أبعد من مذبحة نجع حمادي (الحلقة الرابعة والاخيرة): وماذا عن غدٍ!

عادل سمارة

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة العاشرة ـ العدد 2143 )

ملاحظة1:

أزعم أن هذه الحلقة هي مسودة غير مكتملة لما العمل. وما العمل لا يصوغه فرد، حتى لو كان حلماً. فالحلم وليد الواقع والواقع لحظة وجود في التاريخ، والتاريخ يصوغه الناس ويحلمون على اساسه. لكنها تظل اجتهاد قلقٍ على أمل استثارة قراءة ونقد وتغيير رفاقي من اي كان.

ملاحظة2:

لم أحاول في الحلقات السابقة، ولا في هذه، الأخيرة، تخصيص جزء عن المرأة جرياً على ما يفعل البعض. فالمنهج المادي التاريخي والاقتصاد السياسي يقومان على قراءة المجتمع طبقياً، الأمر الذي يكتنف الجنسين معاً. وهو بما هو تحليل مادي تاريخي يعتبر المطالبة بالمساواة بين الرجل والمرأة أمر مفروغ منه، ولا يقويه التكرار الكتابي.

تناقض الشعبي والرسمي تناحرياً

يظل النقيض نقيضاً في حالتي الوعي المكتمل به او المشوه. ويظل النقيض نقيضاً بل ويزداد خطورة إن حاولنا التقليل من خطورته او مساومته. ولا شك أن رفض المساومة يشتمل على احتمال تعريض العنق أحياناً للمقصلة. ولكن القوة السياسية، ومنها الأفراد، التي تتنطَّح لمهام تاريخية، لا يجوز لها ان تُرجىء هذه المهام لضخامة الثمن، او لتمرير لحظات مساومة نظراً لاستثناءات تبدو غير معيقة للمشروع وهي حقاً معيقة. أو لأخذ إجازة أو تقاعد عن العمل. فالمقاومة حياة مستمرة لا توقف فيها. إن صناعة التاريخ والتحكم به تتطلب الثلاثي المهيمن الآخر، العمل والحب والثورة. هذه لا تتوقف ولا تُجاز، ولا تُجزَّأ ولا تساوم حتى لو تناقضت مع الرغائب الإنسانية البسيطة واللطيفة ومع العواطف.

هذا حالنا مع الثلاثي المتحالف بشدة: الراسمالية في حقبة العولمة، والكيان الصهيوني الإشكنازي وأنظمة الحكم القطرية العربية- نسميها بعد هذا الثلاثي-. وبقدر تماسك هذا الثلاثي لا بد أن يكون فهمنا له وموقفنا منه متماسكاً وشمولياً. لقد دأبنا على وضع تناقضنا مع الصهيونية ومن ثم الإمبريالية في مقدمة مشروعنا، وهذا صحيح. لكن ما وصل إليه النظام الرسمي العربي، الكمبرادوري تحديداً، جعل منه مكوِّناً فعلياً في هذا الثلاثي مما يعني ان التناقض مع أنظمة القطرية هو تناحري.

وهذا يفتح بالضرورة على التناقض الحاد بين الشعبي والرسمي عربياً بمعنى: انه لا بد من مراجعة نقدية لمجمل مسار حركة التحرر العربية من حيث:

□ طبيعتها الطبقية وخاصة من حيث تداخلها وانفكاكها عن الطبقات الحاكمة.

□ بنيتها/بنياتها الفكرية العقيدية من حيث عمقها واصالتها وحدود إنتاج اطروحات نظرية وسياسية عن الوطن، أو تلقي ذلك من مصادر تتعاطى مع المنطقة استشراقياً بالمستويين: المركزاني الأوروبي اللبرالي الغربي والاشتراكي المتحقق والمتفكك.

□ موقع القائد والمثقف فيها من حيث، هل هو مثقف حقاً، وهل هو نقدي ومشتبك، أم هو انتقائي، رجراج، موارب ومراوغ، وهذا على ضوء سلسلة طويلة من القادة والمثقفين الذين ارتدوا وتم تبرير ذلك لهم، بأبلغ مما لو برروا ذلك بانفسهم.

أردُّ هذا القول إلى حقيقة موضوعية مفادها ان الرسمي يشن على الشعبي (على الأمة) حرباً اهلية لا هوادة فيها مما يوجب الوصول إلى قرار قطعي بالقطيعة مع النظام بما يوجب تجاوز مشاريع الإصلاح، الحوار، الدمقرطة، المطلبية…الخ.

