إستطرادات الإيهام في علاقة الماركسية بالقومية العربية

أحمد حسين

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة العاشرة ـ العدد 2139 )

ملاحظة من “كنعان”:

أرسل لنا الاخ الاستاذ أحمد حسين هذا المقال، وطلب من عادل سمارة رئيس تحرير “كنعان” ان يراجع الجوانب النظرية من المقال قبل نشره. وقد تلقى الزميل عادل سمارة هذا الطلب باعتزاز معتبره تشريفا كبيراً له ومؤكدا شعوره بالحرج من لغته العربية مقارنة بلغة الاستاذ أحمد حسين البليغة. وقد رأينا في هذا إغناءً للحوار بين الكاتبين الكبيرين، وعليه، نقدم مقال الاستاذ أحمد حسين متضمناً بين سطوره ملاحظات الدكتور عادل سمارة والتي جاءت بين قوسين مزدوجين وبحرف مختلف مقرونة باسمه في بداية كل ملاحظة.

هيئة تحرير “كنعان”

* * *

إستطرادات الإيهام

في علاقة الماركسية بالقومية العربية

أحمد حسين

العالم الذي نراه، مثل أي عالم سنراه أو يراه غيرنا، هو صورة الماضي في حركة الحاضر نحو المستقبل. هذه هي قناعتي المتواضعة إلى أن يظهر فكر علمي أكثر تقدما من الماركسية. وحتى ذلك الحين فإن فذلكات فقه اللغة وتسمياتها الحداثية التي مهدت الطريق أمام النيوليبرالية وفتحت أبواب الإجتهاد أمام عابري السبيل لتبرير أي إسقاط في فراغ المرحلة الشريرة، الذي أدت إليه الإنتكاسة الحتمية لماركسية الحزب المتعب، لا تشير إلا إلى شيء واحد هو أن الماركسية خارج وعي سياقها الثوري ((ملاحظة عادل سمارة: التاريخي)) هي جسد ميت. فحركة قوانين المادة في سيرورة التجاوز الأزليه نحو الأرقى هي حقيقة السياق وجوهره العلمي. ما تبقى من حركات هي ظواهر سياقية للصراع الإجتماعي تتخللها الطفرات والإنتكاسات وتلاعبات الوعي والقوة المرحليين. وفي غياب زخم الوعي الثوري ((ملاحظة عادل سمارة: الناجم اساساً عن غياب المعرفة العلمية الثورية التي وحدها توجب الالتزام بما هو، اي الالتزام دفاع عن شرف الوعي. هذا الغياب هو ما أسس لهزيمة الحزب المتعب نظرياً والمنتفخ مصلحياً وكسباً، وعليه آل إلى تقولات يسارية ورغائب أبناء الطبقة الوسطى)) يمكن للقوة الذاتية أن تحقق اهدافها بسهولة مطردة لأن مواصلة التاريخ أسهل من تغييره، ولأن العالم الحالي ما يزال إقطاعا طبقيا للقوة يملك اللحظة التاريخية وعراقة السيطرة على الوعي والفعل معا. ولكن هذا الواقع هو موقع جدلي أيضا، تشكل فيه فداحة انعدام التوازن لصالح الخلل، واستغلال فائض القوة حتى حدود المجون، سياقا للإثبات يحتجز حركة النقض وراء حواجز مصطنعة، ويطيل أمد الإحتقان، ولكنه أيضا يرفع وتيرة العنف الثوري، ويختصر زمن التغيير عندما تحين لحظته.

نحن نعيش اليوم في زمن الزعرنة النظرية التي تتحرك التفافا حول الإنسان وتاريخه، نحو كنوز عقل الكهانة والدجل وعبقرية الجريمة، لاستحضار عالم جديد عن طريق المغامرة. وهو عالم لا يمكن استحضاره إلا بهذه الحركة الإلتفافية. أي لا يمكن أن يكون عالما جديدا حقا إلا خارج علاقته بما قبله أوبعده، مثل كنز مدفون في تراب التجربة الذاتية منذ قرون طويلة، لا شأن له بما جرى حتى الآن. فالغاية في الأمر إذن هي تأليف سياق جديد من العلاقات، يقوم على انقطاع الصلة التام بين عقل الكينونة ( القانون ) وعقل المصلحة ( النظام )، بحيث لا يعود وعي الحقيقة، التي لم تعد ملزمة، عائقا أمام وعي النظام ويصبح فن تدوير العلاقات ( ألإدارة ) هو الملزم الوحيد بقوة واقع الحال. سيكون هناك وعي خاص بالمعرفة، ووعي مواز وغير مقابل أو متقاطع معه خاص بالنظام. عالم (ما بعد ) كل شيء، يحرر الإنسان من أوهامه القديمة عن نفسه، ومفاهيمه النظامية العاجزة قياسا على نظام الزعرنة الجديد، التي لم تستطع أن تمنحه شيئا سوى مأساة وجوده الممتدة عبر الصراعات الدموية، لأنها أعطت الأهمية للتاريخ وليس للنظام.

