18 و19 يناير 1977: نظرة أخرى

على منصور

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة العاشرة ـ العدد 2137 )

في يناير من كل عام، وكطقس ثابت لا يتغير، يكتب الاشتراكيون الراديكاليون عددا من المقالات احتفاء بانتفاضة 18 و19 يناير 1977، يقدمون فيها التحية للانتفاضة، ويحللون مقدماتها، ويشرحون وقائعها ونتائجها. الآن نحتاج إلى ما هو أكثر من ذلك. إذا كنا مقتنعين فعلا أن سحب انتفاضة قادمة تتجمع وتتكاثر في الأجواء، فلا أقل من أن نقرأ خبرة يناير 77 قراءة متعمقة كدرس ثمين للمستقبل. ولذلك، فسنحاول هنا تقديم بعض الملاحظات حول طبيعة انتفاضة 77 ومسارها وحدودها ومعضلاتها. والأمل أن تفتح تلك الملاحظات بابا للمناقشة حول خبرة لا شك أنها الأهم في تاريخ الصراع الطبقي في مصر منذ ثورة 1919.

عن الانتفاضة ومنطقها

الانتفاضة ليست ثورة، ولكنها يمكن أن تكون مقدمة لواحدة. تبدأ الانتفاضات عادة كانفجار للغضب ضد مظالم محدودة، كرفع الأسعار أو تزوير الانتخابات أو الهزيمة في حرب. لكن الغضب المحدود يتحول إلى انتفاضة عندما يلعب، كما يقول الاشتراكي الثوري البريطاني كريس هارمان عن حق، “دور المفجّر لاستياء شعبي أعمق وأوسع نطاقا”.

في أيامها الأولى، وكقانون عام، تتسم الانتفاضات بدرجة من اللاوضوح في استراتيجيتها وفي منظورها الطبقي. الاندفاعة الأولى للحركة الجماهيرية، والحماسة التي يفجرها النجاح في التخلص من نظام بغيض، تلعبان دورا في طمس التناقضات بين الطبقات والمشاريع السياسية. من هنا نجد أن أولئك الذين ينتفضون كرها لنظام لم يعودوا يطيقون استمراره، يظلون مفتقرين لفترة – قد تطور أو تقصر على حسب الظروف – للوضوح بصدد مسألة النظام الذين يريدونه بديلا للوضع القائم، وبصدد المضمون الحقيقي للخلافات بين القوى والأحزاب.

الأحزاب السياسية، ومختلف القوى الناظمة لحركة الجماهير كالنقابات والجمعيات، عادة ما لا يكون لها دور يُذكر في الأيام الأولى لأي انتفاضة. ذلك أن الانتفاضة تمثل مفاجأة، حتى لأولئك الذين يحلمون بها. وبسبب هول المفاجأة، ومن فرطها، تغيب السياسة المنظَمة عن حركة الشارع. يبدو هذا الغياب المؤقت منطقيا إذا ما تذكرنا أن الجمود النسبي للبيروقراطية التنظيمية لأية قوة سياسية، حتى الثورية منها، يمنعها عن الاستجابة السريعة للأحداث المتلاحقة.

على أن غياب السياسة المنظَمة للأحزاب والقوى في الأيام الأولى لا يعني، على خلاف تصورات كثير من اليساريين، غياب السياسة أو الوعي عموما. فالجماهير المنتفضة ليست قطيعا من الغوغاء أو الدهماء كما تروّج البرجوازية وكتّابها المضلِلون. إذ تختزن الجماهير غير المسيَسة وعيا متناقضا اكتسبته من تجربة كدحها ونضالها في ظل المجتمع الرأسمالي في أيامه العادية، ومن تأثير الأفكار البرجوازية الساقطة على رؤوسها من وسائل الإعلام والتربية. ويتفاوت وعي أقسام الجماهير، والطبقة العاملة بالذات، حسب خبرتها النضالية، ودرجة تنظيمها، وعلاقتها بالقوى السياسية التقدمية أو الرجعية.

كل هذا يظهر بشكل مفاجئ وعفوي خلال الانتفاضة. قبل أن تخطو بيروقراطيات القوى السياسية خطوة واحدة، يظهر في غمار النضال تباين الوعي بين أقسام الجماهير. آحاد من الجماهير المنتفضة ترشحهم الأحداث للعب أدوارا قيادية في كل موقع. ربما يحدث ذلك لأنهم أثبتوا قياديتهم في معارك سابقة، وربما لأنهم يقرأون جرائد الصباح ولديهم شخصيات تتسم بالجرأة، وربما لأنهم ينتمون إلى قوى سياسية علّمتهم ودربّتهم على مدى السنين. وبين هؤلاء القادة المحليين، المرتبطين عضويا بالجماهير، تبدأ جدالات حول ما يجب فعله يشارك فيها، ويُستقطب من خلالها، الكادحون الأقل خبرة.