هذا حال الأمة والوطن! أليس مُهيناً أن تتمكن زمر ونخب متخارجة إلى حد العمالة بل وبسببها أن تنيخ على عنق أمة لتصبح نموذج الأمم المحذوفة إلى هامش التاريخ بل وبما يمسح ما كان لها من تاريخ. أمة تكاد تصبح بلا تاريخ، فكيف تكون ذات مستقبل!

إن مقارنة للحظةٍ بين الأمم القديمة المحيطة بالوطن العربي وبين الأمة العربية تبعث على الغثيان. إيران تخلصت من الشاه، وتحولت إلى قوة إقليمية في زمن قياسي، تركيا تكاد تتخلص من إرث ولا أخطر منه، إرث قاعدة للأطلسي، إرث هيمنة الجيش الذي صِيغ على يد حلف الأطلسي، إرث لعق مؤخرة أوروبا كي تقبلها، إرث شطب تاريخها المشرقي والإسلامي. رغم هذه كلها، تركيا اليوم قوة إقليمية وتشهر في وجه الكيان الصهيوني الإشكنازي قبضةً وكبرياء. وحتى إثيوبيا التي تحولت، بمعنى ما إلى إمبريالية رثة Lumpen-imperialism، فهي تحتل الصومال بين هنيهة وأخرى، وما تزال تحلم باسترداد إريتريا، وتقبض على العنق المائي لمصر!

فهل بقي بعد هذا ما يوحي بإمكانية الإصلاح والتصالح مع الأنظمة القطرية؟

مسؤولية الجميع والفرد

وماذا يهم نظام مبارك حين ندينه! وما الذي سوف نجنيه من حيث التغيير؟ لا شيء. هذا لا يعني التوقف عن تفنيد جميع سياسات أنظمة القطرية، ولكنه لا يعني كذلك التوقف هناك. أليس الجميع مسؤولاً عن هذا المآل؟

لا بد من خطوتين متلازمتين، نقل التجربة للجيل الجديد، ونقد التجربة وعرضها أمام الجيل نفسه. نقد تجربة القوى القومية التي لم تجدد خطابها، ولم تتفق حتى على إطار جبهوي بينها. وأوضح الأمثلة على هذا تشرذم حتى الخط الناصري نفسه في مصر.

أما القوى الإشتراكية واليسارية فلا تزال غارقة في ربيع شرف الاعتراف بالكيان الصهيوني منذ منتصف القرن الماضي، هذا وكأن التطبيع والاعتراف بالكيان هي مكون جِيني عند هذا الخط. ومن جهته، فإن الكيان لم يغير من جلده شيئاً بل يذهب باتجاه دولة يهودية نقية من ناحية، وباتجاه تركيع كل عربي للاعتراف به، فرداً فرداً.

وعليه، فبمقدار جريمة الثلاثي في تقويض القوى القومية والاشتراكية، نجد بنفس المقدار خلل بنيانها الذاتي، الذي يفتح ويؤشر على عجزها، وحتى تذيلها للنظام في مواجهة ما تسميه “الظلامية الإسلامية”، وبهذا فإن هذه القوى طالما لم تحفر لنفسها مواقعها الخاصة بها فهي لن تغير في طبيعة النظام شيئاً، ولن تتمكن من تطوير مواقف الإسلام السياسي باتجاهات تقدمية عبر تحالفات من نمط الكتلة التاريخية. بل لعله من قبيل الخطورة الشديدة أن تظل هناك قنوات ما بين القوى القومية والاشتراكية وهذا النظام.

إلى جانب أو بالتوازي مع تقصير القوى، هناك إشكالية المثقفين الأفراد خارج هذه الحركات. وهؤلاء شكلوا ولا يزالون حصان طروادة الذي فتح السبيل لاختراقات تحققت عبر منظمات الأنجزة والمنظمات الأجنبية لكوادر اليسار وبالطبع المثقفين اللبراليين المتأرجحين بين التطبيع والوطنية، بين الخطاب ما بعد الحداثي وبين نقل “خطاب” نوايا بين الإدارة الأميركية ومنظمة التحرير الفلسطينية، او المتأرجحين بين القومية العربية وعضوية الكنيست، بين التموُّل الاستخباراتي من حزب الله والعيش في أكناف حاكم قطر. أو الذين يعرضون انفسهم لأول مشترٍ[1]. ولعل الآلية المباشرة في هذا الاختراق هو التهافت على وظائف الأنجزة، وهو تهافت يبرره الفرد لنفسه طالما هو فرداً، بمعنى أن لا مرجعية له/ها سوى نفسه، مما يجعل اتخاذ قرارات مثل التطبيع، كتابة التقارير والبحوث والرئاسل الجامعية طبقاً لما يطلبه المموِّل هذا رغم إدراك هؤلاء أن هذه البحوث والدراسات والرسائل الممولة هي تكملة لفراغات في سجلات وقيود وارشيف الإمبريالية عن المنطقة المبحوثة.