هذا النمط من السياق ( التطوري ) الخاص، الذي يلحق الوعي بمغالطات الخلل الخاص، ضمن علاقات تراتب طبقي يسودها عدم التكافؤ المادي للقوة، كان دائما يشكل جوهر العلاقات الخاص للعالم الإمبريالي بالتاريخ. فهو عالم سيطرة بروح مادية وعقل مثالي يفصل تطور المعرفة العلمية عن الوعي، ليفصل بين حركة التطور المادية وإنسانها الحقيقي، بسلسلة مصطنعة من العلاقات التلفيقية ((ملاحظة عادل سمارة: لدى صائغيها، لكنها تولد علاقات اغتراب على مستوى الأكثرية الساحقة الخاضعة لها والمستلبة بخطابها الملفق بدقة وحذق)). ولكنه إلى جانب ذلك هو نظام العراقة التاريخية المؤسس لثقافة التاريخ الطبقي، ظل يملك من قوةالتأسيس ما يكفي لتفريغ أزماته في حاويات الفلسفة والدين والأخلاق التي شكلت أجهزة وعيه وأمنه النظامي، وكونت نظامه التدجيلي البديل عن الوعي عبر التاريخ. لذلك لا يمكن الإفتراض منطقيا أن الوعي الإمبريالي يمكنه أن يتطور نوعيا داخل بنيته التركيبية أو خارجها لأنه محكوم تنظيميا ( بنيويا ) بالتحالف مع وعيه الخاص أو دجله الخاص. يمكنه أن يطور آلياته التدجيلية وأشكالها القديمة ولكنه لا يستطيع تجاوز قوانينه التي تساوي بداهتها التكوينية بداهة وجوده الطفيلي نفسه ((ملاحظة عادل سمارة:هذا ما أكدته الأزمة العقارية بالأمس، حيث أدى سقوط مضاربات المال إلى سقوط مضاربات الوعي الملفق ليقف استذة الأكاديميا في غير جامعة أميركية فيلقوا بالمساقت على الأرض: لقد علمناكم ما لا ينفعكم! لا يمكن للتلفيق احتواء التطور المادي واعتقال الحدث الموضوعي، وما يبقى هو تغييب الحزب المتعب لتحل محله أمة أخرى)). التي هي هو وبالعكس، ولا يمكن أن يتجاوز جوهره البنيوي، ليقيم نظاما جديدا بدل التاريخ القديم يختلف بعلاقاته عن تاريخه السيادي ذي القوانين الطبقية الثابتة. كيف يمكن مثلا القضاء على الفقر في ظل حرية اقتصادية غير محدودة قائمة على وهم المنافسة بين الأفراد لتغيير مواقعهم الطبقية ؟ ولكن ليس المهم هو هذا الزعم الخرافي، المهم ما هو الجديد في الأمر ؟ ألم يكن هذا هو دائما واقع الحال الذي ظل ينتج الفقر بين الأفراد والشعوب ؟ فما الحاجة إذن إلى هذا السيل من المزاعم والتسميات والفلسفات التي يقوم مشروع العولمة ( الهيمنة الغربية ) بإنتاجها ونشرها حول تحويل التاريخ إلى نظام دستوري يسيل العدالة والعلاقات والإنتماءات الطبقية ؟ هناك طبعا حاجة لذلك هي تكوين وعي التسليم بالعبودية البناءة لدى العينة البشرية ((ملاحظة عادل سمارة: وهو الهيمنة في طبعات أخرى متعددة. هيمنة النخب المالكة الحاكمة في تسوُّدها على الهيمنة الذدية للطبقات الشعبية التي رغم اغترابها فإن لها مقاومتها التي تحاول صد الهيمنة بمشروع الهيمنة)).

عند سقوط نظام الحزب المتعب، الذي كان يحتكر الماركسية، وبالتالي تحول من قيادة التحرر العالمي إلى بيروقرطية الطبقة الأيديولوجية المتبرجزة، شكل سقوطه (تخليه ) السريع والسهل طفرة تراجعية مداهمة إلى حد بعيد، جاوزت توقعات وبالتالي استعدادات مشروع التحفز الغربي الصهيوني بقيادة المحافظين الجدد، لاحتواء الواقعة وانعكاساتها السريعة على جميع الساحات العالمية. لقد انفتحت أمام العقل البهلواني المركب، حالة الفراغ الموعودة على شكل هوة من التحديات لا يمكن السيطرة عليها واحتواؤها بالسياق المزامن من الإمكانيات والإستعدادات. لم يكن هناك تلكؤ في ردة الفعل، ولكن ربما كان هناك حاجة للإرتجال للسيطرة على الوضع. فالتوقعات والتنبؤات في الوعي شيئ وفي التجربة الميدانية شيء آخر. لقد كان حلم الإسقاط واردا بقوة لدى (حكماء ) التخطيط الإستراتيجي للتحالف الأمريكي الصهيوني، ولكن تسرع الحزب البرجوازي اللينيني بالتساقط كان مفاجئا حتى لأولئك الحكماء الذين حرصوا منذ ديتانت (التهاوي الثوري ) في السبعينات على زراعة كل وسائل الحذر اللازمة في جسد الحزب ودولته، حتى لا تتحول عملية الإسقاط من مؤامرة تخريبية هادئة وجذرية إلى أزمة من أزمات الحرب الباردة قد تؤدي إلى حرب مدمرة قبل أن تستكمل كل تراكمات السقوط. ولكن التراكمات الذاتية للخلل كانت أبعد من حساباتهم إلى درجة جعلت التوقيت مبكرا، والإنهيار شاملا. ووجد التحالف نفسه أمام مهمة كونية لا يمكن السيطرة عليها بأية وسائل انقضاضية تقليدية. لقد أصبح الغرب الإمبريالي الآن ممثلا طبيعيا لحالة خلل كونية عريقة تدعمها قوى اجتماعية محدودة في الكم، ولكنها بالغة القوة ((ملاحظة عادل سمارة: بخطاب الهيمنة أكثر مما هو بطلقات الرصاص والحزب المتعب أكير مما هي بقوة خطاب البرجوازية بنخبها الخمس، الممولنة والصناعية والعسكرية والإعلامية وإلإدارية الحاكمة وفي الذيل منها مثقفتها العضوية المحافظية الجديدة))، أصابتها الطفرة الورائية للسياق، والسقوط المفاجئ للينينية، بأزمة سقوط مقابلة، نجمت عن انهيار معادلة الصراع التي كانت توجه حركتها. فراغات الهيمنة الجديدة وفائض القوة الذي ارتفع منسوبه بشكل غير متوقع مشكلا اندفاعة هائلة في فراغ الطفرة الورائية التي أدى إليها سقوط النقيض الذي بدا وكأنه يستعجل سقوطه، أدى بدوره تلقائيا إلى حالة من ارتباك الوعي والمداهمة وضرورة الإرتجال، وفي نفس الوقت إلى ارتفاع وتيرة الهوس الفكري والوجداني الإستقوائي وأحيانا المجاني، والذي أصبح ضروريا لملء الفراغ المداهم للسيطرة، ومسؤوليات التفرد والعظمة غير النسبية التي حلت بالنخبة الإمبريالية. ((ملاحظة عادل سمارة: وهو التفرد المهووس بقوته التي تزداد نسبياً؟ طردياً بتزايد هروب اليسار من معقله النظري باحثا في روث اللبرالية الجديدة والخصخصة عن نياسين انتماء يميني)).

