لماذا لم يكتمل النصاب في مجلس النواب؟

جمال محمد تقي

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة العاشرة ـ العدد 2142 )

المعنى العام لنصاب بكسر النون ـ نِصاب ـ هو التشكيل الكامل الضروري لانجاز اي فعالية تتطلب عددا محددا من العناصر، والنِصاب الخاص بالتصويت في اثناء الاجتماعات المحددة العضوية وكذا المجالس يعني الحد الادنى للعدد المطلوب حضوره لانجاز أي عملية تصويت على كل ما يتطلب اتخاذه من قرارات، اما اذا فتحت نونها ـ نَصاب ـ فانها ستعني المحتال الذي ينصب الكمائن للاخرين من اجل الحصول على مكاسب لا يستحقها!

بين فتح النون وكسرها يتمايل الحال بمجلس نواب العراق المنتخب بالبصمة البنفسجية، بين عدم اكتمال النصاب بسبب التسرب والغياب وبين تمديد عمله للتماهي مع حالة الوضع المشبع بنفس شركاء العملية السياسية الفاسد والنَصاب، مع اننا نجد جميع الاعضاء في حالة انتصاب!

هي مفارقة لا يمتاز بها الا البرلمان المطهرة نواياه بماء زمزم لغسل الجنابة، كل الاعضاء في حالة انتصاب ولم يكتمل النصاب اليست هذه واحدة من عجائب دنيا الديمقراطية؟

نعم غالبية الاعضاء في حالة استنفار، لان اغلبية الاعضاء، اعضاء في مكونات وتحالفات حاكمة وممسكة بزمام الامور وهي على ابواب انتخابات جديدة تتطلب منها اظهار جدية وحماسة وكفاءة استثنائية وخاصة في هذه الفترة الحرجة والمليئة بالمشاكل والعثرات، وعلى اقل تقدير من باب الدعاية الانتخابية ذاتها، لاسيما وانها تتنافس حد اللعنة من اجل الحفاظ على مقاعدها فيه بل انها تفعل الافاعيل لزيادتها، الامر كله لا يحتاج الى فذلكة كي نتوصل لحقيقة ان الحالة هي حالة نَصب، ونَصاب، وذلك لوجود تعطيل متعمد مع سبق الاصرار والترصد، نعم هناك تعمد لعدم اكتمال النصاب، فبحسابات اصحاب المصلحة انه ومن مصلحتهم كمتنفذين ومتنافسين استمرار هذا التعطيل لارباك خطط المنافسين الاخرين الذين ينطلقون من منطلق شرعي في ممارستهم الرقابة التدقيقية على عمل الحكومة المتدخلة بكل قوة وتأثير على اجواء وحيثيات سير العملية الانتخابية التي لم يتبقى عليها سوى اسابيع!

قوى العملية السياسية منقسمة برغماتيا، منها من يريد تحييد الحكومة وحزب الدعوة الذي يقودها تحديدا للتقليل من امكانات تسخيره لمرافق واموال وثقل السلطة العامة لمصلحته الانتخابية الخاصة وذلك بواسطة تجميد صلاحياتها واعتبارها حكومة تصريف اعمال لفترة انتقالية حتى تشكيل الحكومة القادمة التي ستكون مبنية على افرازات النتائج الانتخابية المجسدة برلمانيا، وبالمقابل يتم تفعيل عمل مجلس النواب اثناء فترة تمديد عمله ليكرس رقابته على العمل الحكومي ويسرع باقرار التشريعات المتراكمة والضرورية والتي لا تتحمل التأجيل وخاصة في هذه الفترة الحساسة وعلى اقل تقدير حتى يوم الانتخابات القادمة، وما مقترح قانون السلوك الانتخابي الذي يتحمس له الائتلاف الوطني بقيادة الحكيم والغير مرحب به من قبل حزب المالكي الا واحدا من دلائل الانقسام البرغماتي، ومنها من يريد ان يكون المجلس في حالة انعقاد لتصفية اعماله ومتبقيات تشريعاته وايضا لممارسة الرقابة على سير وتصرفات الحكومة قبل يوم الانتخابات العامة ثم تاكيد ان البرلمان وليس الحكومة هو المرجع الاول للهيئات الفاعلة والمؤثرة في العملية الانتخابية بل وفي العملية السياسية برمتها كمفوضية الانتخابات وهيئة المساءلة والعدالة وهيئة النزاهة!