لقد فتحت المؤسسات الأجنبية الحكومية وغير الحكومية فرصاً لأبواب مواربة بتشكيل منظمات غير حكومية (الأنجزة) وتجنيد مثقفين/ات غير حزبيين فيها ولها، ولعبت هذه المنظمات المحلية غير الحكومية عبر المثقفين غير الحزبيين دوراً في إدخال العديد من كوادر اليسار ضمن لعبة النظام عبر ابواب مواربة ايضاً. وهكذا، تم صبغ القوى الوطنية والتقدمية بصبغة مواربة وضعتها في حالة وسطية سياسياً، بمعنى أنها تنقد النظام ولا تطالب بإسقاطه، تنتقد عمل المنظمات غير الحكومية وتعمل فيها، وتقول هذا خطأ… ولكن.

ومع الوقت تصبح كل أنواع الزنى طرقا لتدبير الحياة.

خيار المقاومة

لم يعد من الدقة بمكان حصر مصطلح المقاومة في مقاومة الاحتلال الصهيوني الاستيطاني ـ حالة فلسطين، أو الاحتلال الأجنبي ـ العسكري حالة العراق. فإذا ما أخذنا الثلاثي كما هو، يكون الوطن العربي بمعظمه تحت الاحتلال، وبقيته مهددة بذلك.

وهذا يردنا إلى التناقض التناحري بين الشعبي والرسمي مما يجعل الشعار المناسب للمرحلة إسقاط هذه الأنظمة الحاكمة، وليس دقرطتها أو إدخال إصلاحات عليها. وهذا يكشف هشاشة الكثير من الحزبية العربية التي هبط سقفها من المستوى القومي إلى القطري طبقاً لشروط الأنظمة، والتي تحولت من العمل السري إلى العلني المتطابق مع الفسحة الديمقراطية المطلبية التي تسمح بها الأنظمة، وهي فسحة لا تتجاوز تدجين هذه القوى.

وضمن عملية التدجين هذه، أو تحديداً للتغطية عليها، يتم الحديث عن المجتمع المدني، وحقوق الإنسان، والديمقراطية وحرية الإعلام، وكلها محكومة بسقف الأنظمة نفسها. وهنا، يكون النظام المصري نموذجاً مرة أخرى. فالقوى والتيارات المعارضة تنتقد اتفاقية كامب ديفيد، ويسمح لها النظام بذلك، لكنه يقوم في الوقت نفسه بتكريس هذه الاتفاقية على الأرض، مما سمح لها بالتفريخ فلسطينياً وعربياً. فمن الرابح إذن!

تفيد هذه القراءة بمسألة مفصلية هذه المرة، بمعنى، طالما التناقض مع الأنظمة تناحرياً، وطالما الأنظمة هي في المعسكر الآخر، الثلاثي، فما طبيعة المقاومة المطلوبة وما طبيعة الحركة السياسية التي تضطلع بهذه المهمة؟

قد تساعد في الإجابة على هذا السؤال القاعدة السياسية المعروفة بأن: من يتحكم بالسلطة السياسية، يمكنه تغيير كل شيء. وإذا صحت هذه النظرية، فهذا يعني أن نمط حياة آخر هو المطلوب في الوطن العربي. نمط يعاكس بل يُضاد نمط الحياة السياسية القائم والتابع. إنه النمط البديل الذي يحول الحياة اليومية إلى حياة مقاومة.

قد تبدو هذه المهمة صعبة وقاسية. من يستطيع تحملها، ومن الذي بوسعه العيش ويده على الزناد، متحملا شظف العيش ومخاطر الاعتقال، وضبط المصالح والرغبات؟ من الذي بوسعه ان يكون هذا الإنسان المختلف، المشتبك. وليس المقصود هنا الفرد، مع ان عظام الأمور تبدأ بأفراد معينين كقوة مثال كطليعيين!

كل هذه القساوة والتضحية حقيقية، كل هذا الثمن باهظ، كل قتل العواطف والمصالح مطلوب، ولكن بالمقابل، فالتناقض لا يمكن حسمه بغير هذا المدخل. بكلمات أخرى، إن التحدي الذي يواجه الأمة، وخاصة جوهرها اي الطبقات الشعبية، هائل بما لا يُقاس. فالثلاثي قوي بلا مواربة، وإمكاناته عظيمة، ولا يمكن التصدي لها بلا بتضحيات أعظم.