أن تاريخا جديدا قد فرض اقتراحاته على الوعي الخاص. تاريخ خال من الصراعات الطبقية، يقوم على إصلاح النظام الطبقي وإطلاق حرية الإنجاز الفردي. وفي الحقيقة هو ليس تاريخا، فقد سقطت مقولة التاريخ القديم الدموية للتطور الإجتماعي. هو، حسب اقتراح الوعي الجديد، نظام له سياق مستطرد من العدالة والحرية الفردية والديموقراطية يمنع تحكم الطبقة، لأنها لم تعد نظاما اجتماعيا ثابتا ومغلقا على مزايا الجماعة، وإنما ظاهرة اقتصادية عابرة ومتغيرة بمزايا الطموح الفردي. لذلك هي تمثيل متحول باستمرار لنبوغ الأفراد النخبويين وسيولة الحركة. إنها باختصار نظام بديل عن نظام حركة التاريخ الدموية التي جعلت من السياق سلسة متجددة من الصراعات الأيديولوجية العنيفة، وجعلت من الأفراد المستلبين جنودا للوعي الموجه الذي يجعل من مفهوم الحرية ساحة للصراع ضد حرية الآخرين، ووقفت حائلا أمام عولمة الهيمنة النظامية. وبوضوح أكثر، بادر الوعي الإمبريالي القائم الى اقتراح نفسه على شكل نظام ( بديل ) من الحريات الفردية اسمه الفوضى البناءة، تمثل فيه الفوضى البناءة حرية النظام الذي سيضمن حرية المواطنين داخله. يذكر هذا بالبنائين الأحرار الذين سبقوا إلى عولمة النخبة التي ستتحكم بالتاريخ المعوق للبشر من وراء كواليس العقل الخاص. هكذا صور حكماء المشروع الحر حالة المابعد التي اعقبت السقوط بأنها انتصار لخط العالم الحر على خط التحرر الإجتماعي. وعليهم الآن كمنتصرين أن يملاوا كل الفراغات التي أعقبت تقاطع الإنتصار والطفرة مع نموذجهم التاريخي. هناك فراغات سياسية وعسكرية واقتصادية تحتاج إلى كم هائل من السيطرة السريعة، وهناك الفراغات النظرية التي أحدثها انسحاب الوعي التحرري والتي يتحتم ملؤها بوعي المشروع الإمبريالي المعولم لحلحلة أية توترات من حوله ((ملاحظة عادل سمارة: وهي حلحلة تتأتى ليس من تلاعبات إيديولوجيي النخب الخمس وحدها، بل من توظيف يسار ومثقفي المستعمرات السابقة والحالية ليُعدوا ابحاثاً ورسائل وأطروحات تسد الفراغات التي تحتاجها امبراطورية العولمة كي تغزو على نور)). فسوف يظل هناك الكثير من التشنجات الطبقية والأصلانية على ساحة الوعي التي قد تعرقل مشروع الهيمنة. هذه العوائق يجب معالجتها بالبتر السريع، وخلق نموذج من إرهاب القوة المعولم، لاحتجازها وراء حوائط الردع، وفكفكة وعيها بالتدريج ((ملاحظة عادل سمارة: ذلك دون أن يرتدع بعد رغم تهالك جلده في عصر المقاومة، لأن الحزب المتعب، بما هو حالة انسدادا، حال دون ولادة نقيضه ونقيض مشروع القوة هذا)). وهذا يحتم أن تكون مبادرات القوة مقدمة للعلاقة مع جميع الأطراف. والمبرر هو أن كل هذه القوى المعوقة تحمل إيديولوجيات تتقاطع مع الإرهاب والتطرف والتعصب وشجب الديموقراطية ومفاهيم حرية الأفراد. وهي جماعات تتحصن بالتخلف وتجعل منه اختلافا يبرر محاربة العولمة التي يدعو إليها الآخر المختلف ( العالم الغربي )، وتتذرع بالدين والقومية والتحرر الإجتماعي، بمعدلاتها الأصلانية المتطرفة للتصدي لحركة المابعد، التي تحتم وعيها الخاص على أساس دستور القوة الراعية لحقوق البشر( الإنسان ) بوصفها القوة التي تقدم الحل النظامي لعلاقاتهم المضطربة. وحينما عجزت مقدمة القوة العسكرية وآليات الضغط السياسي والإقتصادي عن تحقيق سياق الهيمنة التدريجي، أي حينما عجز نهج الجريمة العسكرية عن الوفاء بالتزامات مشروع الهيمنة الشامل، ظهرت الحاجة إلى دعم القوة بتبريرات الوعي، وهو ما يجري الآن من التساند بين مختلف آليات التأثير والضغط، من قوة العسكر وحتى الفلسفة والإعلام السيكيولوجي المعسكر، الذي يحتضن كل التوترات تحت طائلة الإعتدال أو النفي. لقد قدم المشروع الأمريكي الصهيوني كما نرى اليوم نفسه كخيار وحيد أمام العالم، ولكن بالإستناد إلى مسوغات نظرية مستقدمة من الأساطير وحتى أحدث فلسفات المرحلة الحداثية قي التفكيك والإستبناء والفكفكة واستدخال الجريمة كإحدى البنى التطورية لمشروعها النظامي. ((ملاحظة عادل سمارة: لكن استدخال الجريمة على صعيد عالمي، لم يُغن المشروع الأميركي الصهيوني عن الاضطرار مؤخراً لتقليل سرعة عدم التضبيطن ولركوب الإدارة الحاكمة عربة القيادة لتهدىء من سرعة الانحدار الناجم عن الطلاق الذي اقيم بين الدولة والاقتصاد)).

