ملاحظات على مقالة عادل سمارة “أبعد من مذبحة نجع حمادي”

نور الدين عوّاد ـ هافانا

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة العاشرة ـ العدد 2143 )

في حوار تحلى بتبادل وجهات النظر حول مقالة عادل سمارة “أبعد من مذبحة نجع حمادي”، والتي نشرت في هذا الموقع على اريعة حلقات وظهرت الاخيرة منها في نشرة اليوم، اورد الزميل نور الدين عوّاد بعض الملاحظات القيمة نوردها أدناه. وتجدر الاشارة الى ان ملاحظات الزميل نور الدين سترد بين اقواس وبالحرف الغامق ومنسوبة اليه.

“كنعان”

* * *

ملاحظة نور الدين: بداية لا يسعني الا ان اعرب عن تقيييمي العالي لهذا الجهد العلمي الرصين الشامل في تشخيص الواقع ووضع النقاط على الحروف وتقديم الحلول اللازمة من اجل الخروج من حالة الاستعصاء (الانسداد) التاريخي الذي تمر به الامة ، فقد اكتملت شهور الحمل التسعة وبدات اعراض المخاض ولم ينقص الا القابلة المجربة حتى تضع الام وليدها بسلام.

مع ذلك ولدى دراستي لتلك الورقة بدت لي بعض الملاحظات التي لا تنتقص من القيمة العلمية والمسؤولة لتلك الورقة بل ربما تثريها او تضيف اليها او تؤكد بعضا من جوانبها:

الحلقة الاولى

النص الكامل للحلقة على الرابط التالي:

https://kanaanonline.org/?p=2373

عادل سمارة: “استطاعة البرجوازية، ولو مؤقتا، طمس التناقض المادي الطبقي في المجتمع الإنساني عامة لصالح ما يسمى بالتناقض الثقافي سواء على صعيد البلد الواحد او بين بلد وآخر. فحلت مقولات الهوية والثقافة وصدام الثقافات محل الصراع الطبقي.”

((( ملاحظة نور الدين: اؤكد على مضمون هذه الخلاصة الصائبة وقد استعملتها في رسالة الدكتوراة لدى تفنيد نظرية صراع الحضارات لصاموئيل هانتينغتون الرامية بشكل اساسي الى اختلاق صراع وهمي من اجل طمس صراع حقيقي قائم الا وهو صراع الطبقات في المجتمعات القائمة حاليا وبينها.(((

عادل سمارة: “تحريك المؤسسة الدينية في المركز والمحيط لصالح راس المال، وهو التحريك “الناجح” وذلك حتى قبيل تعمق الأزمة المالية/الاقتصادية، والذي تجلى في دور الحبر الأعظم السابق ضد دول الاشتراكية المحققة، وخطيئة الحبر الأعظم الحالي ضد الإسلام منذ عدة سنوات، وتلميحاته السريعة الأخيرة بعد يومين من جريمة قتل 6 من المصريين الأقباط ومصري مسلم، وهي تلميحات الانتصار لدين على آخر دون ان يلامس المشهد السياسي بكلمة واحدة. وهذا الموقف نموذجياً على إعادة هندسة الوعي الشعبي لصالح وعي زائف من جهة، وتماهي موقف الكنيسة من النظام المصري مع موقف المركز الراسمالي من جهة ثانية.”

((( ملاحظة نور الدين: ايضا في سياق رسالة الدكتوراة اؤكد بان الحبر الاعظم سواء السابق او الحالي و ربما اللاحق ليس الا “مثقفا عضويا للنظام الراسمالي في طوره الامبريالي المعولم” وافردت له كما لغيره حيزا للتدليل على هذه الخلاصة. فسلطة راس المال كلما فقدت شرعيتها في الارض تبحث عنها في السماء.)))

* * *

الحلقة الثانية

النص الكامل للحلقة على الرابط التالي:

https://kanaanonline.org/?p=2388

عادل سمارة: “ولكن غياب الدولة في اكثر من حالة عربية انتج مفارقة اخرى تحتاج إلى تفسير، بمعنى أنه يُحيي المواطنة ويجعل الشعب أكثر تماسكاً في مقاومة الاحتلال! وهذا يعني أن دور الدولة ليس خلق المواطنة/الانتماء الوطني والقومي أو زرعها في المجتمع، فهي موجودة، بل يفرض على الدولة أو يفترض أن تقوم برعاية المواطنة وتقويتها وعدم قمعها أو التضحية بها.”

((( ملاحظة نور الدين: التفسير الذي اراه لمثل هذه الظاهره يتمثل في الثقافة السياسية والثقافات السياسية الباطنية المتراكمة في المخزون التاريخي للامة ابتداء من ارهاصات الصعاليك مرورا بـ”كلكم راع وكل راع مسؤول عن رعيته و”متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم امهاتهم احرارا” وتتويجا بعهد القرامطة الاشتراكيين وصولا الى النقاط المضيئة التي رسختها حركة التحرر الوطني العربية المعاصرة على امتداد القرنين الاخيرين بغض النظر عن الاخفاقات والعجز والتراجع راهنا.