سرية أكثر وعلنية اقل

من هنا تكون الحياة مقاومة هي المدخل الوحيد. وهو مدخل يجب أن ينتقل من الفرد إلى الحركة فالطبقة. وهذا يعني بوضوح الاستفادة من الديمقراطية الشكلية التي يعرضها النظام، على أن تكون هذه المسألة مثابة جزء ضئيل في استراتيجية حركات سياسية سرية تماماً. أي ان تكون السرية هي الطابع العام للنضال وليست الاستثناء.

لقد أدى التطور التقني إلى توفير أدوات هائلة للأنظمة لاختراق القوى السياسية ومتابعتها، وزرع عملاء في أوساطها. ولكن هذا لا يعني استحالة العمل السري في ظروف وشروط مجافية كهذه، كما لا يعني استحالة استخدام التكنولوجيا للنضال السياسي ايضاً.

موقع ثابت وآخر متحرك

بات واضحا في الوطن العربي أن حرب الجبهة الواسعة مع هذه الأنظمة ليست بالأمر السهل، وأن مهارة ورشاقة العمل النضالي في خلق المواقع وتفريخها هو تكتيك عالي الأهمية. دعنا نسميها هنا حرب المواقع الثابتة وحرب المواقع المتحركة.

فحرب المواقع الثابتة هي خلق المؤسسات الجماهيرية والثقافية والخدماتية والتعاونية والإعلامية والتي يمكن أن تكون علنية وسرية في نفس الوقت والحفاظ عليها والتشبيك ما بينها إلى أن تصبح قادرة على الاشتباك الجبهي.

أما المواقع المتحركة، فهي آليات تفكيك مفاصل الدولة القطرية المتمثلة في الزمر الصغيرة من الشباب/الشابات الذين يتقنون حرب المدن. الذين يقلقون قوى الأمن وأجهزته حتى الاستنزاف[2] ولايكونوا ثابتين بحيث يُلتقَطوا، ولا علنيين للدخول في حرب جبهية تمقهم.

وحرب المواقع هذه بشقيها هي المدخل العملي لتحريك الكتلة الجماهيرية الضخمة ضد النظام ضمن خطوتين على الأقل:

الأولى: بدء الإدراك بالتوعية وبالإثبات العملي أن اجهزة النظام عدوة للشعب اولاً، وثانياً هي هشة ومرتزقة.

والثانية:إيصال الكتلة الشعبية، بل الوصول بها، إلى الاشتباك مع النظام بقدرتها كجماهير. هذا هو المدخل البديل لانقلابات الزمر العسكرية، أو ربما حرب الغوار في مناخات غير مؤاتية لهذه الحرب سواء جغرافياً أو فنياً تقنيا تنظيميا.

التنمية بالحماية الشعبية

وفي حين أن ما ذكر أعلاه هو الشق النضالي السياسي في حرب المقاومة ضد الثلاثي، فإن تكاملية مسودة استراتيجية مقترحة كهذه تشترط [3]وجود شق اقتصادي لها، بل قاعدة اقتصادية لها، التنمية بالحماية الشعبية. وهذه استراتيجية طويلة الأمد، وإن كانت ديناميكية إلى درجة أنها تعطي نتائج إيجابية بشكل فوري، وممتدة كي توصل في النهاية إلى الإشتراكية.

ليس هذا مجال التفصيل في هذه المسألة، ولكنها تبدأ أساسا من الإنسحاب إلى الداخل على مستويي المناضل والحزب، الانسحاب إلى الذات من قبل القوى الثورية[4] الانسحاب إلى المجتمع، الدخول فيه. ما نقصد في هذا السياق هو الانسحاب إلى الذات او الداخل، اقتصاديا يعني التوقف عن استهلاك منتجات العدو، أي عدو، والعمل على إنتاج الحاجات الأساسية محلياً مما يفتح فرصة صياغة قانون قيمة محلي لا يرتبط بالسوق الرأسمالي العالمي. فالانسحاب إلى الداخل استهلاكياً يفترض ويشترط عملا تنمويا إذن.

لكن الانسحاب إلى الداخل ليس مجرد عمل وطني وحسب، هو صراع اجتماعي طبقي. هو انسحاب الحزب إلى الطبقة، نضاليا وفكريا واقتصاديا. وفي هذا السياق إقامة إقتصاد الحزب[5].

يشتمل الانسحاب إلى الداخل كما اشرنا على الانسحاب إلى الداخل استهلاكيا كمقدمة للانسحاب إلى الداخل تنمويا وإنتاجياً، وهو انسحاب وطني يتجذر بالانسحاب الطبقي. هو المقاطعة ورفض التطبيع وخاصة مستواه الاقتصادي.

من الضرورة بمكان التركيز هنا على أن التنمية بالحماية الشعبية ليست برنامجاً دولانياً رسمياً هي مبادرة شعبية، ولذا، تفصل اقتصادها عن اقتصاد السوق، وتتم كافة خطاها الاقتصادية بشكل جماعي، لا من خلال لجنة مركزية أو مكتب وزير.

