إعادة بناء البلد (1): لن أُقسم بالله أن الأسرى لن يتحرروا هذا العام!

د. عادل سمارة

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة العاشرة ـ العدد 2145 )

إعادة بناء البلد، كان هذا موضوع مقالة كتبتها في جريدة القدس قبل أكثر من اربعة أعوام، وتحديداً قبل الانتخابات لرئاسة ومجلس الحكم الذاتي في الضفة والقطاع. والفكرة من وراء هذا العنوان هي: اننا بما نحن عليه وفيه كفلسطينين أولاً، وبناء على الواقع العربي والدولي، لا نستطيع تحرير فلسطين راهناً. وهذا يعني وجوب التمسك بحق العودة، وللوصول إليه لا بد من أعادة بناء المجتمع. وهذا يعني أن المجتمع خراب يباب. وهذا ما ساناقشة في غير حلقة من هذه السلسلة. وكان اقتراحي أن لا تُجرى انتخابات سياسية بل إدارية وخدماتية، من أجل عدم التفاوض مع الاحتلال. أي سلطة لا مفاوضاتية ولا سياسية. وكتبت قبل ثلاثة اشهر في النشرة الإلكترونيةwww.kanaanonline.org بأن يتم العمل على رفض المفاوضات ورفض سياسية التكوين للسلطة وإحراج العرب لدفع حاجات السلطة المالية.

كنت حقيقة قد جهزت، لسلسلة إعادة بناء البلد، مقالة اقرب إلى التحليل النظري مستخدماً مفكرين مظلومين أمثال غرامشي وماركس ولينين وسمير أمين وماو…الخ. مظلومين لأن كثيرا ممن يستخدمون نظرياتهم يمارسون تهديم المجتمع وحتى الفساد، فساد أحمر هذه الأيام!

لكني مررت يوم 27 كانو ثاني بمحض الصدفة على دُوَّار في إحدى المدن، فأنا لا أحب تسمية ميدان لأنها تؤشر إلى حالة كفاحية غير موجودة اليوم! فإذا جمع غفير واصوات مكبرات الصوت تهز المكان، وبالصدفة البحتة ايضاً، كان رجل يخطب قائلاً: “أقسم بالله العظيم أن هذا العام سيكون عام تحرير الأسرى”، بينما يردد الجمهور من ورائه القسم والهتاف! مشهداً ذكَّرني بالمسرحية الشعرية للراحل صلاح عبد الصبور: “مأساة الحلاج”.

لم يقل الرجل كيف! ولم يتسائل الجمهور كيف، ولم يسأل الرجل أحداً كيف؟ مضيت أنا مسرعاً وواصل الجميع مهرجانهم، وواصلت القيادات من الجنسين الوقوف في عين الحدث بصورهم وتصريحاتهم.

ليس بيننا من لا يحب الأسرى، وما اكثر من اُسروا. ولكن السؤال الذي يهرب منه الكثيرون: من الذي سيحرر الأسرى وكيف؟ لو قال الرجل سنأسر جنودا من عساكر العدو، لقلنا حبذا، فهذا يظل احتمالاً. أما أن يقدم لنا قسَماً بلا حدود، فهذا أمر غريب.

ولكن، ربما لا. فما اكثر الأيمان التي سفحناها على مذبح الوطن، فوجدنا الوطن ذبيحاً والأسرى على “ابراشهم” والساسة على ابراجهم، والمثقفين يجهزون الأبحاث والدراسات بشروط ولأهداف منظمات الأنجزة، الاستشراق الثقافي بل السياسي بلا مواربة وكله مباشرة أو مداورة ومواربة ومراوغة لمخابرات الدول الأجنبية. آهٍ يا عقل المثقف من اين أتيت بكل هذه الوضاعة. فلماذا لا يُقسم هذا، ويقوم ذاك أو تلك بدراسة تخدم الأعداء طالما لا أحد يسال ولا أحداً ينتقد!

لم يسأل أحد أحداً لماذا حنث بيمينه حتى اصبحت جميع ايمانه حنثا في حنث.

هي آلية واحدة لتحرير الأسرى بدأها الشهيد وديع حداد منذ عام 1968، بخطف طائرة إسرائيلية وواصلتها بعض المنظمات بخطف الجنود الإسرائيليين. ليس هناك اي مدخل لتحرير الأسرى قبل تحرير الوطن وخاصة المفاوضات بطبيعتها الحالية وتوازنات القوى.

بقي على نهاية العام اقل من عام، ماذا سيقول صاحب القسَم ومن صفقوا له لأمهات الأسرى واولادهم وبناتهم وأزواجهم، وللجمهور عامة؟ لا شيىء. ليس لأن الأسرى لن يتحرروا، بل لأن أحداً لن يسأل بشكل جاد: لماذا وعدتمونا بلا رصيد.

نعم، لأن ثقافة السؤال فما بالك بالاحتجاج معدومة في بلدنا. وما بالك ايضاً بثقافة المسائلة والمحاسبة. ماذا يمكن القول لصبي في السادسة حين يسمع الوعد، فيصدقه ثم يدرك أنه كان مجرد لحظة حماسة، وهي كلمة وحصلت.

تذكرني هذه بمن فُطموا على التطبيع. فهم يمارسونه باشكال متعددة، وحين يُسألوا: لماذا عملتم لصالح وقبضتم من مؤسسة كذاا؟ يجيبوا، هي نزوة لا غيرها. وحين تقرأ تاريخهم تجده سلسلة نزوات تماماً كسلسلة الحنث بالأيمان، والمطلوب لكل واحد/ة منهم دائرة فتوى لتحليل المحرَّم.

قصدت من هذا نفس ما بدأت به: أن لا بد من إعادة بناء البلد/المجتمع، وذلك بإلزام من يقل شيئاً أن يلتزم به. وأما لفائدة مَن هذا الإلزام؟ هو للجيل القادم؟ لأن من تورط في أخلاقيات الجيل الحالي، ربما ليس مرشحاً ولا قابلاً للتغير. لا بد من محاسبة اليوم من أجل غدٍ.

واخيراً، قال لي صديق حين كنا في لحظة صفاء بعد عتاب: أنا لا أُنفق وقتي مثلك في الكتابة عن أمور صغيرة، بمقالات صغيرة، بل أوفر الجهد وأركزه في تأليف الكتب، أنت تنتقد وتهاجم وهذا يقلل من شأنك، هذا ما حصل حين كتبت عن إبراهيم نصر الله.

قلت: ربما من ناحية فنية في حديثك دِقّةً. ولكنني، وإن هوجمت على ذلك كثيراً، وعوتبت من مطبعين/ات وأشباههم/ن، فإنني فعلت برضى وتماسك، وتأكدت أن أحداً لن يسألني ذات يوم: لماذا كذبت علينا. لم يكن ولم يعد يضيرني قول البعض : لماذا كتبت علينا!