هنا، في أتون الأحداث، تظهر بدايات الأفكار الإصلاحية والثورية. هنا تتناطح الاستراتيجيات في صورتها الأولية وتكتسب أنصارا أو أعداء. وهنا، بعد مرور الأيام الأولى، إذا مرت، تغرس القوى السياسية أقدامها، بعد إفاقتها من صدمة الأيام الأولى، لتحوّل الأفكار الأولية إلى مشاريع واستراتيجيات مكتملة.

انتفاضة يناير 1977

على هذا الأساس يمكننا أن نفهم 18 و19 يناير. ما حدث في يناير 1977 لم يكن ثورة، بل انتفاضة تمت تصفيتها قبل أن تتحول لثورة تهدد النظام الاجتماعي، بل حتى قبل أن تحقق هدفا محدودا – نعني إسقاط النظام السياسي – حققته انتفاضات أخرى، كانتفاضات إندونيسيا (1998) والأرجنتين (2001) وبوليفيا (2003).

فلماذا؟

ترتبط الإجابة على هذا السؤال بأمرين حددا مسار الانتفاضة ونهايتها السريعة: أفكار القادة العضويين (أي المحليين المباشرين) للانتفاضة، ووضعية البرجوازية قبل وأثناء الانتفاضة.

نبدأ بأفكار القادة العضويين للانتفاضة. قبل 1977، وعلى مدى حوالي عقد من الزمان بدأ بمظاهرات فبراير 68 ضد الأحكام الهزيلة على قادة سلاح الطيران في حرب 1967، كانت الحركة السياسية اليسارية والنضالات الطبقية تختمر بشكل متصاعد. فعلى الصعيد السياسي استعادت الحركة الشيوعية نشاطها بعد كارثة حل الحزب الشيوعي (1964)، وظهرت تنظيمات شيوعية متعددة (الحزب الشيوعي المصري، حزب العمال الشيوعي، منظمة 8 يناير … الخ) خلقت لنفسها جذورا في بعض الأوساط الطلابية والعمالية، وظهر حزب التجمع جاذبا الآلاف إلى عضويته. إلى جانب ذلك، نمت القوى الناصرية (وريثة التنظيم الطليعي) في النقابات وفي نوادي الفكر في الجامعات.

على صعيد النضالات الطبقية أيضا كانت سنوات هذا العقد مليئة بالأحداث. فمن مظاهرات فبراير 68، إلى أحداث حلوان 69، إلى مظاهرات وإضرابات 71-72، إلى إحياء الحركة بعد حرب أكتوبر وصعود النضالات العمالية لتبلغ ذروتها في 75-76، نمت طليعة عمالية وطلابية جديدة تأثرت بالقوى اليسارية ولعبت أدوارا قيادية في تلك السنوات الخصبة. وفي هذا السياق، أدت العلاقة الجدلية بين نمو الحركة ونمو القوى اليسارية إلى غرز آلاف من اليساريين بشكل عضوي في أوساط الطلبة والعمال. بعض هؤلاء كان منتميا تنظيميا، والبعض الآخر كان فقط متأثرا بالأفكار والأساليب.

هذا هو الوضع الذي تفجرت فيه انتفاضة 77 بسبب قرارات 17 يناير الاقتصادية. فقد كان تأثير اليسار مهما على الأحداث ليس لأن التنظيمات الشيوعية المتآمرة أشعلتها كما أدعى النظام ووزارة داخليته، ولكن لأن عناصره والمتأثرين بأفكاره وبالأفكار الناصرية كانوا بين الجموع التي انتفضت في هذين اليومين الحاسمين. وقد لعب هؤلاء أدوارا قيادية في توجيه مسار الأحداث في كثير من المواقع – خاصة المصانع والجامعات اللتان تتسمان بطبيعتهما بدرجة أعلى من التنظيم.

