أبعد من مذبحة نجع حمادي: إلى أين يقتادون الأمة والأرض؟

وهل هناك من يتصدى لِ :ما العمل!

(الحلقة الاولى)

عادل سمارة ـ رام الله المحتلة

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة العاشرة ـ العدد 2134 )

بمحض الصدفة المتولدة عن حرقة وطنية، أو بقرار واعٍ للنضال الطبقي، ما العمل للمرء الذي يعيش اللحظة: استدخال الهزيمة، التطبيع بفخر، التطبيع بخفر، التطبيع بالسر، والتطبيع على المنتصف؟ ما العمل وقد صار مناضلاً في عصر الردَّات؟ هل يسأل العقل أم القلب؟ لا هذا ولا ذاك! فالاستشارة في هذه اللحظة قرار سقوط. ما أفدح أن تفقد غيرك لأنه سقط، اي نوع من السقوط، لا يهمّْ ولكن الأفدح ان تسقط أنت، أن تفقد نفسك! ليس من حقك التراجع.

ملاحظة

ما يجري في الوطن العربي اليوم من احداث لا تشكل سوى قمة جبل الجليد لما هو قادم ما لم يُواجه بما يردَّه، أو على الأقل بتقييم حقيقي لأسبابه، وباقتراح مقدمات، مسودات لما يمكن وما يجب أن يكون عليه الرد. لا بل أكثر من هذا بكثير. اي هل من مبادرة تستغرق الحدث القائم، وتذهب لما هو أبعد منه. تذهب لاتجاه وضع استراتيجية أخرى، لا تستثني الاستراتيجية المعادية والخطيرة، ولكن لا تظل محكومة بالأسس التي قامت عليها استراتيجية العدوان على الأمة والوطن.

لهذا، بدل تعليق سياسي سريع على هذه الأحداث، فإن التالية محاولة لقراءة ما وراء هذه الأحداث ومحاولة للوصول، أو حتى التأشير، إلى آليات مواجهة قوى ونتائج ومفاعيل ما يجري اليوم.

الحلقة الاولى

الدين…

في تحالف المؤسستين السياسية والدينية

منذ أن بدأ الإنسان نقل افكاره وتدوينها، اي منذ بدء التاريخ المحفوظ والمنقول والمقروء والمحَّلل والمُقيَّم والإنسان في صراع داخلي ومعلَن مع المسألة الدينية بما هو في اغتراب مع الطبيعة وبما ان المسألة الدينية بالنسبة له هي محاولة للإجابة على الاغتراب[1]. وعليه طوَّر الإنسان مفاهيم ومواقف عديدة ومتناقضة من الدين، تراوحت بين نسب الدين إلى الله، ونسبه إلى الإنسان والابتعاد المطلق عنه، أي الدين. وبين هذه المواقف الثلاثة توجد تنويعات هائلة في فهم الأديان.

تُبدي هذه المواقف أو تستدعي بتنويعاتها قراءة المناخات الذي تعامل فيها الإنسان مع المسألة الدينية. هل هي الرهبة من الطبيعة وقوتها الخارقة مقابل عجزه وضآلته، وهو عجز وضآلة تخفًّان نسبياً كلما تقدم الإنسان في الوعي والعلم، أي كلما قهر جوانب من الطبيعة العمياء. وبالطبع يفترض العجز والضآلة التفكير في القوة التي أتت بهذه الطبيعة، فيكون، بالنسبة للمؤمنين، هو الله ويكون الدين رسالته إلى الناس. والإيمان بهذا المعنى يشكل الرصيد المتوفر بشكل مطلق للناس بحيث يستدعيه الإنسان كلما ووجه بأمر يصعب إنجازه أو التصدي له، فما بالك إذا ما ووجه الإنسان بما يؤكد عجزه؟ بكلمة اخرى، تبين تحديات الحياة ان الدين ظل هو العلاج الوحيد للخلاص من مختلف انواع العجز. وهو علاج لا كلفة ولا عقوبة على فشله أو عدم نجاعته قط. فإذا ما حل بالإنسان ما ترجَّى من الدين أن يصدَّهُ عنه كي لا يحل به، لا يملك الإنسان إلا الاستسلام وتقديم تبريرات وتفسيرات على حسابه، كالقول مثلاًً إن سبب تخلف العرب هو في ابتعادهم عن الدين. فالدين ليس طبيباً يُلام على موت المريض بين يديه.

