التوظيف السياسي للنبوءات التوراتية: ملاحظات في عبثية خطابنا (الحلقة السادسة والاخيرة)

د. مسعد عربيد

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة العاشرة ـ العدد 2127 )

6) العودة وفبركة “قاعدة الانتاج”

كيف أصبح الاستيطان الاستعماري”مهمة بروليتارية”؟

جهد الصهاينة في تحريف الماركسية وفكرها لخدمة أهداف الحركة الصهيونية.[1] فنظَّروا ان ظروف الانتاج (والمقصود هنا البيئة الجغرافية التي تعمل عليها مجموعة من الناس) تشكل أساساً لتطوير “نظرية مادية بحتة حول المسألة القومية”، وأن هدف الصراع الطبقي هو انتزاع الممتلكات والسيطرة على وسائل الانتاج المادية. وكي يتم تسخير فقراء اليهود في خدمة المشروع الاستيطاني ـ الامبريالي وإجهاض الصراع الطبقي وتزييف طبيعته وأطرافه المتصارعة، كانت المزاوجة بين مصالح الطبقتين، البرجوازية والبروليتاريا اليهوديتين، بطرح الاوهام والادعاء بان إقامة المستوطنات في فلسطين تضمن مصلحه كل من هاتين الطبقتين كما توفر الفرصة للنمو الطبيعي للصراع الطبقي بين اليهود وتأمين الظروف المناسبة للانتاج. كان لا بد، إذن، من البحث عن قاعدة ما، عن أرض ما، يجري عليها هذا الانتاج.[2] هكذا تمت فبركة “قاعدة الانتاج” بتوظيف مقولة “العودة.

وفي رحاب هذا التنظير “الماركسي” التقت (1) المصالح الصهيونية في خلق الارض ـ قاعدة الانتاج ـ وإقامة “الوطن اليهودي القومي” في فلسطين، و(2) مصلحة البرجوازية اليهودية التي تمثلت في تهجير البروليتاريا اليهودية الى خارج اوروبا وإبعادها عن الحركات الثورية والاشتراكية التي كانت تناضل ضد مصالح البرجوازية اليهودية والاوربية و(3) المصلحة الاستعمارية في الوطن العربي. وعليه، أضحى الهدف في إستيطان أرض فلسطين، كم كمظور المحرفين الصهاينة، “واجباً بروليتارياً” تُرجم في الهجرة الصهيونية لبناء “قاعدة الانتاج” التي تمثل مصلحة البروليتاريا اليهودية، ناهيك عن ان هذه القاعدة/الارض المستعمَرة توفر الظروف المناسبة لعملية الانتاج وإستثمار الراسمال اليهودي والغربي في فلسطين والتوسع الى كافة أرجاء الوطن العربي مستقبلاً.

7) جدلية “العودة” والاندماج:

ضرب الحركة الاندماجية بين اليهود

وقفت الصهيونية ضد اندماج اليهود في المجتمعات الاوروبية، ونظرّت لاستحالة هذا الاندماج نظرياً وتاريخياً وعملياً:

1) فهي لم ترى في الاندماج خلاصاً من الاضطهاد ولا حلاً للمسألة اليهودية لانه (الاندماج) لا يعدو كونه إحراز بعض الحقوق المدنية والحريات الديمقراطية ومساواة اليهود مع كافة المواطنين الاوروبيين، بل نظّرت لكون المسالة اليهودية في جوهرها مسألة قومية ولذا فان الحل لا يقوم إلا بإنشاء وطن قومي لليهود.

2) إدعت الصهيونية أن المجتمعات الاوروبية، على الرغم مما يبدو من مظاهر الاندماج، ستعود الى إضطهاد اليهود والتمييز ضدهم لان “معاداة السامية أزلية”، لذا فليس هناك حلاً امام اليهود سوى فصلهم جغرافياً وإجتماعياً في دولة يهودية خاصة بهم ولهم فقط. وفي سبيل هذا المسعى، التخلص من الاضطهاد الازلي، جاءت ضرورة “العودة” كركيزة ايديولوجية ولاهوتية في المشروع الصهيوني.

أما اليهود الاندماجيون فقد عارضوا الصهيونية، كما أسلفنا، منذ مراحلها المبكرة ورأوا في دعوتها لتهجير اليهود تنازلاً عن حقوقهم وتخلياً بل هدراً لانجازاتهم في المجتمعات التي عاشوا فيها لقرون، كما وجدوا في تلك الدعوة رضوخاً لللاسامية لان هجرة اليهود بمدلولها العملي كانت تعني إستجابة الصهيونية لشرعية ومصداقية دعوة اللاسامية للتخلص من اليهود وطردهم. وعليه، ولضمان نجاح الفكرة والمشروع الصهيونيين بين الجماعات اليهودية في اوروبا، كان لا بد من إعاقة الاندماج والقضاء على كافة أشكاله وتسعير حملات القمع والاضطهاد المعادية لليهود وتسخيرها (خاصة في اوروبا الشرقية وروسيا) لاثبات فشل وإستحالة الاندماج وتعزير مشروعها في تهجير اليهود الى فلسطين.

