العمال: بين “فردانية” الاستغلال المعولم وأممية الثورة الثقافية

د. عادل سمارة

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة العاشرة ـ العدد 2131 )

لم يُحسم النقاش بعد فيما إذا كانت العولمة حقبة أعلى من الإمبريالية أم هي مجرد أحد تجلياتها، وهو أمر أضافت عليه الأزمة المالية/الاقتصادية درجة أعلى من الرمادية حيث انقسم المأخوذون ضميرياً ووجدانياً بالثورة الاشتراكية بين متحمس يرى الاشتراكية على الأبواب، ومتبصر يرى أن ما حصل هو بمثابة إرهاص للثورة أعلى من أي إرهاص آخر سابق.

من جهتها، فالرأسمالية ممعنة في إصلاح محركها، إمعاناً على قدم وساق. وهي وإن أُصيبت في مقتل جراء تورطها في العراق وعجزها عن الانسحاب السريع منه ومن أفغانستان، لكنها عادت لتتجه نحو الاستثمار في الحروب بالإنابة كما يحصل في اليمن حيث تفتح هذه الحرب فرص تشغيل صناعاتها الحربية بما يدفعه المشتبكون (العرب). وحتى في العراق، فإن احتمالات الصراع العربي العراقي والكردي العراقي يبقى وارد، والإعداد لعدوان صهيوني على إيران ولحرب عربية-إيرانية لا يخفى، ناهيك عن الاحتمالات المفتوحة في لبنان، وتوسيع دور كولومبيا لمواجهة المد البوليفاري في اميركا اللاتينية الذي يتحول إلى أممية هذه المرة.

ثورة المعلومات والتكنولوجيا والثورة الاجتماعية

قادت الثورة الصناعية وتطورها المستمر إلى جعل العمل والإنتاج اجتماعياً. وأصبح الدارج أن قطاع عمل ما يكون عصرياً ومواكباً للعصر بقدر ما يكون العمل فيه اجتماعياً، وهذا ما أخرج الفلاحين إلى درجة كبيرة من المساهمة المحتملة (طبقياً) على الأقل في الثورة/ات. وهو كذلك كان ولا يزال أمراً خلافياً.

لكن الإنتاج الاجتماعي Socialization of Production كما أسماه لينين، لم ينحصر في نطاق الدولة القومية، فهو علاقة طبقية، بغض النظر عن الجغرافيا، وهو قائم بالطبع على تقسيم العمل وعلى تقسيمات متلاحقة للعمل تُحدث كل واحدة منها تطورات اجتماعية جديدة ومتلاحقة وتتطلب تحليلاً يواكبها.

اشترط الإنتاج الاجتماعي منذ البداية مستوى من التفارق. فالصراع الطبقي افترض وولَّد الحركتين النقابية والعمالية، وفي حين كان دور الحركة العمالية الاشتباك مع البرجوازية تمكنت الأخيرة من امتصاص ذلك بدرجة كبيرة، هي على الأقل حالت دون الثورة، وهو الأمر الذي تجلى في “الأرستقراطية العمالية”. وفي خضم هذا التناقض الطبقي غير المنفجر كان دور الأحزاب الشيوعية والعمالية بنجاح هنا وإخفاق هناك.

ولكن، ماذا عن اليوم وقد جعلت العولمة العالم سهلاً منبسطاً لحراكها المرن؟ لتوضيح أكثر، كان تصدير رأس المال إلى المحيط في أيام لينين هو لتشغيل العمال هناك في المناجم، بينما عمال المركز في المصانع، وبالتالي لم تكن هناك صلة وصلٍ تنافسية بينهما.

لكن الكرسي المرن، أو لنقُل مثلا “بساط الريح” الذي يتحرك عليه رأس المال اليوم على صعيد عالمي، خلق متغيراً جديداً. لقد تحول وهج السيادة القومية لدى الطبقات الشعبية في المحيط إلى برودة سلبية خَصَتْها قوة القمع وشهوة الكمبرادور للربح التجاري السريع وغير الاستحداثي أو المغامر مما حوَّل بلدان المحيط إلى متسابقين على الاستثمار الأجنبي المباشر والذي مُنح الأمان على ممتلكاته وأرباحه وحرية تحويل كل ما ينهبه إلى وطنه المركز![1] وعزز هذا التطور تصدير رأس المال العامل الإنتاجي من المركز إلى المحيط، بغض النظر عن المستوى التقني لما تم ويتم تصديره.