ويعتبر جهاز التوجيه الأكاديمي، اليوم، في السياق الإمبريالي، النواة التلفيقية الأشد خطرا والأكثر فعالية في مجال استلاب الوعي وحماية المرحلة عن طريق تصنيع الطفرات أو اعتراضها بـالإيهام الثقافي والإعلامي لتفريغها من وعيها الحقيقي (المصطلحات الزائفة للحداثة والمابع )، أو بالتركيب الأيديولوجي الملفق (الليبرالية الحديثة، ألعولمة التركيبية، رزمة الديموقراطية وحقوق الإنسان (الفرد)…. وهلمجرا. لقد أصبح التطور السياسي والإقتصادي والعلمي النخبوي للغرب الإمبريالي والصهيونية، وما يرافقه من آليات الهيمنة يفرض بالقوة غرارا تاريخيا سياسيا ووعيويا موازيا لحركة التاريخ الفعلية التي اكتشفتها الماركسية العلمية. وهي، هذه الأجهزة الأكاديمية، أصبحت الآن جهازا مركزيا واحدا لإنتاج التمائم والتعاطي مع التحولات بوصفها تشكل حاجات الحركة لوعي الهيمنة، بعد تمريرها في الدورة السحرية للجهاز الأكاديمي المركزي للنظام العالمي الجديد (!). هذا الجهاز ذي المزايا الروبوتية الهائلة أصبح قادرا بأذرعه الشريانية الممتدة في جسد العالم أن يقيم هيكله وينشر أنبياءه الكذبة في مساحات مغتصبة للوعي الخاص خارج التاريخ ومركزية البشر. ملوك ورؤساء جمهوريات ورؤساء حكومات وشيوخ قبليون وموظفون محليون وفلاسفة وكتاب أكاديميون ومفكرون وشعراء وصحف وفضائيات ونساء جميلات ومثقفات ومجرد عاهرات وكهنة من جميع الأديان وقتلة مأجورين تجمعهم جريمة الولاء للدولة والدولار الأمريكي وللشهوة الفردية الرخيصة، كونوا الشبكة العنكبوتية البديلة عن ديناميات حركة الطبيعة والبشر. هؤلاء يقومون بمهمة الملائكة في ملكوت الغيب، يحقنون ويستعلمون ويدبرون موجهين بالروموتات والأقمار الصناعية التي احتلت مكان العناية الإلهية. هذه الآلة الأكاديمية المعسكرة يسمونها جهاز الأمن القومي ( سي. آي.أي )، الذي تقوم أذرع البحث الأكاديمي الإستشراقية بتوجيه حركته وتحديد مهامه الإستراتيجية ((ملاحظة عادل سمارة: والذي أنشأ جيوشا من مثقفي المحيط ويساره بشكل خاص كي تعيد قراءة التاريخ والواقع والتراث وتقدمه للسيد الأبيض ليعرف جيداً كيف يمكن أن يقتحم عِرض الأمم كما أتى على عرض الباحثين هؤلاء)). لقد مثل هذا حركة الإنقضاض غير التقليدية بالنسبة للمشروع. لكن الوسائل غير التقليدية لم تكن في الواقع سوى طفرة في الكم للهوس والإنفلات وتكنولوجيا العنف غير التقليدية. كل ما تبقى كان تقليديا إلى درجة الإستعانة بكل تقاليد ومرجعيات الجريمة والتآمر الإمبراطوري التقليدي على شكل جرعات غير محدودة من العنف ومشاهد غير مسبوقة للجريمة الهمجية من حيث الكم الدموي والمعنوي. كان اسم الجريمة الرسمي هو العولمة من حيث هي مهمة إمبراطورية ( ولكن كونية ) ملقاة على عاتق التحالف الذي يمثل ذروة النخبوية للحقيقية التي أثبتتها واقعة السقوط لعقل التجربة وقوى التطور المادي والمعنوي للبشر. وكون الحقيقة أبعد ما تكون عن ذلك ليس له أية أهمية على الإطلاق. فالوجود في نظر النخبة تلك، ليس مجموعة من الحقائق أو الظواهر المقننة، بل هو يمكن أن يكون أيضا سياقا من الوقائع والتدابير والتلاعبات المدبرة التي تفرض واقعا ما فرضا باعتبار أن طبيعة القانون الذي يسير حركة المادة بتزمت تام من ناحية، تتيح مثل هذا التلاعب في العلاقات الإجتماعية من ناحية أخرى. فالمعنى ليس غاية كونية للتطور، وإنما هو بنفسه حركة تطورية خاصة نمت خارج قانون التطور المادي، بل وبموازاته أيضا. وعليه فإن كل العلاقات الإجتماعية هي سلسلة من التلاعبات وتوازنات القوة مما يجعل منها قانونا للإختلاف الدريدي الذي يحكم طبيعة العلاقات الإجتماعية ويشكل بنيتها التحولية ((ملاحظة عادل سمارة: وينتهي بها غلى التسمح كبديل ديريدي وفوكوي وسعيدب، بديل للصراع الطبقي. ولا يحدث هذا إلا مع تغريب الطبقات وبقائها في ذاتها)). فالبحث في قضايا المعنى لدى ليبراليي الماركسية أو مفكري النيوليبرالية لم يجر في مساحات الحركة الإجتماعية، وإنما في سيكيولوجية اللغة وأركيولوجيات التكون والإنحراف الفردية. وهو ما هيأ للمحافظين الجدد فضاء سجاليا واسعا من الغموض ومصطلحات التلاعب وكهوف الهوس والنبوءات شبه الغيبية لتكوين أول مشروع في التجربة، للجريمة البناءة التي تضع البشر في حالة تناقض مع إنسانيتهم. أصبحت كل المفاهيم الإجتماعية فرصا للتجاوز على طريق بناء مفاهيم استبدالية تجعل من الجريمة البناءة نظاما مبررا لسعادة وحماية حقوق وحريات الأفراد ومواطني المابعد التاريخي والمعنوي للعالم. أي ما بعد الإنتقال إلى وعي النخبوية الإمبريالية التي ستحقق الحرية باستبداد الديموقراطية، وتستبدل المجتمعات بالمواطنين السعداء، دون أن تغير شيئا سوى وعي المواطنين السعداء أنفسهم. أي أن ما قدمه العجوز الإمبريالي ليس سوى انحرافه القديم في صياغة تكنولوجية جديدة يختلط فيها المكر بجنون العظمة وهوس السيطرة الإمبراطورية الشاملة.