فالدولة في نهاية المطاف هي اداة سيطرة طبقية وقد تكون موجودة بالفعل لكن وعلى ضوء الاستقطاب الشديد داخل المجتمع واغتراب الطبقة او النخب الحاكمة تكون بمثابة غائية لبقية المجتمع لا سيما المجتمع المدني، الذي يحافظ على علاقة تصارعية مع الدولة حفاظا على حقوق مكتسبة او سعيا لتحقيق حقوق مسلوبة.)))

عادل سمارة: “إن لمستوى التطور الاقتصادي في اي مجتمع دوره في بلورة التقاطبات الاجتماعية فيه. فكلما كان المجتمع اقل تصنيعاً او ما قبل صناعي، اي كلما كانت درجة اجتماعية العمل والانتاج متدنية كلما كان المجتمع مكوناً من مصفوفات عفوية من الأفراد والمجموعات تفرقها درجة تفارق المداخيل تفارقاً لا تناقضياً، اي غير محفوز بوعي طبقي ليكون الصراع في المجتمع طبقياً في الأساس وذلك نظرا لضعف التبلور الطبقي وبالتالي الوعي الطبقي”.

((( ملاحظة نور الدين: بداية اعتقد ان موضوع التصنيع وقدرته السحرية على فرز طبقي يولد بروليتاريا ووعي طبقي ثوري موضوع غير دقيق ومحل جدل اكاديمي ونظري على ضوء تطور الامبريالية والعولمة الليبرالية الجديدة وانعاساتها في بلدان المحيط. فلا يجب ان ننسى ان الاتحاد السوفييتي لدى تبريره لموافقته على قيام دولة اسرائيل على ارض فلسطين انطلق من تفسير خاطيء لهذا الراي. فدرجة التصنيع العالية في اسرائيل وفي بلدان المركز الامبريالي لم تسفر عن نشوء طبقة بروليتارية ثورية نوعيا تخوض صراعا طبقيا يرمي الى تقويض النظام الراسمالي بل بقيت اسيرة للمذهب النقابي المطلبي ومغتربة عن امميتها تماما. فهل سمع احد بان بروليتاريا اسرئيل او امريكا التي تنتج الصواريخ العابرة للقارات لتدمر افغانستان والعراق ومصنع ادوية في السودان وحرق غزة بالفوسفور الابيض وابادة احياء بكاملها في بنما باليورانيوم المخصب…الخ اوقفت العمل لدقيقة واحدة في مصانع فاشية راس المال؟

ثم ان العامل الحاسم في الانقسام الطبقي يتحدد بالموقع الذي تحتله المجموعات البشرية ازاء وسائل الانتاج وليس الدخل، الذي يتحدد عموما نتيجة ذلك الموقع. وفي مراحل ما قبل الراسمالية الصناعية كانت هناك طبقات وتناقضات شديدة ادت الى انفجارات اجتماعية نابعة من وعي طبقي وفي سبيل احقاق حقوق الطبقة او الطبقات الشعبية في عهد العبودية والاقطاعية، والتي غالبا ما كانت تسمى بـ “الفقراء والمظلومين والمعدمين” وهي تسميات ذات مضمون طبقي بامتياز، “فما افتقر فقير الا بما اغتنى به غني”. والتصنيع لا ينتج تلقائيا وعيا ثوريا للبروليتاريا التي ياتيها وعيها “من طبقة في حد ذاتها الى طبقة لذاتها” من خارجها، اي على يد المثقفين العضويين الثوريين، الذين نعول عليهم دورا رئيسيا في تشغيل دينامو الفعل الثوري للطبقات الشعبية عموما، الوحيدة القادرة على صنع التاريخ.

واذا كان التصنيع محظورا على بلدان المحيط او التخوم، بقرار من بلدان المركز منذ ايام محمد علي في مصر وايام “لا يابان بعد اليابان” وبقرار طوعي او قسري من النخب الحاكمة في المحيط، فهل يعني ذلك ان لا طريق الى الاستقطاب الطبقي وبلورة الوعي الطبقي في تلك المجتمعات؟ وان كان الامر كذلك ( وهو ليس كذلك في رايي) فكيف نفسر ثورة المواطنة في الاكوادور والثورة الديموقراطية في بوليفيا والثورة الوطنية القومية بافق اشتراكي في فنزويلا راهنا وانتصار الثورة الاشتراكية في روسيا التي كانت اقل البلدان الراسمالية تصنيعا وتطورا، وكيف نفسر ان ايا من البلدان الصناعية المتطورة لم يحصل فيها حتى الان ولا حتى مجرد ارهاصات ثورة بروليتارية؟

فهل تبرجزت البروليتاريا بقيادة ارستقراطيتها النقابية امتزاوجة الى حد كبير مع راس المال في بلدانها ووقعت جميعا تحت سلطة ثقافة ووعي البرجوازية؟ الا تبدو المعادلة الفعلية المحققة نظريا في عصرنا كالتالي: درجة عالية من التصنيع تؤدي الى انعدام الثورة؛ انعداد التصنيع او قلته تؤدي الى الثورة والتغيير!)))