يتلو ذلك:

· إعادة تركيب القطاعات الإنتاجية شعبيا

· الانتقال إلى الاستهلاك الواعي

· قطاع صناعي استراتيجي عربي.

· شكل جديد لشبكة تسويق تختصر الوسيط

· إعادة توزيع الفائض

· فك الارتباطات باقتصادات الكيان والمركز

والتنمية بالحماية الشعبية موديل تنموي مختلف ومخالف لاقتصاد السوق ولا سيما في التشكيلات التابعة. هو اقتصاد آخر، يسحب اقتصاد السوق نحوه ليطوعه وليس العكس. هو اقتصاد الطبقات الشعبية واقتصاد الحزب. وهو في التحليل الأخير مقدمة لاقتصاد اشتراكي دون مواربة.[6]

الشق الفكري/النظري/العقيدي

مضى الدهر الذي شهدنا فيه جدالات مطولة بين الثوريين العرب بشأن قدرة البرجوازية العربية على قيادة عملية التنمية والتطور. كان ذلك الجدال شرعيا ومشروعاً في الفترة التي لم تكن هذه الطبقة قد استنفدت طاقتها الوطنية والثورية إن جاز التعبير، ولم تكن مكوناتها الكمبردورية قد تغلبت على مكوناتها الإنتاجية اقتصاديا والسياسية قومياً.

لم نعد بحاجة لإثبات ان هذه الطبقات/الأنظمة قد أعلنت خيارها واختيارها للتبعية. بل إن من ورثت منها (مصر مثلا) قطاعا عاما وقاعدة صناعية إنتاجية ارتدت إلى خصخصة تلك القاعدة وذلك القطاع، وحولت مشاريعه الناجحة إلى ماكينات خردة بيعت على هذا الأساس.

من جهة ثانية، مضت الحقبة السوداء التي ترافقت مع العولمة، أي الربع الأخير من القرن العشرين والعقد الأول من هذا القرن، حقبة تداخل وتفارق حقبتي الإمبريالية والعولمة. وهي الحقبة التي شهدت تفكك دول الاشتراكية المحققة. هي الحقبة التي وفرت للكثير من الأحزاب والحركات الشيوعية والاشتراكية والكثير من المثقفين/ات الأفراد القدامى والمستجدين فرص الرِدَّة الموتورة على الاشتراكية وكأنما كانوا في معتقلات فكرية.

وإذا كانت مفهومة هزيمة أنظمة الاشتراكية المحققة ميدانيا على الأرض ضمن صراع طبقي واضح، صراع على السلطة بمجموعها، فإنه من المفاجىء كفر الأحزاب والقيادات والمثقفين بالفكر الاشتراكي الذي زعموا حمله! ويزيد الأمر دهشة واستغراباً أن كفر وارتداد هؤلاء يأتي في حقبة تغوُّل رأس المال! أي في فترة إذا لم يكن ماركس قبلها بقرن ونصف قد طرح البيان الشيوعي، فإن هذه الفترة كانت ستنجب ذلك ال “ماركس” بما هو فكريا وليد مرحلة وشروطها.

لم يعد كافياً، أن يتحمس البعض لدخول الراسمالية بعالميتها اليوم أزمة اقتصادية بقوة 1929، اقل أو أكثر، ليعيد التغني بالماركسية-اللينينية. فالمطلوب نقد الموقف. نقد استدخال الهزيمة، نقد الوعظ بالتخلي عن الاشتراكية كيوتوبيا، نقد إعلان الولاء لإيديولوجيا السوق.

لعله لافت أن نقرأ مواقف كثير من الشيوعيين الذين كانوا يعظون بخطاب يساري، ويقصدون به تسويق أنفسهم للتقرب من اليمين. الحديث عن الاشتراكية دون أن يعمقوا ثقافتهم الاشتراكية، دون أن يقيموا موقعا فكريا ثقافيا واحدا في بلدهم، جمعية تعاونية، منتدى ثقافيا اشتراكيا، دون أن يحفروا لأنفسهم عمقا في النقابات العمالية، في اوساط الفلاحين، وحتى في أوساط مثقفي الطبقة الوسطى الذين يشكلون عادة كتلة رجراجة متأرجحة بين الثورة والالتحاق غير المعلن بانظمة الكمبرادور…الخ[7]، أما وهؤلاء على هذا الحال فلم يكونوا سوى جيشاً بانتظار الطلقة الأولى من رأس المال ليلقوا اسلحتهم، ليخلعواجلودهم الخارجية ويُبدوا جلودهم البيضاء تماماً. وليتحولوا إلى تسميات جديدة: “قوى ديمقراطية، قوى تقدمية، دعاة للتعددية، رافضين للشمولية…”.