كان لهذه التطورات تاثيرها على الاقتصاد العالمي وبالطبع على الطبقة العاملة في العالم، وهو ما أثار نقاشاً لم يُحسم بعد كذلك؛ بمعنى هل نحن أمام طبقة عاملة عالمية واحدة؟ ربما ليس بعد. ولكن الانتقال من نهب الثروات والمواد الخام إلى غزو المحيط بالمصنع أو مثلاً بتخصيص كوريا بإنتاج رقائق الكمبيوتر لشركة Dell، وتصنيع مقاعد الطائرات الأميركية في رومانيا، وتخصيص إنتاج إطارات سيارات تويوتا لإندونيسيا، وتجميع جهاز الكمبيوتر في الهند ليقوم بذلك العامل الواحد في 4-5 دقائق، وتدفق مئات آلاف العمال الفنيين من المحيط إلى المركز أو تشغيلهم حيث هم في المركز بفارق أجرة يصل إلى ربع أو خُمس أو عُشر أجرة نظرائهم في المركز، كل هذه تشير إلى ذلك التداخل العميق على مستويي رأس المال والعمل، وإلى تطامن الدولة القومية في المحيط تجاه ذلك.

يقوم رأس المال بهذا مدفوعاً بالرغبة في تحقيق أعلى معدل ربح ممكن وذلك أساساً بدفع أقل أجرة عمل ممكنة، من خلال استخدام عمالة المحيط مما قاد إلى تدهور أجور وحتى معدل تشغيل عمالة المركز. وهكذا نرى أن رأس المال يلعب بقوة العمل العالمية كما لو كانت دُمىً. وأية دُمى، نتحدث هنا عن قوة عمال عالمية تقارب 3 مليار إنسان! هل حلم العالم بقوة تحرك هذا العدد الجِّنِّيِ من الناس؟

في هذا المستوى تلعب شركات الأوف شورOffshore [2] الدورالمركزي حيث تتنقل بسرعة وسهولة من بلد إلى آخر، مستغلة العرض العالي للعمال على صعيد عالمي. وهذا العرض جاء نتيجة لـ:

  • انفتاح أسواق العمل في الصين والهند ودول الكتلة الشرقية على المركز بما فيها من كفاءات عمالية لا تحلم بأجور عالية.
  • توسع التعليم في المحيط عامة (خاصة بعد ثورات التحرر الوطني والمجيء المؤقت للأنظمة الوطنية ولا سيما التي تبنت استراتيجيات إحلال الواردات) مما خلق قوة عمل قادرة على منافسة تلك التي في المركز.
  • قلة الطلب على العمالة الفنية في المركز حيث يسد عمال المحيط الفنيون مسدها وبأجر زهيد.
  • تأنيث العمل بتزايد عدد النساء العاملات حيث فاق عدد الرجال في الولايات المتحدة على سبيل المثال[3].
  • تطور أدوات إنتاج جعلت من الممكن إنجاز أجزاء من العمل الذهني والمادي في المنازل، مما أضعف بالطبع فرص العمل النقابي، وبالتالي قدم لرأس المال مجموعات أو أفراد مقطَّعين لطلب الشغل، الأمر الذي جعل تشغيلهم أسهل وبحقوق والتزامات أقل أيضاً من قبل المشغّل، وهذا مثابة عرض عال للعمل لا ينجم عن العدد وإنما عن إضعاف القدرة التفاوضية، ضعف نسبي.

ما ألفناه في الماضي، قبل قرن مثلاً، أن الطبقة العاملة (البروليتاريا تحديداً) تتميز بالوعي الطبقي وبالتالي باحتمالية العمل الثوري الاشتراكي بالطبع. وهذا ما حصل في العديد من البلدان. أما اليوم، فلم يعد هذا شرطاً، فقد تمكنت التكنولوجيا المتقدمة من ترسيخ تقسيمات في العمل على الصعيد العالمي والذي ميزه ماركس عن تقسيم العمل في موقع العمل نفسه. أما على ضوء هذه التقسيمات فقد تمكن رأس المال من خلق تمفصلات طبقية في المحيط هي أقرب نسبياً للطبقة العاملة الصناعية في الغرب، بل وحتى أقرب إلى الطبقة العاملة في الاقتصاد الجديد هناك، أقرب إلى هذه الطبقة النخبوية المركزية مما هي إلى الطبقة العاملة في بلدان المحيط نفسها.