متى يتمثل الإنسان الإيمان كإيمان بغض النظر عن حاجته للقوة الخارقة، ومتى لا، هذا أمر لم يتم حسمه حتى فلسفياً وعلى صعيد التجربة الإنسانية بعد.

والسؤال المفترض من ناحية عملية: كيف يتعاطى الإنسان في حياته اليومية، علاقاته، معاملاته، ومفاهيمه مع الدين؟ هل يتعاطى مع الدين في نطاق حاجته وإيمانه الشخصي، أم يتعاطى مع الدين كمؤسسة يتلقى منها الإنسان تفسيرا للدين. هو تفسير إنساني بالفعل لكنه يأخذ شكل القبول المفروض من الآخرين.

وليس هذا وحسب، فالمؤسسة الدينية تحول الإنسان الفرد إلى ممثل لها ناطق باسمها لدرجة تخوله وتخولها تخطيىء وتأثيم من لا يتفق مع فتاوى المؤسسة. وبما ان الفرد والمؤسسة تنطقان باسم الدين يصبح من الصعوبة بمكان نقدهما لأن النقد في هذه الحالة سيُفهم على أنه، نقد للدين. وهذا بحد ذاته مكمن الخطر بمعنى تقديس أو الحيلولة دون تأثيم الفرد من المؤسسة الدينية متدثرا بإهاب الدين. هذا هو الفارق ربما الرئيس بين الإيمان الإنساني العادي والطوعي وبين قوانين فهم الدين، وهي قوانين وضعية، وهي القوانين التي تفرض على الناس قبول رؤية أو قراءة المؤسسة الدينية.

الإشكالية في جدل الأرض

والمؤسسة الدينية وإن كانت تزعم انها تُعنى بشؤون السماء، إلا أنها عملياً، ومن ثمَّ تطبيقياً قائمة في الأرض، وهذه هي الإشكالية الرئيسية في الحياة الإنسانية. وتتجلى هذه الإشكالية اكثر إذا قرأنا المسألة الدينية من مدخل التاريخ والاقتصاد السياسي، بمعنى ما هي ومن هي المؤسسة الدينية، ما هي ارتباطاتها بالسلطات الحاكمة ما علاقتها بالملكية الخاصة والثروة والمصالح؟ اي هل المؤسسة الدينية، شأنها شأن المؤسسة، السياسية ذات ارتباط وانتماء طبقي؟ هل هي خارج المبنى الطبقي، الصراع الطبقي، هل هي (بونابرتية دينية) ؟ هل يمكن أن يكون شيئا اجتماعيا ما في التاريخ خارجاً عن نطاق البنى وبالتالي الصراعات الطبقية؟

بكلمات أخرى، هل المؤسسة الدينية مستقلة تماماً في المجتمعات المعاصرة؟ وتحديداً ما مدى استقلاليتها و /او ارتباطها بالمؤسسة السياسية؟ وفي اية مجتمعات تكون العلاقة بين المؤسستين اقوى، ثم من هي المؤسسة التي تسيطر على الأخرى وتوظفها؟

لا شك ان العلاقة بين المؤسستين موجودة في مختلف التشكيلات الاجتماعية الاقتصادية للراسمالية المعاصرة في المركز والمحيط على حد سواء. فالمؤسستان تساندان بعضهما بعضاً في عملية تحالف/صراع في الوقت نفسه. تحالف ضد المؤسسات الأخرى المتناقضة معهما، ضد الطبقات الشعبية، وصراع فيما بينهما على المصالح الطبقية لكل منهما. صراع بين المؤسسة الدينية التي تفرض هيمنتها بموجب الإيديولوجيا في زعم انها تمثل الله في الأرض وبين المؤسسة السياسية التي تمثل اساساً وتعتمد على مصالح الطبقة/ات السائدة حاملة الإيديولوجيا المهيمنة والتي تتصارع مع الهيمنة الأخرى للطبقات الشعبية، الهيمنة المقاوِمة، أي إيديولوجيا الطبقات المقهورة. ويكون الفيصل هنا: هل تلتقي او تتحالف المؤسستان مع بعضهما ضد هيمنة الطبقات الشعبية ام لا؟ هذا التحالف الذي يحصل غالباً هو ما نسميه تناقض/صراع.

