت من فيلم صوره في صحراء العراق.

ويعدُّ أبو قتادة الأردني من أصل فلسطيني من أهم منظري التيار السلفي المتطرف، وفتاواه وإجاباته ومحاضراته توجد بصيغتها المكتوبة والصوتية حيث يوجد المريدون من أتباع (القاعدة)، حتى إن نسخة منها وُجدت في شقة بألمانيا كان يسكنها محمد عطا أحد منفذي عمليات 11 أيلول.

وأما السعودي يوسف صالح العييري فقد تولى مهمة تدريب (المجاهدين) على مختلف صنوف الأسلحة، وحارب تحت راية (القاعدة) منذ أيام (الغزو) السوفييتي لأفغانستان، وهو المسؤول عن تفجيرات الخُبَر(1996)، وكان يقال إنه موسوعة في العلوم الشرعية والسياسية والعسكرية والكومبيوتر والبرمجة والطبوغرافيا والتكنولوجيا والإلكترونيات، وقد قتل في اشتباك مع دورية أمنية سعودية.

وعلى الرغم من أن أحد الكتب التي ألفها السعودي أبو جندل الأزدي حينما نشر على أحد المواقع الإلكترونية الجهادية قد قرىء خمسين ألف قراءة خلال شهر واحد، إلا أن سيرته الشخصية بقيت غامضة، ولم يعرف عنه سوى رفضه لتسلم جائزة دولة تقديرية عُرضت عليه، باعتبار أن مانحي الجائزة- برأيه- طواغيت.

الفصل الثاني من الكتاب، وهو الأهم، ويتناول فيه الباحث (المنهج العام) للفكر السلفي المتطرف. إن المقصود بمصطلح السلفيين هو إرجاع الأحكام الشرعية إلى القرآن والسنة. وأصحاب مذهب السلف ظهروا في القرن الرابع الهجري، وكانوا من الحنابلة، ثم تجدد ظهورهم في القرن السابع على يد ابن تيمية، ثم تجددت دعوتهم في الجزيرة العربية في القرن الثاني عشر على يد محمد بن عبد الوهاب، وعلماء ومفسرين آخرين.. إنهم الذين اتبعوا طريق الأوائل وحاربوا البدع التي تتكاثر يوماً بعد يوم، مع مستجدات الحياة اليومية.

يتلخص تفكيرهم في ادعاء امتلاك الحقيقة بصورتها الإسلامية، والانتساب إلى العصمة، استناداً إلى ما جزم به ابن تيمية من أن (السلفية هي الطريقة المثلى- ومذهب السلف لا يكون إلا حقاً- وإنهم أعلم ممن بعدهم وأحكم، وإن مُخالفهم أحق بالجهل والحشو).
ومن أقطابهم الشيخ ناصر الدين الألباني الذي يقول عن السلفيين جازماً: هم وحدهم الذين يمثلون الفرقة الناجية من النار. وينتقد الألباني شيوخَ الأزهر الذين تجدهم- على حد زعمه- حيارى لا يستطيعون أن يجادلوا شاباً أمياً.

وفي محاضرة للألباني تطرق لفتوى أصدرها الشيخ محمد سيد الطنطاوي أباح فيها الفوائد المصرفية ولم يعدّها رِباً، فقال عنه:

– هذا ليس عالماً، سألوه: يجوز؟ قال يجوز!

ويعمدُ ناشرُ كتاب (فتح المجيد في شرح كتاب التوحيد) في مقدمته إلى انتقاد عقائد الصوفية، ثم يسخر من حملة الشهادات العليا بقوله: هكذا يحكي الله تعالى من السابقين بآيات كثيرة، ويضرب الأمثال، ولكن من يعقلُها؟ المغفلون؟ لا وكلا، ولكن لا يعقلها إلا العالمون. ومَنْ هم العالمون؟ الدكاترة؟ لا. الأساتذة؟ لا. أصحاب الماجستير؟ لا، وإنما هم المؤمنون حق الإيمان. ويخلص إلى القول بأن الدكاترة (فسقة وضالون عن الحق). )الفصل الثالث من الكتاب يحمل عنوان (الطاغوت والولاء والبراءة والعمليات المسلحة). يسجل المؤلف الآراء المتطرفة والفتاوى السلفية التي تدخل في باب إبطال وتحريم وتكفير وتخطئة عدد كبير من الناس والعادات والمفاهيم، بدءاً بمسائل العقيدة الكبرى، وصولاً إلى الأشياء الصغيرة كتحريم لبس المرأة للكعب العالي، وسواقتها للسيارة، ومهرجان (القرقيعان) الذي يقام في منتصف رمضان في دول الخليج، وعيد الأم، وعيد الشجرة، وتناول الطعام من البوفيه المفتوحة.