وعلى سبيل المثال فإن المابعد هو إسم الموضة الليبرالي للطفرة الأمامية النوعية التي تحدثت عنها الماركسية. والمفروض ماركسيا أيضا، بالأمانة العلمية للتطور، أنه صيرورة تجاوزية داخل استطراد جدلي أكثر تقدما، وبالتالي حداثة، من جدل السياق المؤسس، ولكنه استمرار لتطور حركته النوعية. أي أن المابعد أو الطفرة يتضمن تحولا ما في جوهر المعرفة والوعي ينعكس على شكل الحركة ومضمونها ويؤسس لجدل الطفرة المرحلية الخاص. فالطفرة التطورية في المادية العلمية، ليست انفصالا نوعيا داخل الحركة، ولا يمكن أن تتعدى في التحول مواصلة قوانين الجدل العلمية بمضامين وأشكال جديدة للحركة على اختلاف مظاهرها. ما كان ضرورة للنفي أصبح بعد تحققه شرطا للإستدخال ( تثبيت النفي ) الذي سيدعم حركة التحولات التطورية (نقض النقض )، ليس بمسلمة الأمر الواقع، ولكن بوعي ضرورته المرحلية بحيث يحقق انقلابا تاريخيا في ثقافة ووعي المحيط الإجتماعي، وليس في سياسة النظام القائم فقط. لذلك فإن أية رؤية مخالفة في تناول الطفرة على غير هذا الأساس، تكون رؤية سياسية على الأغلب، مستوحاة من انتهازية المصلحة الخاصة، ومدعمة بالطرائف الفلسفية المتحدرة من أصول فلسفية مثالية، مدعمة بدورها بعناصر الحداثة الشكلية لطفرات التراكم التي تتم أو تصنع أو تدّعى أو تستدعى ( كلها على البناء للمجهول ) بعيدا عن موقع الحركة الإجتماعية الفعلية. لذلك لم يعد المابعد،في حلقات الشعوذة الأكاديمية والإعلامية لمشروع الهيمنة الإمبريالي، مفهوما تطوريا، بل أصبح انقلابا بنيويا على ما سبقه، مهمته التوظيفية توفير احتياجات المشروع التدجيلية، واستدراج الوعي إلى حالة الخلل المطلوبة لتمرير حالة الإنقضاض غير التقليدية، للجنون الإمبراطوري المتحالف مع كهنوت الجريمة الكونية. فهو مفهوم إيحائي في الإستخدام، يقترح مسلمات جديدة للوعي في فناء المعرفة الجديد، الخالي سوى من قوانين الفيزياء العملية، وحسابات الكم في اسطاطيقا السعادة الفردية. هذا التسليم معناه ألا خيار أمام الوعي سوى الخضوع لحكمة نظام العولمة بعد أن رست عليه مناقصات التجربة. أما استعمالاته الفرعية، فأفضل الأمثلة عليها هو تدشين مباحث عصر (ما بعد) الصهيونية حيث يقوم التجاوز الإعتباطي مقام النقلة الجدلية لتمرير الأمر الواقع على الوعي السلبي الذي قمعته القوة. ألسؤال الذي يفرض نفسه هو هل أن أبحاثا من هذا النوع لاستطلاع سياق تطور اجتماعي وثقافي من التحولات، للتجربة الصهيونية الإستيطانية، على غرار من التماثل مع تجارب اجتماعيةعادية أخرى، لها من الإستطراد التاريخي الطويل، والتمكن الإجتماعي، والغرار الداخلي الثقافي الموحد، واستقرار التأسيس المدني، وتفرغ حركة الجماعات داخلها للحياة العادية، ما يجعل لهذه الأبحاث أية شرعية علمية وأكاديمية في مجتمع قوة يقوم على أحادية التفاعل مع مهمة ميدانية محددة للتداول والممارسة ما يزال مصيرها ” قيد النظر ” ؟ الشرعية هنا لا دور لها، لأن العلمية هي المقياس للواقع المتحول جدليا، وليس للأمر الواقع الذي تفرضه القوة. وعلى الفلسطينيين أن يسلموا بواقعة احتلال أرضهم التي تحولت بوثبة المابعد من أمر واقع إلى واقع محقق حتى وإن لم يستطيعوا ذلك. هذا واحد من نماذج استخدام المصطلح الحداثي، الذي حول الصراع الذي كان يدور على أرض فلسطين إلى صراع يدور على أرض إسرائيل. بهذا النهج ذاته لأكاديميا المشروع الغربي الصهيوني ((ملاحظة عادل سمارة: وهو يمتطي المثقف العربي المتصهين بوعي او جهل مورطا إياه في تحديات جيدة الإخراج تافهة المعنى مثل (نريد افكاراً جديدةن خلاقة…الخ وهي في حالة فلسطين ليست سوى التسليم باننا نعيش في وطن اليهود، فشكرا لقبولنا تحت اقدامهم، هذا وكأن الصراع بمضمونه المادي والبشري، كأنه مجرد لغة وخطاب)).، تستخدم كل مفاهيم ومصطلحات ما يسمى الحداثة الغربية. فهذه المفاهيم والمصطلحات كلها تعبير عن إشكالات اجتماعية يمكن استغلالها من جانب المشروع العولمي في التقويض الإجتماعي عن طريق حرفها عن مساراتها الجدلية إلى غايات سياسية واقتصادية من ناحية، وتوظيف ديناميتها الإشكالية استباقا خارج ظروفها الموضوعية لتقويض بنية المجتمعات المستهدفة.