تمتلىء بطون التاريخ بشواهد على تحالف المؤسستين الدينية والسياسية لا سيما حينما تقف على رأسيهما نخب طبقية متآلفة المصالح. وقد يكون التحالف بين المؤسسة السياسية الإقطاعية في اوروبا وبين رجال الدين (الكنيسة الكاثوليكية) بشكل خاص إبان حروب الفرنجة مثالا واضحا على هذا التحالف. تمثلت المصلحة المشتركة هنا في حاجة فائض الأمراء إلى إقطاعيات وتطابق هذا مع رغبة الكنيسة ان تمد هيمنتها على الشرق.

ولا يختلف الأمر في التشكيلات الراسمالية، سواء المركزية منها والمحيطية حيث يُحسم الصراع بين المؤسستين لصالح المؤسسة السياسية مما يؤكد الدور المقرر للاقتصاد (المصالح المادية ومالكيها) على حساب وحتى باستخدام الإيديولوجيا بما فيها الدينية. ويتمظهر هذا الحسم في رسملة المؤسسة الدينية، بل رسملة الدين لتصبح المؤسسة الدينية مؤسسة تثقيف وفتاوى تدافع عن الراسمالية وتخدمها إلى درجة تصبح معها المؤسسة الدينية جزءاً من المبنى الاجتماعي للتراكم.

تعتبر اوروبا الغربية، بما هي المنطقة التي انتقلت أولاً من الإقطاع إلى الرأسمالية، مثالا واضحا على رسملة الدين وهو الأمر الذي تجلى في تبعية الكنيسة للسلطة السياسية للبرجوازية، وهو التطور الذي دعمته القوة الاقتصادية الناتجة عن الثورة الصناعية التي اشترطت درجة عالية من العلمانية، مما حول المؤسسة الدينية إلى حالة طقوسية، تستمد قوة بقائها من تحالفها المرن مع السلطة السياسية، وهو تطور يعني بلا مواربة ان على السلطة الدينية، كي تستمر، ان تتفيأ بظلال البرجوازية. فلم يعد الناس في ظل الثورة الصناعية، جاهزين لقبول الهيمنة الإيديولوجية التي كانت سائدة ما قبل هيمنة نمط الإنتاج الراسمالي. هذه الهيمنة هي التي ربما دفعت نابليون للبس العمامة وإشهار إسلامه في محاولة منه لتجنيد المؤسسة الدينية في مصر والشرق لتطويع الطبقات الشعبية هناك لقبول الهمينة السياسية للمستعمِر.

استخدام الدين في إعادة الهندسة الاجتماعية

حينما تتمكن النخبة/ب الراسمالية من تطويع المؤسسة الدينية بمعنى إلحاق المؤسسة الدينية بالسلطة لتصبح جزءا من هيئة مثقفيها العضويين، تكون المؤسسة السياسية قد رسملت الدين ونقلته من الدين الطبيعي إلى إيديولوجيا البرجوازية نفسها، إلى مؤسسة السلطة نفسها. وهنا، يصبح دور المؤسسة الدينية هو إعادة هندسة المجتمع بما يتوافق مع مصالح راس المال (استخدام نظرية اللبرالي كارل بوبر).

ما يدور على صعيد عالمي اليوم، في هذا السياق تحديداً أبعد من مجرد التحليل النظري الذي نورد هنا، والأمر يمكن تعميمه على المركز والمحيط معاً، اي على النظام العالمي بأسره لا سيما على ضوء تطورين اساسيين:

□ استطاعة البرجوازية، ولو مؤقتا، طمس التناقض المادي الطبقي في المجتمع الإنساني عامة لصالح ما يسمى بالتناقض الثقافي سواء على صعيد البلد الواحد او بين بلد وآخر. فحلت مقولات الهوية والثقافة وصدام الثقافات محل الصراع الطبقي.

□ تحول الهزات الاقتصادية العالمية الصغيرة منذ 1973 وحتى 2002 إلى هزة ضخمة، (تسونامي اقتصادية) ما تزال تهز اركان النظام الراسمالي العالمي منذ قرابة عامين وحتى اليوم.

في سياق هذه التطورات صار لا بد من استدعاء كافة انواع العلاجات ليبقى النظام متماسكاً، ومن هذه العلاجات:

□ احتضان الطبقة/والمؤسسة الحاكمة المالكة في الولايات المتحدة، وبدرجة اقل في اوروبا للمؤسسة الدينية وتوظيفها في الحرب على:

■ المرأة بمعنى دعوتها للتحول إلى أُم مسيحية صالحة لتربي الأولاد تربية مسيحية، هذا رغم ان عمالة المرأة هي مجلبة لمعدل ربح أعلى لانها تقبل باجر زهيد.