خاتمة

الهجرة اليهودية: تحقيق للنبوءات التوراتية أم بحث عن لقمة العيش؟

منذ أخذ اليهود يغادرون فلسطين في اواسط القرن العاشر ق.م.، ومنذ سبي بابل ومروراً باضطهاد اليهود في الاندلس وطردهم منها بعد إنهيار الدولة الاسلامية وسقوط غرناطة عام 1492، وصولاً الى سنوات الاضطهاد والقمع في القرن التاسع عشر في اوروبا، فان وقائع التاريخ تشهد بان اليهود ترحلوا بدوافع إقتصادية وإجتماعية اوضاعهم وبسبب مواقعهم الاقتصادية والمزاحمة بين القوى المتنافسة في المجتمعات الاوروبية. فاليهود لم يواجهوا الاضطهاد لدوافع دينية، وان لم تخلوا حملات الاضهاد والتمييز هذه كغيرها من الازمات التي تمر بها المجتمعات البشرية، من دوافع التمييز الديني والشوفينية والعنصرية والعرقية. فقد كانت العوامل الاقتصادية (الحرف التي تعاطتها أغلبية اليهود كالتجارة والربا والصيرفة)، والبحث عن الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، من الاسياب الرئيسية في موجات هجرة اليهود المتلاحقة الى عواصم الامبراطوريات القديمة. ويشهد التاريخ بان “أرض الميعاد” لم تكن قبلة ملايين اليهود المتطلعين للهجرة، بل نراهم قد إتجهوا نحو اميركا المزدهرة حيث توفرت عوامل الاستقرار الاقتصادي والامن الاجتماعي.

هاجر اليهود، إذن، عبر العصور، كما كافة الشر طلباً للرزق وبحثاً عن لقمة العيش والامن الاجتماعي والاقتصادي. وللتدليل على ما نقول، وعلى سبيل المثال لا الحصر، نقدم مقارنة موجزة بين حالتين: هجرة اليهود الى فلسطين بعد ظهور الدعوة الصهيونية، من جهة، وهجرتهم الى الولايات المتحدة في فترة تاريخية مشابه، من جهة اخرى.

الهجرة الى فلسطين: بلغ عدد اليهود في فلسطين عام 1880، قبل الغزوة الصهيونية لفلسطين، (23) ألفاً، إلا انه ارتفع بعد موجتي الهجرة الاولى (1882 ـ 1903) والثانية (1903 ـ 1913) حتى وصل في عام 1914، عام إندلاع الحرب العالمية الاولى، الى (85) الف. وما أن حلّت الحرب العالمية الاولى وما تسببت به من تدهور الحالة الاقتصادية في البلاد حتى إنخفض عدد اليهود في فلسطين من 85 ألف عام 1913 الى 66 الف عام 1918.[3] وحتى بعد صدور وعد بلفور عام 1917 أخفقت الصهيونية في إقناع اليهود بالهجرة الى فلسطين حيث “وطنهم القومي” الموعود، بل إتجهت الهجرة اليهودية وخاصة الروس منهم نحو الاميركيتين واستراليا وكندا وجنوب افريقيا بدل الهجرة الى فلسطين.[4]

الهجرة الى الولايات المتحدة: مقابل معطيات الهجرة اليهودية الى فلسطين، نرى أن الولايات المتحدة إستقبلت في فترة مشابهة (بين عامي 1880 ـ 1924) ما يقارب 2و2 مليون يهودي، أغلبيتهم من فقراء الريف الروسي، من أصل 24 مليون مهاجر دخلوا الولايات المتحدة في تلك الفترة قادمين من كافة أنحاء العالم. ولا يخفي ما بين هاتين الحالتين من فارق كبير:

ـ ففي حين كانت فلسطين آنذاك تحت الاحتلال العثماني وتعاني من مخلفات قرون من الفقر والتخلف وويلات الحرب العالمية الاولى؛

ـ كانت الولايات المتحدة الاميركية تشهد إزدهاراً إقتصادياً وصناعياً لا يضاهى.[5]

وبعد، فأين هي “عودة” اليهود الى ارض اليمعاد في واحدة من أكبر موجات الهجرة في التاريخ؟ وهل كانت الهجرة اليهودية تنفيذاً لعقيدة “العودة” وتحقيقاً للنبوءات التوراتية، أم بحثاً عن لقمة العيش؟

بعض المراجع الهامة

كتب:

1) يوسف ايّوب حداد، “هل لليهود حق ديني او تاريخي في فلسطين”، في جزئين، بيسان للنشر والتوزيع والاعلام، بيروت، يناير 2004.