في الحالة العربية التي نتحدث عنها، أصبح أمراً لافتاً حتى الدهشة، أن الشيوعين والاشتراكيين الذين أعلنوا باكرا الاعتراف بالكيان الصهيوني هم اول من ألقى عن ظهره “عبء” الاشتراكية. هل من ترابط بين الأمرين؟ هذا يحتاج لقراءة. هل هذا الفريق يتحدث يسار ويفكر ويمارس يمين؟ وهذا يحتاج لقراءة ايضاً.

كان اليساريون عموماً، أول من أصيب ب “أنفلونزا الأنجزة” هل كان هؤلاء اشتراكيون لأن أحداً لم يدفع سعراً افضل في السوق. هل صاروا هكذا لأن منافع معينة كانت بانتظارهم من دول الاشتراكية المحققة؟ هل اعتادوا على التنفع، وحينما انهارت الكتلة الشرقية طفقوا يبحثون عن سيد يسجدون له فيطعمهم؟ هل كانوا نباتات متسلقة لا تحملها سيقانها الإيديولوجية؟ هل يمكننا سحب هذا على مختلف الذين عملوا مع مؤسسات الأنجزة، ومكاتب المؤسسات الدولية/الحكومية الأجنبية الأخرى؟ هل كان يعلم هؤلاء، أو هل علموا لاحقاً، أن هذه المؤسسات هي رؤوس حراب لتخريب مجتمعات المحيط، لتخريب قوى الثورة في بلدان المحيط؟ هل منهم من لم يسمع بعد عن أطروحة بريجنسكي 1973 عن ضرورة امتصاص المثقفين في بلدان العالم الثالث لتفقد الحركات العمالية كادرها المثقف؟ ألم تتحول بعض منظمات اليسار إلى أحزاب أنجزة؟

لقد ضاقت اليوم فسحة النقد ضد هؤلاء. اصبح للأنجزة والمؤسسات الدولية حجما ضخما من المتعيشين عليها واصبح مدراؤها محترمين!. اصبحت ربما القطاع الأكثر إغراء وقدرة على التشغيل. أصبح من الصعب على الثوريين الملتزمين حتى أن ينقدوا هذا القطاع الذي تخصص في توفير “مصدر دخل” لليساريين. وكأن المرحلة تفرض شروطا تستدعي إرغام الثوريين على إسداء “الشكر” لمنظمات الأنجزة وللدول التي تقف ورائها، ولا تقف ورائها غالبا سوى الدول!

هناك إذن ذلك الخيط الناظم، الذي كان باهتاً ولكنه يتضح أكثر وأكثر، بين التراجع الذليل عن التحليل المادي التاريخي، عن الالتزام بالفكر الاشتراكي إلى جانب التخلي عن القضايا الوطنية والقومية والطبقية وحتى خيانتها! كيف يتم هذا؟ ما هي الخلية الفكرية السياسية التي تهندس ذلك؟

كيف يكون كتَّاب التطبيع وممارسوه والمدافعون عنه في الوطن العربي والأرض المحتلة من تمفصلات اليسار (الشيوعي والماركسي والاشتراكي…وغيرها من طبعاته)!

ل هي شراكة بين:

· يسار ذخيرته فكر طبقي هو، اي ذلك الفكر أو الإطار، الذي جعله هدفاً لأموال الأنجزة ودول المركز

· وبين برجوازية كمبرادورية من مصلحة جلدها التطبيع مع الكيان الصهيوني الإشكنازي؟

هل هناك اسس تاريخية اقدم من هذه المرحلة هي التي أعلنت عن نفسها بإغراء لافت هذه الأيام فاكتشف كل طرف الآخر؟ والمقصود تحديداً، أن الكمبردور الماركسي، أي الشيوعية الموسكوفية في الوطن العربي التي كانت تابعة فكرياً قد اعترفت بالكيان مبكراً أي قبل البرجوازية العربية. هل المقصود أن الكمبرادور الثقافي الفكري سبق زمنياً الكمبرادور الطبقي الراسمالي؟ ومن ثمَّ، حينما نضجت مصالح البرجوازية الكمبرادورية العربية وركبت في موضعها التابع في بنية راس المال العالمي لم تجد بُدّاً من التطبيع مع الكيان الصهيوني فأصبحت ثالثة الثلاثي !. كل هذه إشارات لما تجدر معالجته بالكَيْ طالما من الضروري التأسيس مجدداً.