فهل هناك مجال للمانعة في هذا السياق من العنف المهيمن الذي يطبع حركة المرحلة ؟

في المجتمعات ذات العراقة الحضارية، والتي تملك استراتيجية للأمن القومي وثقافة الهوية، كالصين مثلا، وبدرجة أقل الهند وإيران، أو المجتمعات التي ما تزال على صلة بوعي التحرر مثل كوبا أو فنزويلا، يمكن أن تكون الممانعة مؤثرة إلى حد بعيد قد يصل أحيانا درجة التصدي. أما في مجتمعات اللقمة المعزولة تماما عن مشاريع التنمية الإقتصادية والبشرية فالأمن (القومي) هو أمن النظام ((ملاحظة عادل سمارة: الذي يريد لمن يُنتج أن يتوقفب انتظار نعمة الحاكم، وتوقف الانتاج هو توقف العقل هذا اللغم التاريخي الممثل في اقتصاد الريع)). لذلك تشكل التبعية لمراكز القوى الدولية أفضل الطرق وأنجعها للمحافظة على أمن ذلك النظام. وأصلح الأمثلة على غياب الذاتية الجماعية وانحطاط واقع الأنظمة هو البلاد العربية. فاختراق المشروع الإمبريالي لتلك ( الدول ) وصل حد أن النظام النفعي فيها لا يملك مستوى محليا من التحكم ((ملاحظة عادل سمارة: فالتحكم هو شأن الأمم التي انتجت الفائض وطجوعته لخدمتها، فكان لها الحكم والتحكم معاً)). فالنظام فيها لا يديره (الحكام) وإنما ممثلو المشروع من الخبراء والمستشارين والأكاديميين والكهنة والعسكر المرتبطين بخدمة المشروع مباشرة. لذلك فالحديث في السياسة على الساحة العربية، هو حديث مباشر عن الفعل وأجهزة الإدارة والتوجيه والرقابة الأمريكية والإسرائيلية في معظم المواقع العربية. وافتراض أن هناك هوية سياسية لتلك الأنظمة أو معظمها غير هذه، هو تجاوز عبثي للحقيقة، يؤشر على تدني الوعي السياسي لدى الكثيرين من المفكرين الذين يعتقدون ذلك، ((ملاحظة عادل سمارة: كما يدل على الوعي الخائن الذي يعي ما يفعل من تنظيف جثث الأنظمة العربية بعطر المفردات ويظل تحت طلب الفضائيات، تحتضنه الأنظمة ويستمم به وعي الناس، ويطل هذا طالما الحزب المتعب حياً)). فليس هناك على المستوى السيادى أية دلالة فعلية للحاكم العربي سوى كونه يملأ فراغا بفراغ ((ملاحظة عادل سمارة: أداة للقمع)). وأخطر إشكالات هذا الواقع، أن وفرة الكم العربي البشري والجغرافي، وثرواته في مجال الطاقة والموقع الإستراتيجي هي الورقة الأكثر أهمية في يد المشروع الأمريكي الصهيوني على ساحة السياسة الدولية ((ملاحظة عادل سمارة: وهي ورقة يصر المشروع المعادي على ان تبقى رَيعاً لا إنتاجاً فشرط هذه العلاقة: لا تنمية)). وهو يحسن توظيفها بحيث أصبحت عبئا وعائقا لوجستيا أمام أية ممانعة دولية للمشروع على المستوى العربي والعالمي. لذلك فإن قيام أية ممانعة عربية يكاد يكون مستحيلا بدون استهداف واقع الحال الإحتلالي للقطريات العربية بكل وسائل العنف الثوري.