2) عبد الوهاب المسيري: “موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية”، دار الشروق، القاهرو، 1999:

ـ مجلد 2، الجزء الثاني: يهود أم جماعات يهودية؟ ص ص 125 ـ 130 و الخزر 149 ـ 153

3) آرثر كوستلر: “امبراطورية الخزر وميراتها: القبيلة الثالثة عشرة”، ترجمة حمدي متولي مصطفى صالح، منشورات “فلسطين المحتلة”، بيروت، 1978.

4) يوري إيفانوف، “إحذروا الصهيونية”، منشورات وكالة أنباء نوفوستي، موسكو، 1969.

5) مجموعة من الكتاب السوفييت، “الصهيونية: نظرية وممارسة”، ترجمة يوسف سلمان، دار الطليعة، بيروت، 1974.

6) هاني الهندي، “حول الصهيونية واسرائيل”، دار الطليعة، بيروت، 1971.

7) د. أمين عبد الله محمود، “مشاريع الاستيطان اليهودي منذ قيام الثورة الفرنسية حتى نهاية الحرب العالمية الاولى”، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، شباط 1984.

8) بديعة أمين، المشكلة اليهودية والحركة الصهيونية، دار الطليعة، بيروت 1974.

9) د. إميل توما، جذور القضية الفلسطينية، مركز الابحاث في منظمة التحرير الفلسطينية، بيروت، 1973.

10) د. يوسف هيكل، فلسطين: قبل وبعد، دار العلم للملايين، بيروت، الطبعة الاولى، 1971.

11) إلياس سعد، الهجرة اليهودية الى فلسطين المتحلة، مركز الابحاث في منظمة التحرير الفلسطينية، بيروت، 1969.

دراسات:

1) محمد ولد المى ألياسينى: “الأصل غير اليهودي للصهيونية”، ترجمة مسعد عربيد، مجلة “كنعان”، العدد 113، نيسان 2003.

2) عادل سمارة: “علاقة الصهيونية بالإمبريالية والنظام العالمي الجديد”، في موقع “كنعان”:

https://kanaanonline.org/?p=1220

3) أديب ديمتري: “العرقية الصهيونية وتيار القومية الرجعية”، مجلة شؤون فلسطينية، العدد 94، سبتمبر 1979.


[1] للاستفاضة في اطروحات موسس هس وبور بوروشوف وغيرهما من دعاة ما يسمى”الصهيونية الاشتراكية”، راجع أديب ديمتري: “العرقية الصهيونية وتيار القومية الرجعية”، مجلة شؤون فلسطينية، العدد 94، سبتمبر 1979، ص 44 ـ 58.

[2] اما حقيقة ان هذه الارض تنتمي لشعب آخر، وان البروليتاريا اليهودية المزعومة كان عليها ان تهاجر الى تلك الارض لتسوطنها وتصبح قوة مستعمِرة مضطهِدة لشعب آخر، فهي اسئلة لم تقلق “الماركسيين” الصهاينة.

[3] إلياس سعد: الهجرة اليهودية الى فلسطين المتحلة، مركز الابحاث في منظمة التحرير الفلسطينية، بيروت، 1969، ص ص 15 ـ 19.

The estimated Jewish population of Palestine between 1882 and 1922 was:

24,000 (1882), 47,000 (1895), 50,000 (1900), 81,000 (1910, 85,000 (1914), 56,000 (1916 – 1918), 83,794 (1922). See Hadawi, S., John, R., The Palestinian Diary – Volume One 1914-1945, The Palestine Research Center, Beirut, Lebanon. 1970, P. 15.

ويكاد يتفق معه في هذه المعطيات مصدر يهودي أميركي:

The Jewish Virtual Library is a division of the American-Israeli Cooperative Enterprise. URL location: http://www.jewishvirtuallibrary.org/jsource/Immigration/Second_Aliyah.html

[4] بديعة أمين، المرجع السابق، ص 56.

[5] أوجز أحدهم أسباب هجرة اليهود الروس الى اميركا في: البحث عن مستقبل افضل وحياة اسعد، جني ثمار التقدم الصناعي والتكنولوجي في أميركا، تحقيق الحلم الاميركي في الحرية والذهب والثروة، والهروب من حملة العداء للسامية وحملات القمع في روسيا القيصرية. انظر

Jerry Klinger: “The Russians are Coming, in America Jewish History 1880 – 1924, The Jewish magazine.

URL: http://www.jewishmag.com/85mag/usa8/usa8.htm

The author is the President of the Jewish American Society for Historic Preservation.