حتى إن أحد المصادر السلفية ينص على أن الدعوة إلى القومية والوطنية والولاء للوطن والأرض ما هي إلا حلقة من حلقات الإضلال اليهودي للمسلم والقضاء على الإسلام!
لقد تبنت كتاباتٌ وآراءٌ معاصرة المنهج التكفيري والتطرف العقائدي الذي يرفض الآخرَ إذا لم يستسلم لفقه تلك الجماعات وفهمها وآرائها.

كتب ابن تيمية في كتابه (الصارم المسلول على شاتم الرسول): إن قتل المرتد أوجب من قتل الكافر الأصلي، وبالطبع فإن الزنديق أخطر من المرتد، فهو يضمر الكفر ويدعي الإيمان، وحكمه أن يقتل دون أن يستتاب.

وقال بن لادن: البراء والولاء أوثق عرى الإيمان، نوالي من والى الله تعالى ورسوله (ص)، ونعادي من عادى الله تعالى ورسوله (ص).

كتب الشاطبي في كتابه الشهير (الاعتصام) عبارة توضح الموقف السلفي المبدئي من عقيدة البراء: نحن مأمورون بمعاداتهم، وهم مأمورون بموالاتنا. ويشرح هذه العبارة بقوله: إن فرقة النجاة، وهم أهل السنة، مأمورون بعداوة أهل البدع، والتشريد بهم، والتنكيل بمن انحاش إلى جهتهم، بالقتل فما دون.

إن هذا الكلام طريف ومرعب في آن واحد، ومصدر إرعابه أن كل واحدة من الفرق الثلاث والسبعين تعتقد بنفسها أنها الفرقة الناجية، وأنها ربما هي المأمورة بمعاداة الفرق الأخرى، وبذلك تصبح كل دولة إسلامية مؤهلة لحرب أهلية دموية ليس لها نهاية.

تبنى المنهج السلفي بصفة عامة مبدأ تحريم الخروج على ولي الأمر، حتى وإن كان جائراً أو ظالماً أو سفاك دماء، وثمة نصوص عديدة تؤكد طاعة الحاكم في كل شيء عدا أن يأمرك بمعصية الله وارتكاب الموبقات (كشرب الخمر وعقوق الوالدين).

بيد أن السلفيين المعاصرين أصبحوا أكثر تشدداً من سابقيهم بكثير، فالشيخ بن لادن يقول: كل من سوغ لنفسه اتباع تشريع وضعي أو قانون بشري مخالف لحكم الله فهو كافر خارج عن الملة.

ويقول: إن اللفظ الشرعي في وصف الحاكم الذي يحكم بغير ما أنزل الله، أو يساير الكفار تحت أي مسمى، كتقديم التسهيلات العسكرية، أو تنفيذاً لقرارات الأمم المتحدة ضد الإسلام والمسلمين، فهو كافر مرتد.

وأيمن الظواهري الذي لا يمانع في قتل السياح الأجانب يقول: هذه العمليات لا تضر الشعب المصري، بالعكس، هي من وسائل الحرب ضد النظام المصري الذي يجب تخليص الأمة المسلمة عامة وفي مصر خاصة منه.

(ملاحظة: إن ما ورد في هذه المراجعة لا يعدو كونه رؤوس أقلام لكتاب أهم ما فيه أنه موثق على نحو صارم).

:::::

عن “النور”