وبالقياس على أهداف المشروع الواضحة لضرب البنى الإجتماعية في كل بلاد العالم تمهيدا لخلق واقع التماثل مع نظام العولمة، فإن من المنطق العملى أن يكون تفعيل الثقافات الأصلانية مرحليا هو الرد العملي الأنسب موضوعيا. وتأتى الحركات القومية في مقدمة الثقافات الممانعة لحرصها العفوي على الخصوصية والتصاقها الوجداني برومانسيات التراث من ناحية، وانفتاحها النسبي على العلمانية واليسارية من ناحية أخرى. ومع أن فكر اليسار القومي لا يشكل نهائية تحررية ((ملاحظة عادل سمارة: إلا أن الانتماء القومي يظل الرضية الوحيدة القادرة على حمل المشروع القومي التحرري الذي هو القاعدة الحتمية التي يشترط وجودها لمشروع الاشتراكي. وليس عن عبث منماركس حين قال: ” وعله، ليس في الجوهر بل حتى في المظهر، فإن نضال البروليتاريا مع البرجوازية هو في البداية نضال قومي. لا بد لبروليتاري كل بلد ان تحل اولا المسائل مع برجوازيتها”، من البيان الشيوعي))، فإن المواجهة المفروضة موضوعيا هي الحفاظ على مستقبل تحرري لا يمكن ضمانه إلا بهزيمة مشروع النفي العولمي أولا. فالأوطان المحتلة عن قرب أو عن بعد، والوعي المدول لا يصلحان ساحة أو مرجعية للتحرر الإجتماعي، لأن هذا يتضمن وعيويا المواجهة مع الذات الإجتماعية لتكوين سياقها التحرري المرتبط بوعي الماركسية الثوري مباشرة وليس باليسارية الإصلاحية الشائعة اليوم. هناك ضرورة محتمة لاستباق التحرر بالتحرير لجعله ممكنا موضوعيا. والجمع بين وعي التحرير والتحرر ممكن في الذهن النظري، ولكنه في الممارسة الميدانية للتحرير التي تجمع بين وعيويات طبقية مختلفة يجمعها هدف التحرير المشترك، ولا يجمعها وعي التحرر بنصه التاريخي الموحد، يجب تأجيله في الممارسة وليس في الوعي لأنه يعبر عن إشكال اجتماعي لا يناسب مهمة التحرير وظروفها الموضوعية. وبالتجربة المحلية العربية فإن الأحزاب الشيوعية وألويتها التحررية رأت في محاربة اليمين والرجعية الفلسطينية أولوية قربتها من الصهيونية، إلى درجة أنها نسيت أن لديها إمكانية للعمل مع الفلاحين والعمال الكادحين وتنظيمهم لمواجهة الغزو الإستيطاني، وتأجيل تحريضهم طبقيا على قياداتهم الوطنيةالرجعية ((ملاحظة عادل سمارة:هذا شأن الحزب المتعب نظرياً الذي لا يرى في الوطن سوى الأقلية الهشة، ويعجز عن رؤية القوة الحقيقية للفلاحين التي راتها الأحزاب الشيوعيىة في الصين وفيتنام. كيف لا و الحزب عجز عن رؤية الوطن كوطن بل رآه مجرد مكان! فالمنخلع من الوطن لا شك ينخلع من الطبقات الشعبية)). وبدل ذلك اعتبروا أن وشيجتهم التحررية هي مع المستوطنين اليهود، وصبوا جهودهم على تنظيم العمال العرب في الهستدروت. وقد يحدث ذلك مرة أخرى في بلاد أخرى كما حدث في فلسطين ويحدث الآن في العراق. وعداء اليسار الشيوعي للتوجه القومي العربي سوف يؤدي في أية حركة تحريرية مفترضة على النطاق القومي إلى موقف شيوعي مشابه يعمل على إفشال أية حركة تحرير قومية على الساحة العربية ((ملاحظة عادل سمارة: وهو اليوم أخطر، لأنه يقوم بهذا الإفشال لصالح المشروع الإمبريالي الصهيونين وليس من أجل تبعية لمركز الاشتراكية المحققة. هو اليوم مباشرة في عين العمالة)). وكثيرة هي الأمثلة على تقاطع الوعي التحرري للأحزاب الشيوعية العربية مع وعي الأعداء الطبقيين والتحرريين، ولكنه لم يتقاطع مع الوعي القومي العربي مرة واحدة في تاريخه. لقد استطاع شيوعيو العراق أن يقيموا تحالفا مع الطائفية بسهولة ملفتة للنظر، ليس لأي مبرر سوى محاربة حزب البعث القومي رغم كل تطلعاته الماركسية والتحررية. أي أن نظرية العداء للقومية حينما يتعلق الأمر بالقومية العربية يصبح أولية تحررية للنفي الماركسي. وهذا موقف سياسي يقوم على تخريج نظري حزبي ضيق يتعلق عينيا ومحليا بالنقيض الحزبي وليس بالنقيض التحرري. لذلك على القوميين العرب أن يقيموا علاقتهم بالماركسية خارج أي إطار للعلاقة بتمظهرها الحزبي على الساحة العربية كما أن على الماركسيين العرب الحقيقيين أن يقيموا علاقتهم بحركة أوطانهم القومية على أساس وعي الإلتزام المرحلي الموحد لقضية التحرير أولا. وهذا هو الحتم المرحلي الموضوعي لأي حركة تحرير عربية ببنية استراتيجية تحررية. وما علينا اليوم إلا أن ننصت للأصوات النظرية الفكهة لبعض ماركسيي المرحلة على الساحة الفلسطينية والعربية، وبالمقابل إلى صوت باحث ومناضل ميداني قومي وشيوعي متل د.عادل سمارة لنرى بوضوح في أي جانب يوجد الإلتزام التحرري بأصالته الماركسية الثورية ونزاهته النظرية العلمية والتاريخية. إن ألأمر يشبه الفرق بين شخصية الملتزم الحقيقية والشخصية الظلية لها في الأداء الأوبرالي على خشبة مسارح الخصخصة التحررية. الماركسي الحقيقي لا يتقاطع تحرريا مع النموذج التلفيقي للتحرر الذي تطرحه أكاديميا الفكر الأمبريالي النيوليبرالي، متجاهلا الفرق بين البنائية الإجتماعية للتحرر، والأهداف السياسية التخريبية للتلفيق. وهو أيضا ربما لا يعرف الفرق , على سبيل المثال، بين المطالبة بتحرير المرأة الفردي بالديموقراطية الطبقية، وبين دعم سيرورة تحررها في حركة التحرر الإجتماعي الشاملة. بين إدراج حركتها في المردود السلعي للجنس، والمردود التخريبي لمشروع التدمير البنيوي لمفهوم الحرية خارج الوعي الإجتماعي وبين دورها إلى جانب الرجل كبنية جدل تحرري واحدة. هذا المثال ينسحب على كل مهام ” التحرر” المخصخص لحداثة وما بعدية التوطين الدستوري لمعادلات التحرر على ساحات مشروع العولمة الأكاديمي. ما هو مطلوب هناك هو ثورية الشكل التحرري وفرديته فقط. وما هو محظور هو مضمونه التطوري لأنه يقود إلى الإرهاب والأصولية الرجعية. ومع هذا الوعي يتقاطع وعي التحرر لدى معلمي الكتاب الماركسيين النيوليبراليين الذين يصح فيهم الإتهام بالإنتهازية وسوء النية أو بالمراهقة النظرية التي لا تفرق بين الشعار التحرري كآلية تعبئة وبين النظرية كسياق تطوري.

