بغاء… خاص في الأرض المقدسة: تفكيك المجتمع ومن ثمَّ المقاومة

بادية ربيع

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة العاشرة ـ العدد 2142 )

الإتجار بالنساء والفتيات الفلسطينيات والبغاء القسري، نماذج لعبودبة العصر، ورقة موجزة حزيران/يونيو 2008. صادرة عن صندوق الأمم المتحدة الإنمائي للمرأة – يونيفيم.

“لا لا لا، رجاءً، ليس مثيرا للدهشة وللأعصاب، أمر عادي تماماً طالما هناك فقر، ولماذا ترمون كل شيء على السلطة، ومن أنتم ايها الماركسيون الذين ترفضون كل شيىء ولم تنجزوا شيئا في النهاية، لا هنا في الشتات ولا في الأرض المحتلة نفسها”.

هذا كان رد سيدة إلي حينما تحدثت معها عن الورقة الموجزة التي نشرتها يونيفيم منذ عام ونصف داخل الأرض المحتلة وأرسلها لي زملاء من كنعان. الورقة، بل أول ورقة تتحدث عن الاتجار بالنساء والبغاء القسري للفتيات والنساء. نعم، مضى عام ونصف على هذه الورقة المثيرة ولم يبدر اي تعقيب أو استغراب عليها! كأن لم يسمع بها أحداً، كأن لم تكن! وما أكثر الأمور التي نوقشت وأُثيرت، والكثير منها ليس بأهمية هذه الورقة.

بعد أن أرسلها لي الأصدقاء في مجلة كنعان، طلبت إليهم أن يسألوا أكثر إن كان هناك من لديه معلومات إضافية أو من تعاطى مع هذه المسألة، فكان رد المؤسسات المعنية عليهم، أي المفترض أنها معنية، بعد مكالمات هاتفية، ورسائل إلكترونية لم يُرد عليها، وردود موظفين كسالى حتى في رد صباح النور على من يقل لهم: صباح الخير…الخ، ولماذا يرد موظف الأنجزة على شخص يطلب منه. فهو/هي يرد على من يُعطيه ويدفع له. وإن صدف وكان رداً فقد جاءك: هذا ليس مجال عملنا، هذا ليس اختصاصنا… الخ عرفت، عندها أن الأمر ليس أمر اختصاص من عدمه، هو أمر اهتمام من عدمه هو أمر انتماء من عدمه!، بل هو أمر تكليف من عدمه! فلا حديث ولا انتباه ولا اهتمام في ما لا يموله المانحون! كل شيء ضمن المشروع المقترح تمويله Proposal. هناك جاهزية للقيام بأي بحث مهما كان خطيراً وطنيا وقوميا وطبقياً طالما هناك مالاً وتمويلاً. عليك السلام يا رسول السلام ابن مريم: ” لا تعبدو إلهين: الله والمال“.

هكذا إذن. بقدر الميزانية المخصصة لأي عمل يكون الشغل عليه. وأي عمل لا ميزانية له، لا شغل عليه مهما كان هاماً وحساساً. فما لا يهتم به المموِّل، لن يُمس… لا بخير ولا “بسوء”! هو خارج الاهتمام، خارج الوجود وبالتالي خارج الوعي والتنبيه والاحتجاج والتحريض بالطبع. وقد لا ابالغ إن قلت، خارج هذه كلها مثل حق العودة. هل من ممول يمول نشاطاً لحق العودة!

قد يتساءل البعض وهل على الممولين أن يغطوا كل شيء؟ فماذا عن المحليين؟ سؤال مشروع عن واقع مشروخ. فما أقل مواقع الإنتاج في الأرض المحتلة في هذا البلد، كل شيء ممول من المانحين. هي معادلة يتفرد بها الفلسطينيون كما كتب أحد الزملاء: “ريع اقتصادي لاستثمار سياسي تفريطي وطني”. لذا، حين أنتجت الانتخابات الأخيرة مولوداً سفاحاً برأي الممولين، توقفت راتب أجهزة السلطة.

بعض من محتوى الورقة:

صدرت الورقة في حزيران 2008، بعنوان:

الاتجار بالنساء والفتيات الفلسطينيات والبغاء القسري، نماذج لعبودبة العصر، ورقة موجزة حزيران/يونيو 2008.

يؤكد التقرير وجود حركة لبغاء متنقل من الضفة والقطاع إلى القدس بشقيها الشرقي والغربي وإلى المستوطنات الصهيونية، وأن ضحايا البغاء سيدات وفتيات وطالبات جامعات ومدارس، وأنهن يتنقلن على نقاط التفتيش بين الضفة الغربية وغزة والقدس والمستوطنات ببطاقات مزورة…الخ.