هل هذا نقد لكل من جرى تشغيله في مؤسسات الأنجزة ومؤسسات حكومات المركز بما هي بالتحديد مؤسسات تطبيع ثلاثي، تطبيع مع الثلاثي: فالتطبيع ليس فقط مع الكيان الصهيوني، هو كذلك في التطامن مع وعلى الأنظمة العربية، وهو كذلك في العلاقات الفكرية والمالية والسياسية والتجارية مع دول المركز الرأسمالي بما هو عدو. لعل التفريق ضروري بين من يقود مؤسسات الأنجزة ومكاتب المؤسسات الثقافية الغربية الرسمية في الوطن العربي والأرض المحتلة ايضاً، وبين من يعمل كموظف صغير ذهب إلى هناك للبحث عن عمل ليس أكثر. وقد يكون الفيصل مَنْ مِنْ هؤلاء تحول إلى داعية لهذه المؤسسات، ومن عاش فيها كمغتصبة تؤجر ثدييها كي تلتقط خبزاً. بمجمله مناخ قذر، ولكن الثوريين بدورهم لم يحاولوا التاسيس لما يمكن أن يوفر لهؤلاء مواقع عمل اشرف. ومع ذلك، لنقل لا يفوت الوقت بالمطلق على أي أمر جميل!

مرة أخرى، لا اخيرة، ليس هناك سوى البناء الفكري الاشتراكي، الماركسي-اللينيني تحديداً، ليس هناك سوى التاريخ، المادية التاريخية موصلة إلى الاقتصاد السياسي لإحداث ثورة ثقافية تقود بالضرورة إلى مستوى أوسع من حرب الشعب (ماو) التي يجب توسيع مفهومها ومضمونها من تحرير بلد تحت استعمار أجنبي إلى حرب الشعب في البلدان التي يُفترض أو يُعتقد أنها مستقلة، وفي بلدان المركز التي اغتصبت ما هو أوسع من ارضها واستقلالها. حرب الشعب ممثلة في التنمية بالحماية الشعبية، في المشروع الاشتراكي.

ولكن، متى ينتقل البناء الثقافي، الثورة الثقافية، إلى إعلان البدء بالثورة الاشتراكية؟ ما هي المرحلة الوسيطة بين اللحظة وبين لحظة التفجير الاشتراكي، مدى طولها هنا وقصرها هناك، طبيعة الشكل الذي تتخذه هنا والذي تتخذه هناك، هذه أمور ترتبط بتقديرات قوى الثورة نفسها[8].

الحزب: الأداة أم القيادة؟

ما الدرس المستفاد من بيروقراطية الأحزاب الشيوعية على صعيد عالمي، ما هي نتائج وصول السلطة والتحول الحزبي إلى سلطة على الطبقة/ات التي تولد هذا الحزب ليمثلها. ما الدرس المستفاد من اعتماد الدولة/السلطة كجهاز في تطبيق الاشتراكية ورعايتها، ولماذا آلت الأمور هذا المآل؟

ليست هذه الأسئلة الحارقة الوحيدة التي تعرض قراءة المرحلة، وإنما هذه نماذج عليها.

في عصر شيوع المعلومة مقرونة مع شيوع الفردانية وتوسع إمكانيات فلتان الفرد وحيداً دون ارتباط بغيره، لا سيما الأفراد المثقفين الذين يمكن ويُفترض أن يكونوا مادة اللصق الاجتماعي الطبقي الانتظامي ليكونوا مثقفين عضويين للطبقة، كيف يمكن إعادة الفرد إلى المدار الجماعي الطبقي الحزبي، وتطويع المعلومة في خدمة الفريق وليس البروز الفردي كالنجاح المهني التقني التخصصي الأكاديمي…الخ؟

كيف يمكن إعادة الفرد الذي يشعر بأنه حر في كل أمر ومن كل أمر إلى دائرة العمل الجماعي في عصر العولمة التي فككت مختلف السيادات؟ لماذا تفقد الطبقات الشعبية مثقفيها العضويين، واين أو إلى اين يذهبون؟

ولماذا لا تفقد البرجوازية مثقفيها العضويين، ولماذا يتكاثرون؟

قد نكثِّف هذه الأسئلة في سؤال واحد هو: هل تُقيم مجموعة من المثقفين العضويين، قبضة من هؤلاء، حزباً وتتوجه إلى الطبقة كي تحمله على أكتافها فتصبح طبقته ويكون حزبها؟ أم أن المرحلة تقتضي مدخلاً آخر؟

هل يصح أن يكون المدخل هو عمل الفريق أو القبضة ضمن الطبقة، وليس إسقاط القبضة من الخارج على الطبقة. العمل ضمن الطبقة في حالة أو علاقة تطور وتطوير بحيث تقوم الطبقة نفسها ببلورة وإغناء الفريق ودفعه ليكون حزبها الذي نبت في أوساطها.