ماذا فعل هؤلاء اليساريون في 18 و19 يناير؟ يطرح الكاتب الشيوعي أحمد صادق سعد في دراسته القيّمة لانتفاضة 77 أن اليسار، حتى الراديكالي منه، كان مقيدا برؤية إصلاحية للحدث مناقضة لقوة الدفع السياسية للانتفاضة. سعد يثبت تقديره هذا بتحليل بيانات المنظمات اليسارية التي أدانت العنف وتبرأت من لعب دور في الانتفاضة وحصرت أهدافها في إسقاط القرارات الاقتصادية.

سعد محق في تقديره، ولكن ليس لأن البيانات المركزية لتلك القوى وصلت للجماهير وأثرت فيها – فكما طرحنا، يغيب تأثير القوى السياسية المركزي في الأيام الأولى لأي انتفاضة – ولكن لأن هذه البيانات تكشف عن نوع التربية السياسية التي تلقتها عناصر تلك القوى والمتأثرون بها من المنغمسين في أوساط الجماهير، وتكشف بالتالي عن نوع المواقف التي دافع عنها هؤلاء، وهم نسبة مهمة ممن قادوا الأحداث، خلال المناقشات في المواقع المختلفة حول الوسائل والأهداف.

سعد يورد هنا مثلا هاما. ففي أثناء المظاهرات كان يظهر مدافعون عن الذهاب لمجلس الشعب لرفع مطلب إلغاء القرارات الاقتصادية، وكان يظهر على الوجه المقابل تيار المواجهة العنيفة للسلطة ورموزها عبر إشعال الحرائق وتحطيم المحلات. لن يختلف معنا كثيرون على الأغلب إذا قلنا أن كثير من عناصر اليسار، بمختلف فصائله، كانت في “طليعة” المدافعين عن البديل الأول، وأن البديل الثاني المتحدي للنظام لم يجد من يصححه وينضجه ويخضعه للهدف الثوري ولمركزية النضال العمالي. لن يختلف معنا كثيرون إذا قلنا أن مَن يرى الاشتراكية هدفا مؤجَل، وهذا كان موقف معظم عناصر اليسار، لا يمكنه أن يسعى لدفع الانتفاضة باتجاه الثورة. ومَن يعتبر إسقاط النظام عمليا محض خيال، لا يمكنه أن يُطّور مطلب اقتصادي محدود (إلغاء القرارات الاقتصادية) إلى مطلب سياسي أكثر جذرية (إسقاط السلطة السياسية). ومن لا يملك رؤية واضحة للدور القيادي للطبقة العاملة، لا يمكنه أن يسعى بشكل منهجي إلى دفع انتفاضة العمال ومظاهراتهم في اتجاه الإضراب (ثم الإضراب العام) وفي اتجاه تكوين أشكال تنظيمية فاعلة للحركة العمالية تستطيع توفير فرصة لسيطرة الطبقة العاملة على قوى الانتفاضة بدلا من ترك العملية الانتفاضية، كما حدث بالفعل بدءا من نهاية يوم 18 يناير، في يد قوى البرجوازية الصغيرة والبروليتاريا الرثة غير القادرة على امتلاك مشروع تكتيكي أو استراتيجي واضح المعالم.

هذا المثل يؤكد أن المشكلة كانت أعمق من مجرد سيادة النزعة الإصلاحية على العناصر اليسارية. فلو أن مطلب هؤلاء – كما حدث في إندونيسيا مثلا – كان إسقاط رأس النظام السياسي بدون تغيير شكل المجتمع، لكانت هذه إصلاحية تقليدية. لكن الكارثة أن تلك القيادات – التي التف حولها قسم من الجماهير المنظمة التي اندفع معظمها في المرحلة الأولى من الانتفاضة إلى اليسار، ولكن ليس إلى حد تحدي قياداتها الموثوق بها – كانت أكثر من إصلاحية؛ كانت محافظة تخشى حتى من طرح مطلب إسقاط النظام السياسي. وهذا يفسر جزئيا لماذا تراجعت الحركة الطلابية والعمالية في اليوم الثاني للأحداث مع اهتزاز قسم من العناصر المسيسة التي قادتها، ولماذا انتهت تماما فور إعلان إلغاء قرار رفع الأسعار. وكأن الانتفاضة، التي أثبتت الأحداث إمكانية تجاوزها السبب المحدود الذي فجّرها، قد حققت أهدافها بمجرد الرجوع عن قرار إلغاء الدعم!