استوقفتني هذه الملاحظة تحديداً، ومع أنني لست من الأرض المحتلة، إلا أنني أعرف أن مخابرات العدو تلتقط الجن الأزرق، فلو كانت البطاقات المزورة بمثل هذه السهولة لتمكن الكثير من المناضلين من دخول الأرض المحتلة 1948! ربما لم تلامس اليونيفيم كبد الحقيقة في هذه النقطة تحديداً وهي مشكورة على ما فعلت، لأنها ترغب في البقاء محايدة. ليس هذا التقوُّل من جانبي لرمي الخطيئة على الاحتلال، ولكن لكشف المستور بين البغاء والعمالة، والدور المخابراتي الصهيوني في تخريب المجتمع الفلسطيني. سيكون من قبيل السذاجة التامة عدم الربط بين البغاء والعمالة. فالسمسرة لبيع الهوى لا يمكن ان لا تصل إلى سمسرة بيع الأرض. وكشف هذا المستور هو واجب الفلسطينيين بالطبع! ولكن لا أحد يتكلم. مرة أخرى شكراً لليونيفيم.

والطريف ان الورقة تتحدث في ص 7 عن”… ضرورة تدخلات مستقبلية من جانب الحكومة وكذلك من جانب المنظمات الأهلية المحلية والدولية. وتضيف الورقة في ص 11 : ” ولا تقوم راهنا أية منظمة حكومية أو اهلية بتجميع إحصاءات دقيقة وأرشفة كل الحالات المسجلة في هذا الخصوص. فضلا عن ذلك ينكر العديد منها وجود هذه المشكلة من الأصل”.

لو لم يحاول الزملاء في كنعان الحصول على اية معلومة، ولو لم يلاحظوا عدم اهتمام المؤسسات المذكورة من قبل التقرير، وخاصة مؤسسات الأنجزة وحقوق الإنسان والهيئات المستقلة والهيئات “المحتلة” لحقوق الإنسان، لقلنا إن اليونيفيم تبالغ!

ولكن إضافة إلى الورقة المذكورة، فإن ما يدور في الشارع الفلسطيني أن هناك عشرات بيوت الهوى في أكثر من مدينة، وحتى أن اسواق الخضار تُستخدم في الليل لأمور كهذه.

تقول إحدى الضحايا: ” بدأت استقبل الزبائن، وكلن لم تكن س تعطيني أية نقود. كانت س تجبرني على شرب الكحول إلى درجة أنني لا اعود اتذكر كم رجلا عاشرت تلك الليلة. ولكن كان ذلك يتراوح بين 5-10 تقريباً” ص 22.

لم تهتم المنظمات النسوية، ولا منظمات حقوق الإنسان، ولا منظمات مراقبة انتهاكات حقوق الإنسان، (دون أن نذكر أسماء هنا زودني بها الزملاء) رغم توجهنا للبعض منها دون إجابة، فالكل يتحدث عن انتهاكات الاحتلال، والبعض يتحدث عن انتهاكات السلطة ولكن بعد التعاون مع السلطة من وراء ستار لتأتي الصيغة النهائية عتابية لا أكثر. أصبح الاحتلال شماعة ممتازة لرمي جميع مشاكلنا ومآسينا على أكتافه بما يسمح بتمرير جميع التقصيرات والخروقات المحلية سواء من السلطة او القوى السياسية او المؤسسات المجتمعية…الخ.

لم يهتم هؤلاء بالاتجار بالنساء والفتيات حتى لو كان ذلك باختيارهن، لم يُعقد مؤتمر نقاش ودراسة ولا حتى مؤتمر صحفي. هل السبب لأن مصادر تمويل هذا الأمر لها هوىً آخر أم لأن المجتمعات البطريركية تفضل البغاء المخفي فهو مستور وممتع معاً؟

منذ سنوات طوال ونحن نسمع ونقرأ ونشاهد في أجهزة الإعلام نقداً للقتل على خلفية شرف العائلة. ونحن ضد هذا القتل بغض النظر عن جميع المبررات. هو في النهاية قتل عمد، جريمة بلا رتوش. ولكن، اليس البغاء قتلاً، بل قتلا بالجملة؟ أليس تخريبا للمجتمع من جذوره واساساته؟ اليس غض الطرف عن هذا مقصود به تفكيك المجتمع لتقويض المقاومة. إنه هنا التطبيع بالجنس!

ليس أمامنا إلا أن نضع هذا في مصفوفة التطبيع الذي يتناول بناء المجتمع لبنة بعد أخرى لتدميره.

نعم يا سيدتي المتحدثة في السطر الأول، يقود الفقر إلى البغاء وغيره، وهذا يسمح لنا بالسؤال:

اين هي مشاريع التنمية التي تحاول توفير الحد الأدنى لشرف العيش حتى لو بهدف مواجهة البغاء؟

إذا كان الفقر اساس البغاء، وهو لا شك احد اسسه،، فماذا عن البغاء البرجوازي؟ وماذا عن عدم اهتمام فيالق الأنجزة بجريمة البغاء، وهي تعيش بمرتبات عالية مما يحميها من البغاء الجسدي، فلماذا تمارس بغاء غض الطرف؟