تكمن أهمية هذا المدخل، أو هذه السيرورة، أو هذا التفاعل في الحفاظ على دور الطبقة، والتشكيلات النقابية والنسوية والطلابية الواعية فيها لتكون برلمان الحزب، توجهه وتناقشه ويعود إليها بعد كل تكليف. ربما تشكل هذه العلاقة المدخل الأفضل للتخلص من البروقراطية. فليست خطورة البروقراطية في دورها الفوقي الأمري فقط، بل وأساساً في كونها صيغة أخرى “لحق الملك الإلهي” “حق الحزب الإلهي” بمعنى أن تكون في قيادة الحزب، فأنت مخول لقيادة الطبقة والشعب، دون اختبار للكفاءة والقدرة وحتى الإخلاص!


[1] أنظر بهذا الصدد مقالة جوزيف مسعد: “ساسة واقعيون أم مثقفو كمبرادور”، في مجلة كنعان العدد 85 نيسان 1997، ص ص 14-28 وهي زاخرة باسماء فيالق من هؤلاء المثقفين وخاصة اعتراف بعضهم بانه إنما يبيع ابحاثاُ. وانظر في نفس العدد مقالة عادل سمارة، ثنائية القومية والحكم الذاتي الثقافي ودولة لكل مواطنيها، مشاريع صهيونية، ص ص 33-51.

[2] انظر عادل سمارة، مقدمات في تفكيك مفاصل الدولة القطرية، منشورات مركز الشمرق/العامل للدراسات الثقافية والتنموية/، رام الله، 2009.

[3] لا مجال للتوسع هنا، ولكن لو قرأنا وضعية أحزاب اليسار، إن وجدت حقاً، كيف تعمل وكيف يعيش أفرادها؟ أين يعملون؟ اليسوا موزعين على مواقع عمل البرجوازية، القطاع الخاص، الأنجزة، الدول الأجنبية. كيف يمكن لهكذا حزب يتلفظ يساراً وينشر اعضائه للتعيش في أوساط اليمين. صحيح أن العامل المأجور لا يمكن إلا أن يعمل لدى الراسمالي أو أي مالك آخر. لكن الحزب ليس مكتب تشغيل، ليس مكتب عمل يوفر عمالاً للبرجوازية. الحزب قوة منظمة واعية يجب أن تعمل على إقامة اقتصادها، لأن الاقتصاد الوطني مثابة إيديولوجيا.

[4] وهذا عكس موقف اصحاب الهجرة الذين يهاجرون من المجتمع أو يهجرونه كرهاً له ليعودوا ويقتحموه باعتباره مجتمعاً كافراً.

[5] يشدني هذا الأمر إلى قراءة سلوك قيادات أحزاب اليسار الفلسطيني. فهذه الأحزاب ترمي إلى سوق العمل بكوادر ليعملوا في منظمات الأنجزة مما يعرضهم للانحراف الفكري وربما السياسي الوطني. وهذا بدل ان تحاول هذه الأحزاب خلق اقتصادها الخاص اقتصاد الطبقة. وتكون هذه الأحزاب فيما تقوم به كالطبقة العاملة وهي في ذاتها حيث تتوالد كثيرا لترمي في سوق العمل بأعداد كبيرة من قوة العمل التي تتنافس على الأجور الأقل والأدنى!

[6] انظر عادل سمارة، التنمية بالحماية الشعبية، كنعان الورقية العهدد 129 نيسان 2007 ص ص 3-35.

See also, Adel Samara, Industrialization in the West Bank: A Marxist Socio-Economic Analysis 1967-1990. A PhD Thesis, University of Exeter 1990, Chapter p.p.469-486.

[7] مثلا في حالة الأرض المحتلة هناك قطاع واسع من المثقفين الذين يتعيشون من وظائف في السلطة دون ان يقوموا باي عمل، ويعملون في نفس الوقت مع منظمات الأنجزة والمؤسسات الأجنبية الرسمية وغير الرسمية. والغريب أنهم يكتبون ويتحدثون ضد التطبيع. هؤلاء الوسطيون لا تكمن مشكلتهم في وسطيتهم لو كانوا ثابتين عليها، وإنما في تأرجحهم ذات اليمين وذات الشمال مما يقود إلى زوغان من يراقبهم، فقد لا يلتقط حقيقتهم.

[8] يتناقض هذا الطرح الماركسي-اللينيني بالطبع مع أطروحات ترتوسكيين الذين ما زالوا يقتتلون مع الثورة في بلد واحد، حتى لو في ظروف قاهرة، قد تقتل هذا البلد، هذه الثورة.