نيلسون مانديلا والخيار الوحيد

نصر شمالي

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة العاشرة ـ العدد 2127 )

قبل حوالي عشرين عاماً غادر نيلسون مانديلا السجن الذي قضى فيه حوالي عشرين عاماً. لقد استردّ حريّته بفضل كفاح وتضحيات شعبه في جنوب أفريقيا، وعلى هذا الأساس كان منطقياً أن يؤكّد الرجل الكبير فور خروجه من السجن وفي أوّل تصريحاته على مسألتين: الأولى أنّه مجرّد خادم لشعبه، والثانية أنّ هذا الشعب سوف يواصل الكفاح المسلّح حتى تحقيق كامل أمانيه الوطنية وأهدافه المشروعة. وفي ما بعد، قبل استرداد شعب جنوب أفريقيا لحريته وسيادته وبعد استردادهما وحتى يومنا هذا، لم يظهر في أقوال مانديلا وأفعاله ما يخالف تصريحاته الأولى.

لقد كانت ثمّة ظروف دولية مواتية لإطلاق سراح مانديلا ولتحرّر بلاده، لعلّ أهمّها التناقضات الحادة والصراعات المريرة بين أطراف الرأسمال الاحتكاري الدولي، سواء بصدد ثروات جنوب أفريقيا أم بصدد غيرها، وذلك بعد أن بدأ الاتحاد السوفييتي بالانهيار، وبعد أن قرّرت واشنطن التفرّد في إدارة العالم.

ولعلّ مانديلا التقط حينئذ الفرصة التاريخية النادرة السانحة، فتساهل، بصدد العلاقات الاقتصادية الجديدة، مع هذا الطرف على حساب ذاك الطرف، لكنّه ظلّ ثابتاً لا يتزحزح قيد أنملة في ما يتعلّق بالثوابت الاستراتيجية، وأوّلها حقّ شعبه في مواصلة الكفاح المسلّح إلى أن تتحقّق أمانيه وأهدافه كاملة. وبما أنّه لبّى حينئذ دعوات لزيارة عدد من العواصم، في مقدّمتها لندن وواشنطن، فقد حرص على تأكيد ثوابته في مواجهة جميع الرؤساء الذين استقبلوه، وأولهم الرئيس الأميركي جورج بوش الأب.

في واشنطن طالبه الرئيس الأميركي بإيقاف العنف، فردّ مانديلا بحزم وببساطة قائلاً: إنّ لجوءنا إلى العنف هو بسبب عدم وجود خيار آخر! لقد عنى مانديلا بجوابه أنّه إذا كان ثمّة خيار آخر فإنّه لم يظهر بعد، وأنّ الكفاح المسلّح هو الذي سيبلوره ويظهره! وعندما واصل بوش الأبّ حديثه عن أوضاع جنوب أفريقيا بعبارات تنضح عنجهية وصلفاً ردّ مانديلا أنّ الرئيس الأميركي ليس مطّلعاً تماماً على الوضع في جنوب أفريقيا! وياله من ردّ! حيث الرئيس الأميركي لا يمكن أن يجهل حقيقة الوضع، وبالتالي فإنّ الردّ تضمّن اتهامه بالانحياز ضدّ الحقيقة، على الأقلّ!

لم تكن زيارة مانديلا لعواصم الدول الاستعمارية ومقابلة رؤسائها تعني مشكلة وطنية أفريقية، لكنّها كانت ستصبح كذلك لو أنّ الرجل تسوّل تلك الزيارات والمقابلات، وأبدى استعداداً لتقديم التنازلات عن الثوابت الوطنية، ولو أنّه كان يسعى لنيل الاعتراف به لا بشعبه، ويسعى لخدمة قضيته لا قضية شعبه، ويريد الاطمئنان على مصالحه لا على مصالح شعبه، وبما أنّ مانديلا لم يكن كذلك فقد بقي فوق الشبهات، وإن هو اجتمع إلى مارغريت تاتشر وجورج بوش الأب، اللذان تتحمّل سياسات بلديهما الاستعمارية العنصرية القسط الأكبر من المسؤولية عن العذاب المرير الطويل الذي عانى منه شعب جنوب أفريقيا.

والآن، بعد هذه الإشارة إلى مواقف مانديلا، هل يمكننا القول أنّ التاريخ لم يشهد مثيلاً لما نتابعه من أقوال وأفعال النظام الرسمي العربي وتفرعاته، سواء بصدد القضية الفلسطينية المركزية أم بصدد غيرها من القضايا؟ نعم، يمكننا قول ذلك! إذ هل يعقل أن يبلغ التفريط الرسمي العربي هذا الحدّ المروّع، فتقدّم المساعدات الميدانية للعدو الصهيوني في نطاق إحكام الحصار ضدّ الشعب العربي الفلسطيني، وفي نطاق تجريده مما تبقّى لديه من أسباب العيش؟ أمّا عن نيلسون مانديلا فيمكننا تصوّر مبلغ الحرج الذي واجهه عندما وجد نفسه، في تلك الجولة من الزيارات عام 1990، مدعواً للحديث عن القضية الفلسطينية، فقد كان الموقف الرسمي الفلسطيني والعربي مزعزعاً بل مريباً منذ ذلك التاريخ، بحيث لم يكن مانديلا يستطيع الانطلاق على سجيّته في الحديث عن فلسطين!

لقد أعلن مانديلا حينئذ، قبل أن يستردّ شعبه حرّيته وسيادته، أنّ الكفاح المسلّح هو الطريق الوحيد في جنوب أفريقيا، لكنّه لم يستطع القول أنّه الطريق الوحيد في فلسطين، على الرغم من أنّ الشعبين يعيشان المأساة ذاتها ويواجهان العدو ذاته تقريباً! لماذا؟ لأنّ التفريط الرسمي العربي والفلسطيني كان قد انطلق حينئذ على قدم وساق! وهكذا راح مانديلا يتحدّث عن القضية الفلسطينية مستخدماً عبارات لا تخرج عن الحدود التي رسمها النظام الرسمي العربي والفلسطيني. لكنّ عبارات مانديلا كانت، في الحقيقة، أقلّ إيلاماً بما لا يقاس من العبارات التي تصدر عن المسؤولين العرب!

في بلادنا يأمر الرئيس الأميركي بالامتناع عن ممارسة أيّ عمل من أعمال المقاومة ضدّ الاحتلال فيجد بين الحكّام العرب من يستجيب له. ويأمر بإطلاق صفة الإرهاب على المقاومة فتوصف بذلك. ويأمر بمحاصرة مليون ونصف المليون إنسان في قطاع غزّة ومعاملتهم معاملة السجناء فتنفّذ أوامره. وذلك كلّه لقاء وعد بإقناع الإسرائيليين بمجرّد الجلوس إلى طاولة واحدة مع بعض المسؤولين الفلسطينيين!

أمّا في جنوب أفريقيا فقد أعلن نيلسون مانديلا في واشنطن بوضوح تام، عام 1990، أنّ على حكومة الولايات المتحدة استشارته قبل اتخاذ قرار برفع العقوبات الاقتصادية عن الحكومة العنصرية البيضاء التي كانت لا تزال تحكم بلاده، فلم يملك الرئيس بوش الأبّ سوى الإجابة بأنّه سوف يستشير “المؤتمر الأفريقي” المقاوم عندما تتوافر الشروط التي يحدّدها القانون الأميركي لرفع العقوبات!

:::::

ns_shamali@yahoo.com