وبالتلخيص لهذه المحاولة الكتابية، فإن الأصولية كمرجعية نصية لاحتجاز الوعي ورائيا شيء، والأصلانية التحررية التي تستدعي مكوناتها للتجاوز أماميا شيء آخر. والماركسية أبعد ما تكون عن النص الساكن. إنها ليست النص بمدى ما هي حركته المتطورة موضوعيا. وفي ظروف المرحلة الحالية التي تداهم مستقبل الإنسان عدائيا بالحداثة الغربية الصهيونية كمشروع تخريبي ملفق أكاديميا، فإن التواشج بين الأصلانية التحررية والماركسية هي المعادل الموضوعي للتصدي لهذا المشروع من خلال حركة صد قومي ماركسي واحدة، ((ملاحظة عادل سمارة:من خلال تصدي القومية الكامنة للطبقات الشعبية لتواجه القومية الحاكمة بما هي جزء من التحالف الثلاثي إلى جانب الصهيونية والإمبريالية)). بهذا فقط يمكن تجميع كل ديناميات الصد لدى الشعوب وتوظيفها في الدفاع عن مستقبل التحرر. ولا يصدق هذا الزعم على ساحة من ساحات التصدي كما يصدق موضوعيا على الساحة العربية التي هي الأهم من بين كل الساحات في المواجهة العالمية للمداهمة الأمريكية الصهيونية ومشروعهما المشترك للهيمنة خارج التاريخ.