وهذا خلق كما يبدو سلسة من التناقضات في بنية الطبقة/ات العاملة العالمية:

  • تنافس العمالة الماهرة على مستوى مركز/محيط
  • تفارق العمالة الماهرة (العاملة للشركات متعدية الجنسية) في المحيط مع الطبقة العاملة المحلية

وهذه تطورات تدفع باتجاه تفكيك الحركة العاملة العالمية بدل توحيدها. فرأس المال هو الذي يحدد طبيعة العلاقات العمالية، وهذا أمر يعني في النهاية التذرير الفردي للعمال. وعليه، بدل أن تكون هناك حركة عمالية تدفع في الحد الأدنى باتجاه الأجر الأكبر وفي الأعلى إلى الثورة، أصبح هناك تنافساً بين العمال حتى على الأجرة الأقل، وهذا يعني تسوُّد هيمنة رأس المال وتراجع مشروع النهوض الهيمني للطبقة العاملة، وذلك نظراً للعرض العالي للعمالة الذي أشرنا إليه أعلاه. وهذه تطورات تزيدها الأزمة المالية/الاقتصادية الحالية تفاقماً.

بهذا المعنى، تغدو الطبقة العاملة في كل من المركز والمحيط على مفترق طرق، فإما التحول إلى الشوفينية، وخاصة من المركز تجاه المحيط، وربما بالعكس كذلك، وهو أمر ممكن في حالة انحطاط الوعي. ولكن الآلة الشوفينية لن تشتغل، إذا ما سُمح لها، إلا بنصف طاقتها، أي ضد عمالة المحيط المقيمة في المركز، وليس ضد عمالة المحيط المقيمة في المحيط والتي تعمل لصالح شركات المركز، أي تنافس عمالة المركز. هذا من جهة، ومن جهة ثانية، فإن رأس المال ممثلاً في الشركات ومعبراً عنه سلطويا وقرارتياً بالدولة، لن يسمح لهذه الشوفينية بالتوسع، لأنها تضرب معدل الربح! قدس أقداس رأس المال.

ربما كان أول من ناقش هذه المسألة، أقصد انعزال أميركا مثلاً منذ الخمسينات هو جوزيف شومبيتر الذي كان يخشى المد الاشتراكي. ولكن، إذا كان الأمر مجرد خيال آنذاك، فهو استحالة اليوم. فقد أصبح غزو رأس المال للمحيط هو مسألة حياة أو موت لرأس المال.

وهذا يستدعي من قوة العمل قراءة أخرى للواقع.

الحِس الاقتصادي والوعي الطبقي

كلما تطورت أدوات الإنتاج وازداد الطلب على العمالة الماهرة، كلما تمكن رأس المال من تحقيق قيمة زائدة أعلى وأعلى، وهي القيمة الزائدة النسبية، بمعنى أن ما يتحقق من استغلال العمل الماهر هو أعلى بمضاعفات لا محدودة مما يتحقق من استغلال العمل العضلي. وإذا كان ما يريده رأس المال هو الربح الأقصى/اللامحدود، فإن تطوير الآلات التي تعتصر أقصى حد ممكن من الربح، يصبح الهدف الدائم لرأس المال. ورأس المال هذا، مع تطور هذه السلسلة، يُلقي بالعمالة العادية إلى بحر البطالة، لذا تخرج بلدان كثيرة من تاريخ الشغل وتتحول شعوبها إلى أفواه آكلة للسلع ذات الدرجات المتدنية. كما وتُخرج أي تُطرد أعداد هائلة من العمال في بلدان كالهند والصين والبرازيل ومصر من سوق العمل. وكَوْن هذا التهميش ناتج عن تطور الآلات، وعن تحول المعلومة إلى قوة إنتاجية، فهذا يعني كذلك أن حاجة رأس المال إلى قوة العمل البشري حتى الماهرة هي في تراجع مستمر.

لا بد لهذه الأمور أن تكون واضحة للطبقة العاملة والفلاحين بالطبع. وهي لا شك تبدأ كحسٍّ ووعي اقتصادي نقابي متعلق أو مرتكز على المطالبة الدائمة؛ بدءاً من المطالبة بالشغل وصولاً إلى زيادة الأجر، وتوالي هذه الزيادة.