■ وتوظيف المؤسسة الدينية في الحرب على ما يسمى الإرهاب، وهي في الحقيقة حرب على الإسلام، اي هي حرب دينية هدفها ادلجة المجتمع عبر الدين لصالح الراسمالية. وهذا ما تجلى في سيطرة اتجاه المحافظية الجديدة في الولايات المتحدة خاصة، وتمظهر في التمييز والقمع ضد المسلمين وخاصة العرب في اوروبا الغربية. وهنا تجدر الإشارة إلى ان نتنياهو يعتبر ممثل المحافظية الجديدة في الكيان الصهيوني، ولا يقلل من خطورة هذا كونه وصل رئاسة وزراء الكيان في فترة الديمقراطيين في الولايات المتحدة.

□ تحريك المؤسسة الدينية في المركز والمحيط لصالح راس المال، وهو التحريك “الناجح” وذلك حتى قبيل تعمق الأزمة المالية/الاقتصادية، والذي تجلى في دور الحبر الأعظم السابق ضد دول الاشتراكية المحققة،وخطيئة الحبر الأعظم الحالي ضد الإسلام منذ عدة سنوات، وتلميحاته السريعة الأخيرة بعد يومين من جريمة قتل 6 من المصريين الأقباط ومصري مسلم، وهي تلميحات الانتصار لدين على آخر دون ان يلامس المشهد السياسي بكلمة واحدة. وهذا الموقف نموذجياً على إعادة هندسة الوعي الشعبي لصالح وعي زائف من جهة، وتماهي موقف الكنيسة من النظام المصري مع موقف المركز الراسمالي من جهة ثانية.

□ إستدعاء الإقليمية والطائفية من قبل الأنظمة الحاكمة في المحيط وخاصة في الوطن العربي، والتي وظفت بدورها المؤسسة الدينية لصالح سياساتها الداخلية وارتباطاتها الأجنبية، مثل فتاوى كبار رجال المؤسسة الدينية في مصر لصالح الجدار الفولاذي ضد قطاع غزة، وتبرير مصافحة مفتي مصر لشمعون بيرس وفتاوى ضد إيران. وتوازيا مع نفس موقف الحبر الأعظم هناك فتوى الشيخ يوسف القرضاوي بأن لا يقوم المسلم بتهنئة المسيحي بعيده! وبقدر ما أن هذه الفتوى مناقضة لأخلاقيات الدين وأدبيات التعامل الإنساني للأفراد والدبلوماسي للدول، فهي تنمُّ عن طبيعة التفكير، وأولوياته! هل ما يقلقنا اليوم هو أمر أن يهنىء شخص جاره بعيد أو غيره. هل الناس أعداء إلى هذ الحد؟ أليس هذا تفكير تصفوي! هذه مخاطر خلط الدنيا بالدين. كيف يمكن أن يدافع الإثنان عن الوطن إذا كانت العلاقة بينهما بمثل هذا التضاد؟ كيف يمكن أن يكونا في حركة سياسية ضد النظام الحاكم في مصر مثلاً؟ أليست فتوى القرضاوي في النهاية نموذجاً على خدمة المؤسسة الدينية للمؤسسة السياسية، التي مثلا تقيد بناء الكنائس[2]. وإذا كان محظوراً على المسلم تهنئة المسيحي، فلماذا لا يرفض السني الشيعي، والشيعي السني…الى ما لانهاية في وطن يعج بالفسيفسائية.

ادى استخدام المؤسسة الدينية من قبل المؤسسة السياسية، وهو استخدام تهيئت لقبوله ولا شك وتساهم في صياغة خطابه، إلى حالة من الاصطفافات والاشتباكات على ارضية دينية، لم تكن هي السبب الحقيقي لمختلف الإشكالات التي تطل براسها في البلدان التي تفجرت فيها هذه الإشكالات. وعليه تكون إعادة الهندسة الاجتماعية قد نجحت في تغطية بل طمس، ولو إلى حين، عملية إعادة الاصطفاف الطبقي بما هو التناقض الحقيقي، على الصعيدين القومي والدولي.


[1] بشأن الاغتراب أنظر عادل سمارة في النشرة الإلكترونية http://www.kanaanonline.org الأعداد 1854، 1856، 1860

[2] أنظر مقالة أحمد الخميسي في كنعان الإلكترونية العدد 2133. لم أتخيل كعربي أن هناك تقييدات من هذا القبيل في مصر!!!