مؤتمرات وملتقيات!

عبداللطيف مهنا

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة العاشرة ـ العدد 2146 )

كانتا ليستا أكثر من مظاهرتين إعلاميتين تقعان في خانة وذلك أضعف الإيمان، لكنما لا بأس بهما، أو هما، أقله، مطلوبتان في مثل هذا الزمن العربي والدولي الرديئين. تلكما كانتا هاتين المناسبتين اللتين شهدتهما مدينة بيروت ما بين الثالث عشر والسابع عشر من هذا الشهر الأول من عامنا هذا، واللتين دعيت لحضورهما فلبيت مع من لبى من الثلاثة آلاف مدعو الذين خفوا من أربع جهات الأرض لاحيائهما. فهما على أهميتهما، إن أحرجا المهادن اللامقاوم فلن يردعا المستسلم المساوم، وستمضيان كالعادة كما مضى ما كان مثلهما من قبل.

أنا هنا أتحدث عن المؤتمر السنوي لمؤسسة القدس الدولية، والملتقى العربي الدولي لدعم المقاومة الذي تلاه… المتظاهرون كانوا عرباً هرعوا من كل جنبات الوطن العربي مشرقاً ومغرباً، ومسلمين جاءوا من كل ديار الإسلام، ومثلهم ممن يعيشون خارجها في أطراف بلاد الله الواسعة، وأجانب كانوا أوروبيين وأمريكان شماليين ولاتينيين وأفارقة وآسياويين… وكان السياسيون منهم، والمثقفون، والإعلاميون، وعلماء الدين المسلمين والمسيحيين وحتى بعض اليهود… هنا يمكن ملاحظة واحدة من هنات من نظموا المؤتمر القدسي والملتقى على السواء، وهو أن الرهبان والبطاركة قد قلوا وكثر المشايخ، ولولا أن حضور المطران هيلاريون كبوحي مطران القدس المبعد قد عوض قليلاً لكانت إحدى النواقص الفاقعة التي لاتجوز ونحن ازاء تضامن مع مدينة مقدسة لدى مسلمي العرب ومسيحيهم على السواء.

الجميع، وبشتى اللغات، وانطلاقاً من مختلف التوجهات، ووفق ما تستدعيه فوارق الأماكن والمواقع والمشارب، جاؤوا ليعبروا عن موقفين اثنين يمكن أن يختصرا في محاولة ابداْ الحرص على نصرة القدس وإعلان التضامن مع المقاومة… مقاومة الاحتلال والغزو أينما كانا، فكنا والحالة هذه، وفي حدود ما كان المتوقع، إزاء مهرجان تضامني مع الشعب الفلسطيني، وآخر مع نهج وثقافة المقاومة… والأخير كان الأقرب في الغالب إلى ما يعبر عن تضامن الشعوب مع الشعوب والمقاومات مع المقاومات!

هنا يمكن القول أن فلسطين عبر قدسها قد وحدت كل هؤلاء الذين جاؤوا لنصرتها، لكنما الأهم، هو أن مبدأ ومنطق ومنهج وثقافة المقاومة هو وحده ما قد وحّد كل من جاؤوا لدعمها، وعلى الخصوص، كل من يمكن أن يُدرج من العرب تحديداً في تلكم التيارات التاريخية الثلاث التي تحملت وحدها عبء مواجهة المشروع الغربي المعادي في بلادنا خلال القرن الأخير وما يزيد عليه، نعني، القومي والإسلامي والديموقراطي… أي، وبلغة أخرى، أننا أزاء ما يثبت حقيقة مفادها أن المقاومة هي وحدها التي توحّد. وفلسطين وحدها، كما كانت وستظل، هي البوصلة، وعبر الصراع عليها ولتحريرها فقط تتوحد الأمة العربية، وتنهض الإسلامية، وتستعيد الانسانية انسانيتها.