إلا أن الدرجة الأعلى والأكثر تأثيراً وضرورةً هي الانتقال إلى الوعي الطبقي. والوعي الطبقي هو الأكثر تعقيداً. فإذا كان الوعي الاقتصادي هو أقرب إلى الحالة الحسِّية وإلى الضرورة الحياتية اليومية، فإن الوعي الطبقي هو شغلٌ آخر. هو مشروع شغل على مستويات الفرد والحزب والطبقة. هو مشروع تطور وتطوير يتطلب بذل جهد في فهم منهجي لبنية التشكيلة الاجتماعية الاقتصادية كمجموع كي لا يكون الفهم نتفاً هنا وأخرى هناك. أي أن المطلوب هو فهم متوازن بمختلف جوانبه.

يتطلب هذا ثورة ثقافية. بما هي الضمان الوحيد لإعادة تثقيف الطبقات الشعبية بجوهر رأس المال ودوره ومخاطره وكونه مركوب بالضرورة بفوضى الإنتاج والركض وراء أقصى الارباح، بمعنى أن مشاكل الفقر والبطالة وتدني الأجور وتفاوت الأجور…الخ هي النتيجة الطبيعية المتجذرة في هذا النظام.

لا يمكن بلورة حركة عمالية دون وعي طبقي عمالي، وهو وعي يقوم على مسألة أساسية هي الاقتناع بعمق بأن الانتماء للاشتراكية يفترض تجاوز الشوفينية والعنصرية ويفترض النضال الجماعي؛ وهذه لا تتأتى إلا بالوعي المعمق. وغير هذا هو الجهل المعمق. الجهل الطبقي السياسي الذي يكمن، بل يتعايش مع الخبرات والكفاءات العلمية والتقنية المصابة بالعمى الاجتماعي الاقتصادي وتحديداً الطبقي. ليس فقط بالعجز عن التحليل، بل بانعدام الرؤية أساساً.

فالثورة الثقافية هي وحدها التي تنقل الوعي الحسي ومن ثم الطبقي من حالة الموجود في ذاته إلى الموجود لذاته، وتنقل هذا “الموجود” لذاته إلى المستوى الإنساني وليس إلى الطبقة الواحدة في البلد الواحد فحسب. هو الوعي الطبقي الأممي (بدل المعولم)، كوعي مخالف ومُناظر ومناقض.

إن التراخي الطبقي الناجم عن العرض الهائل للعمل وعن الطلب المتدني عليه من قبل رأس المال، والتنافس على الأجور المتدنية، لا يُواجَه بغير المتاريس الفكرية. وهذا يفتح أولاً، على قراءة ليس فقط لسلوك العمال الذي يُصيبه الدُوار اليومي لتحصيل الرزق، بل قراءة للقوى السياسية التي يُفترض أنها “ممثلة” الطبقة العاملة. وهي القوى التي يجب أن يتم توليدها من الطبقة العاملة والطبقات الشعبية، لا أن تأتي مفروضة عليها من الأعلى كما دَرَجْ.

قد يقول البعض أن هذا مدخل افتراضي طوباوي للوصول إلى الثورة. ولكن وعي الطبقات الشعبية عامة بأن ما تعانيه هو جراء فوضى الإنتاج والشره على المال، ناهيك عن الفساد والسرقات (ومادوف ليس الحالة الوحيدة)، والحروب…الخ، هذا الوعي إن حصل يشكل ركيزة للثورة لا تنكسر. ولن تكون الثورة ثورة بالجهل!


[1] المقصود هنا أن الكمبرادور في بلدان العالم الثالث التي لامست شواطىء الاشتراكية وأممت، في حينه، كثيرا من القمم الاقتصادية عادت لتستسلم لقانون السوق والانفتاح حتى لو تضمن ذلك تجريف التراب.

[2] وهي الشركات التي كي تتهرب من الضرائب تنتقل إلى مناطق غير بلادها الأصلبية، وهي متنقلة بشكل مستمر طالما هناك فرصاً لمعدلات ربح أعلى، وفي انتقالها إلى المحيط تحديداً تستفيد بالضرورة من قوة العمل ذات الأجرة الرخيصة.

[3] انظر مقالة بادية ربيع، تأنيث العمل لا يحقق المساواة، في كنعان الإلكترونية، العدد 2119 بتاريخ 1-1-2010