عادل سمارة: “تؤكد الحالتان ان ما يؤسس، نعم يؤسس ولكنه لا يحسم وحده اوبشكل عفوي بعيد عن الحركة السياسية المنظمة للطبقات الشعبية، لخلخلة هذه الهيمنة والسكونية المجتمعية ليس إلا التصنيع الذي يحول المواطن إلى منتج يعيش من إنتاجه ومن تعاونه في العمل مع الاخرين مما يؤدي إلى التمايزات والتفارقات والتناقضات الطبقية، ومن ثم الصراع الطبقي وليس الطائفي او الجهوي والإثني…الخ.”

((( ملاحظة نور الدين: هذه الفقرة تؤكد بشكل ما الملاحظة المشار اليها اعلاه.)))

عادل سمارة: “وهذا يعني ان التطور الصناعي والعمل الاجتماعي تؤثر كذلك على صقل الفردية أو نقل الفردية من حالة الفرد العاجز عن اي انتظام جماعي إلى فرد يرى في الانتظام الجماعي ولو حتى بمستواه النقابي المطلبي ضرورة. “

((( ملاحظة نور الدين: انني اخشى ان يفهم انه لا بد من التصنيع لكي نقوم بالثورة والتغيير في بلدان المحيط. فهذا القول يعني اننا محرومون من التصنيع اذا نحن محرومون من الثورة. مثل هذا التاكيد يجافي الواقع المعاش على الاقل في امريكا اللاتينية: فاول تورة انفجرت في القارة كانت ثورة العبيد في هايتي عام 1804 ولم تكن تنتج مسمارا وهي افقر بلد في المنطقة ( وجاء زلزال يناير الحالي ليجعلها الاكثر فقرا ومعاناة في العالم)؛ وبوليفيا ليست بلدا صناعيا بل هو من افقر بلدان القارة ومع ذلك نرى مئات آلاف الافراد غير الصناعيين يسيرون على الاقدام مئات الكيلومترات كالبنيان المرصوص والمرصوف في جبال الانديز، في انتظام اجتماعي قادر على تغيير النظام السياسي البرجوازي المرتبط بالمركز الامبريالي وفرض نظام سياسي ودستوري مغاير نوعيا يتجاوز المستوى النقابي والمطلبي الى المستوى الثوري. فهناك الموروث التاريخي للطبقات الشعبية البوليفية الاصلية الرافض للظلم والاضطهاد والمدافع عن البيئة (الارض الام) وهناك الحركات الاجتماعية التي تحرك هذه الجموع الغفيرة في اتجاه التغيير وهناك القيادة الملتزمة الواعية لواقع الامة وآفاقه.)))

* * *

الحلقة الرابعة

النص الكامل للحلقة على الرباط التالي:

https://kanaanonline.org/?p=2417

عادل سمارة: “تكمن أهمية هذا المدخل، أو هذه السيرورة، أو هذا التفاعل في الحفاظ على دور الطبقة، والتشكيلات النقابية والنسوية والطلابية الواعية فيها لتكون برلمان الحزب، توجهه وتناقشه ويعود إليها بعد كل تكليف. ربما تشكل هذه العلاقة المدخل الأفضل للتخلص من البروقراطية. فليست خطورة البروقراطية في دورها الفوقي الأمري فقط، بل وأساساً في كونها صيغة أخرى “لحق الملك الإلهي” “حق الحزب الإلهي” بمعنى أن تكون في قيادة الحزب، فأنت مخول لقيادة الطبقة والشعب، دون اختبار للكفاءة والقدرة وحتى الإخلاص!”

((( ملاحظة نور الدين: هذه المكونات وغيرها هي بالضبط ما يطلق عليه في امريكا اللاتينية الثائرة “الحركات الاجتماعية” التي حلت محل الاحزاب التقليدية البالية وتشكل البرلمان الشعبي للسلطة الثورية (مثال على ذلك بوليفيا حيث اعلن الرئيس ايفو موراليس استعداده لتقديم كشف حساب امام الحركات الشعبية بخصوص ادائه في الحكم وطالبها ايضا بان تكون الرقيب العتيد على سلوك واداء الحكومة))).

((( ملاحظة نور الدين: واخيرا اؤكد على الاهمية الكبيرة للافكار والتحليل العلمي الوارد في هذه الورقة وآمل ان يساهم نشرها في كنعان الالكترونية والورقية ايضا في الدفع بعملية التغيير التاريخية التي تنتظر نهوض الامة وانفجارها ثوريا في وجه اعدائها الطبقيين والقوميين.)))