… وأيضاً بشتى اللغات، ومن شتى الأطراف ومختلف المشارب، تستمع إلى من يشتكي أو يستهجن، ويدين ويحذر، ويؤكد أو يتوعد… أما المقاومون المتضامنون مع المقاومين، فمنهم من يشتكي شتى صنوف المحاصرة، وآخر يسرد آخر مبتكرات ضروب التآمر عليه، وثالث يعدد مرارات العقوق والإهمال والحصار الإعلامي… والجميع، يُجمع على أن الاحتلال إنما هو حرب مزمنة ومستمرة، وأن دحره وحده هو السلام، الذي ما عداه هو استسلام… وهنا أيضاً، إضافة إلى الهنّة التي أشرنا إليها آنفاً وقع الكثيرون في محذور لايجوز، وهو اختصار فلسطين في القدس، والقدس في المسجد الأقصى!

لعل هذا، هو ما يشي ببعض جديد في مؤتمر وملتقى بيروت كليهما، أو تظاهرتيها المطلوبتين في زمننا العربي هذا، وهنا، يمكن القول أن الأعداء لا سواهم هم خير من يدفعون الأمة المغيبة إلى الإفاقة، أو اجبارها على شحذ إرادتها التي بدا ولأمد طال أنها في حكم الصدئة… وكان وجع غزة واضحاً، وألم العراق بائناً… وماعدا هذه وهذا توزعت الخارطة العربية وجوارها الإسلامي باقي الأوجاع… هل هذا يكفي؟!

قلنا إنما هما كانتا مظاهرتين مطلوبتين لا بأس بهما، اعطتهما بيروت نكهتها الخاصة التي تنفرد بها من بين عواصم الأمة، قيل فيهما الكثير، لكنما النصرة تفقد مضمونها إن لم تترجم واقعاً مقاوماً على الأرض الفلسطينية المغتصبة، ولم توقف مسيرة تهويد القدس الجارية على قدم وساق، والتي تُخلى من المقادسة طرداً وسحب هويات وهدم بيوت، والتي شارف برنامج تهويدها عملياً على الإنجاز، كما لم يعد أقصاها من غير المتوقع انهياره بفعل الحفريات التي تجري من تحته، أو حتى يُفجّر أو يحرق أو يهدم ويستبدل بالهيكل المزعوم… أو هي إن لم تكسر الحصار الإبادي على غزة، وأيضاً الضفة، فما هو جدواها؟! والتضامن مع المقاومات إن لم يرتق إلى درجة الإصطفاف معها عملياً في الخندق الواحد، فما هو معناه؟! فهما، والحالة هذه، يظلان في حدود التظاهر وإعلان التضامن، ورهن منطق الشجب والإدانة والاحتجاج وتسجيل المواقف… أو قل كلمتك وامشي… أو تبرئة الذات بالتعويض قولاً عن مفتقد العمل… هل هذا هو كل ما تستحقه القدس وغزة والضفة وفلسطين… والعراق، ولبنان المقاوم؟!

هل هذا يكفي في ظل ما اجمع المؤتمرون والملتقون في بيروت على أنه صراع وجود لا حدود، ومسألة عودة بعد تحرير لكامل وطن مغتصب، هو مسؤولية أمة بكاملها لاشعب مستفرد وحده… أو كما هو مفترض، أنه إنما يأتي في سياق مواجهة مصيرية مع مشروع معاد لا يستثني أحداً منها أو موقعاً من مواقعها؟!

… مؤتمر وملتقى بيروت، قالا ما قاله الكميت محذراً بني أمية: أرى حلل الرماد وميض جمر… وبعد أن قالا مثل هذا، وانفض المؤتمرون والملتقون، أو قالوا كلمتهم ومشوا… جاز لفلسطين والمقاومات العربية على اختلافها، أن تستحضر قولاً ينسب لصلاح الدين… أريد سيوفكم لا دعائكم!!!