العنصر الثاني المحدِد لمسار الانتفاضة هو وضعية البرجوازية قبل وأثناء الأحداث. كثير من الانتفاضات تتفجر على خلفية انقسام داخل الطبقة الحاكمة حول كيفية حل الأزمة الاقتصادية-الاجتماعية. الانتفاضة، بدورها، تعمّق هذا الانقسام وتفضحه على الملأ، ومن ثَم تعطي الحركة الجماهيرية فرصة أن تتقدم للأمام بينما الطبقة الحاكمة منقسمة. وفي هذه الحالة، إما أن تستفيد الانتفاضة من انقسام البرجوازية لتخترق حاجز التغيير السياسي وتفتح باب الثورة الاجتماعية، أو أن يتم كبحها عن طريق تقديم المعارضة البرجوازية لنفسها بوصفها الحل لأزمة المجتمع.

في 18 و19 يناير، لم يحدث انقسام مؤثر في أوساط الطبقة الحاكمة، وذلك في الأغلب لأن الأحداث لم يسبقها بدايات صراع جاد في أوساط نخبة الحكم. هذا الوضع مثّل عنصرا هاما في تصعيب مهمة الانتفاضة، ليس فقط لأنه سمح للنظام بالتدخل القمعي الحاسم والسريع، ولكن أيضا لأنه حرم الحركة من أرضية سياسية – أرضية الشرعية البرجوازية – تحتاجها أحيانا الانتفاضات في أيامها الأولى حتى يصلب عودها، وحتى تستطيع القوى السياسية الجذرية – إن وجدت – أن تسحب البساط من تحت المعارضة البرجوازية.

درس 77

لا شك أن 77 تقدم لنا درسا هاما: أهمية التنظيم النضالي الحاسم ذو الجذور في الأوساط العمالية (والطلابية). لو توفر تنظيم كهذا آنذاك لاستطاع، عبر التربية السياسية الجذرية طويلة المدى للعناصر الراديكالية من بين القيادات العضوية للانتفاضة، أن يواجه التحدي المحافظ الذي مثله اليسار الستاليني والمهادن. وحتى لو كانت نسبة العناصر الجذرية ضئيلة جدا من مجمل القادة العضويين، فلاشك أن وضوح رؤيتهم وتصميمهم على شعارات وتكتيكات دفع الانتفاضة للأمام كانا سيلعبان دورا، في لحظة تتسم بفوران جماهيري استثنائي، في كسب عدد لا بأس به من العناصر المتذبذبة. وعلى أي حال، لا ينبغي أن ننسى أن موازين القوى في أي انتفاضة لا تقوم على حسابات الأعداد الساذجة. فالتأثير ذو الوزن على أقسام قيادية من الطبقة العاملة يلعب دورا حاسما في تمييل الموازين لصالح قوى تجذير الانتفاضة، ليس لأن هذه الأقسام تمثل النسبة الأكبر بين جموع المنتفضين، وإنما لأنها القوة الأكثر تنظيما وراديكالية وتصميما بين قوى الانتفاضة. فبرغم أن الانتفاضة ليست فعلا خاصا للطبقة العاملة، وإنما تشارك فيها كتل عريضة من البرجوازية المتوسطة والصغيرة ومن البروليتاريا الرثة، إلا أن الجذور القوية في بعض الأوساط العمالية تعطي للثوريين فرصة أكيدة للتأثير على الكتلة الحاسمة في الحركة: الطبقة العاملة. فلو أن بعض الجماهير العمالية رفعت، تحت قيادة تنظيم نضالي، شعار “إسقاط السلطة” بدلا من شعار “إسقاط القرارات الاقتصادية” البائس، ولو أن تلك الجماهير ذاتها استخدمت عضلاتها الاقتصادية، عبر سلاح الإضراب، في الضغط وفي تنظيم الانتفاضة وفي تحويل عنف البروليتاريا الرثة إلى اتجاه بنّاء سياسيا بدلا من إدانته، لتوفَر للحركة ليس فقط طول النفس، وهو عنصر مهم في أي انتفاضة، وإنما ربما أيضا القوة لقلب الموازين وشق البرجوازية. ولو أن الحركة الطلابية، تحت تأثير المناضلين الجذريين، التحمت بالحركة العمالية تحت شعار “إسقاط النظام”، لزادت فرصة تعميق وإنضاج الحركة العمالية سياسيا.

لكن كل ذلك لم يحدث. لقد تبددت طاقة الجماهير، كما يقول تروتسكي، “كما يتبدد البخار إذا لم يتوفر المكبس الذي يضخه في الاتجاه الصحيح”. والمكبس هنا هو التنظيم العمالي الجذري.