الاغلبية العنصروطائفية من اعضاء البرلمان تتصارع لنيل قوائمها المزيد من المقاعد وبالتالي المزيد من المكاسب وهي تتوافق على النسب بعد جر وعر وبعد تدخل الوصي على عمليتها السياسية وراعيها الروحي والميداني المندوب السامي الامريكي في العراق وقائد قوات الاحتلال فيه، كما حصل تماما اثناء عملية تمرير قانون الانتخابات الاخير في مجلس النواب، فالتدخل الامريكي والبريطاني كان مفضوحا ولدرجة مخجلة، حتى ان اوباما شخصيا اتصل بالمتعنتين منهم ـ البارزاني والهاشمي والمالكي ـ وشدد على ضرورة اتفاقهم مع تعهده بملاحقة المشاكل العالقة وبضمانة امريكية،، والاغلبية ذاتها تتوحد غريزيا ضد اي مسعى عابر للطائفية والعنصرية يتوق لتحويل العملية السياسية برمتها الى عملية وطنية خالصة تتبنى مشروع تحرير العراق واعادة اعماره على اسس وطنية وديمقراطية حقيقية، من خلال اولا اعتماد قانون لا لبس فيه للاحزاب يشكل دستورا للمشاركة السياسية الصحية لكافة الاتجاهات وعلى اسس من المصالحة الوطنية التي تفتح صفحة جديدة امام الجميع ومن دون استثناء ـ بما يعني الغاء كل التشريعات المتعلقة بالاجتثاث ـ وعدم التغاضي او اعفاء اي مرتكب لمخالفات قانونية قبل وبعد احتلال العراق، بمعنى ان يكون قانون الاحزاب نفسه منطلقا للمشاركة السياسية التي ستحتم اعادة النظر بالدستور وفق روحية المصالحة الوطنية!

ان البداية التصالحية لعملية سياسية جديدة مقرونة ببرلمان مفتوح على الجميع ومحصن بدستور وطني محكم وقانون ملزم للاحزاب متطلع للبناء لا الاجتثاث ومدعم بفصل حقيقي للسلطات الثلاثة ـ التشريعية والقضائية والتنفيذية ـ مع تفعيل دور المؤسسات الرقابية المستقلة عن الحكومة والمرتبطة بالبرلمان والقضاء، كالنزاهة والمفتشية العامة ومفوضية الانتخابات ستكون عمادا صلبا لعراق جديد حقا!

لتكن ارادة الناس المعبر عنها بصناديق الاقتراع هي الفيصل، ولتتنافس الاحزاب على اسس برنامجية وليست شعارية، احزاب تتبارى على خدمة الناس وتطلعاتها التنموية، احزاب يختبر ادائها في كل دورة انتخابية ان كانت في السلطة او المعارضة، احزاب تتبادل السلطة سلميا على قاعدة تكافوء الفرص، ومسؤولية الدولة في رعايتها جميعا بالتمويل المتساوي ان كانت في السلطة او في المعارضة وتحييد الاعلام المركزي للدولة وكذا قوى الامن والجيش باعتبار ان عقيدتها هي عقيدة الدفاع عن الدولة الوطنية وامن المواطن لا غير!

من اجل كل ذالك يتمنى كل ابناء شعبنا المخلصين ان يكتمل نصاب العمل الوطني بعملية سياسية تتبنى التحرر من كل اشكال الوصاية والاحتلال تتبنى البناء المتكامل لا التحاصص والتقسيم تتبنى البناء لا التهديم تتبنى النزاهة طريقا لملاحقة الفساد تتبنى العمل المؤسساتي الذي سيكون مصدا لاي تجاوز مهما كان مصدره او حججه تتبنى المصالحة الوطنية لا الاجتثاث، فهل سيكتمل النِصاب؟