أزمة اليسار المصري في 77 لم تكن فقط في رؤاه المحافظة أو اليمينية التي تسربت إلى أسفل، وإنما أيضا في مفهومه العصبوي عن الحزب. فلقد تصور كثير من القادة اليساريين الراديكاليين أن شعارات تنظيم صغير يمكنها أن تُلهم حركة جماهيرية عريضة، فقط لأنها صحيحة. والنتيجة كانت أن من كانوا، لحد ما، أكثر جذرية بين اليسار، كانوا عصبويين بدرجة قلّصت تأثيرهم العضوي بالمقارنة بالستالينيين التقليديين.

على مستوى آخر، يمكننا أن نلاحظ – للغرابة – نوعا من التشابه بين رؤية معظم اليسار للحدث ورؤية الطبقة الحاكمة وجهاز أمنها له. كثير من اليساريين اتفقوا على أن انتفاضة 77 كانت حدثا عفويا تماما لا دخل للساسة أو للسياسة فيه. كانت الرؤية أن الانتفاضة مجرد رد فعل عفوي على قرارات ظالمة، انتهى بإسقاط القرارات التي فجّرته. الطبقة الحاكمة من ناحية أخرى رأت، في معظمها، أن الأحداث كانت مؤامرة من جانب الشيوعيين لا أكثر ولا أقل. وجه الشبه بين الرؤيتين هو اعتمادهما على منظور يقوم على الفصل التام بين عفوية الجماهير المطلقة ووعي القوى السياسية المطلق.

الفصل التام بين العفوية المطلقة والوعي المطلق خطأ فادح ولا أساس له. وهو يؤدي بالضرورة إلى نتائج خطيرة. فإما أن تعتبر الجماهير كالقطيع الذي لا يتحرك ولا يمتلك الوعي بدون مؤامرة (أو قيادة) شيوعية. أو أن تقدس عفوية الجماهير التي ستصل حتما، ومن تلقاء ذاتها، إلى الوعي الثوري. في الحالة الأولى يصبح الحزب الثوري كل شيء، وفي الحالة الثانية يصبح لا شيء!

هذه الرؤية تتناقض مع ما دافعنا عنه في هذا المقال. لا توجد أبدا عفوية مطلقة. حتى في لحظاتها الأولى، وقبل أن تتاح الفرصة للساسة للتدخل، تتبلور في الانتفاضة ميول جذرية وإصلاحية بدرجات مختلفة. ينبع هذا ليس فقط من الوجود العضوي لممثلين للأفكار الثورية والإصلاحية في داخل أوساط العمال والجماهير على وجه العموم، وإنما أيضا من طبيعة الوعي والتجربة الجماهيرية العريضة في ظل المجتمع البرجوازي الذي يفصل بين الاقتصاد والسياسة ويطرح مهمة الإصلاح كبديهية على القسم الغالب من الكادحين، ولكنه نفس الوقت – وتحت ضغوط الاستغلال وتجربة النضال – يسمح لقسم صغير من المستغَلين أن يصلوا لاستنتاجات جذرية، أو حتى ثورية.

هذا بالضبط ما يطرح ضرورة الحزب العمالي الجذري المنغمس عضويا في أوساط الجماهير العمالية. فلأن الحزب لا يمكنه أن يقود الحركة من الخارج، ولأن الحزب لا يصنع الحركة وإنما يعكس ويطّور ويمركز جناحها الأكثر جذرية، ولأن الانفصال التام بين العفوية والوعي لا يعدو أن يكون أكذوبة كبرى، فإن الحزب الجذري الحقيقي لا يمكن أن يُبنى على أساس مفهوم الوعي القادم من الخارج إلى الطبقة العاملة، وإنما على أساس مهمة مركزة وتوحيد وتطوير القسم الأكثر وعيا ونضالية من الطبقة العاملة ذاتها. مهمة الحزب هي أن يبني على شيء موجود بالفعل. ولن يستطيع أن يفعل ذلك إلا إذا كان جزءا عضويا من الطبقة العاملة ومن حركة الجماهير.

امتحان 77 كان قاسيا لليسار. ولكنه أيضا كان ملهما وهاما. لو أننا حقا فهمنا الدرس، فحتما سنتفق على أن واجبنا الأول هو أن نشرع، الآن وفورا، في بناء الحركة وبناء الحزب.

:::::

“الطليعة”

http://groups.google.com/group/altaleaa/web/18–19–1977