الثورة السلبية في الأرض المحتلة:

المدفعي آلة التطبيع، القهر والهيمنة

بادية ربيع

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة العاشرة ـ العدد 2149 )

يبدو أن “المولود” في العراق إلهام المدفعي وجد لنفسه وظيفة كاملة في عمر ما بعد التقاعُدْ. وهي وظيفة كما يبدو توفرت له بتعاون مؤسستين عظميين:

· أل سي.آي.إيه التي كما يبدو أخذت ملفه عند احتلال العراق، أو ربما قدمه هو لها.

· ومؤسسة أل يو.اس إيد، التي كما يبدو تعهدت برعاية دوره وبدفع راتبه وتكاليف إقامته” في الأرض المحتلة.

فالمدفعي يقيم في الأرض المحتلة أكثر من خارجها حيث اصبح كما يبدو “مقاول فنِّيْ” وربما يصبح غربال التطبيع العربي، فلا يدخل أي تطبيعي عربي إلا عبر مؤسسة المدفعي للتطبيع الفني. وحبذا، والشيء بالشيء يذكر، لو يقوم أحد المطبعين الفلسطينيين من الجنسين بتأليف كتاب مثلا باسم: “الأسس النفسية للتطبيع الفني” كمعارضة لكتاب مصطفى سويف: “الأسس النفسية للإبداع الفني”. وما أكثر المطبعين فنياً من الأرض المحتلة والوطن العربي بأجمعه.

ذهب المدفعي مباشرة إلى يو.أس. إيد، وليس من خلال أية منظمة من الأنجزة، فاختصر على نفسه الطريق ودفع عمولة لأي وسيط. وهذا شحٌّ وبخل لم نعهده في العراقيين، ويبدو أن الرجل مصنوع في فبركة أخرى! وفي هذا الشح والاحتكار والحصحصة، طبعاً بالمفهوم الديالكتيكي، دخول في تناقض/تنافس مع نظرائه الذين يتعيَّشون من أدوارهم الوسائطية. ولكن لِمَ لا؟ ألا يتناقض الناس في الأسرة الواحدة. إنما كيف ستعيش منظمات الأنجزة، إذا حذا المطبعون جميعاً حذو المدفعي الذي يذهب إلى رأس النبع مباشرة!؟ قد تكون هذه نصيحة لمنظمات الأنجزة بان تقيم مكتباً للتطبيع يحتكر الخروج والدخول. وهذا أمر لن يرفضه المحتل الذي وحده لا يدخل داخل ولا يخرج خارج إلى المناطق المحتلة إلا بخاتمه.

إستباحات!

بين نشاط المدفعي كمؤسسة تطبيع قائمة بذاتها، وبين مؤسسات الأنجزة، وفرق التطبيع والمؤسسات الثقافية الأجنبية يو.اس إيد، المجلس الثقافي البريطاني، والثقافي الفرنسي، وجوتة الألماني، ومؤسسة روزا لكسمبورغ (الماركسي الألماني- كما شرح ذات مرة عادل سمارة)، ونشاطات النرويج (أوسلو وتمفصلاتها) المتكاثرة كالأميبا إلى درجة التهام اسرٍ بأكملها إلى هناك، وبين مناطق صناعية هنا وهناك في خدمة اقتصاد الاحتلال، وبين ما لم نسمع عنه، نكتشف أن المناطق المحتلة تحت شبكة استباحة من إحتلالات، وليس الاحتلال الصهيوني أو احتلال الأستاذ دايتون فقط، راعي الأمن والأمان إلى درجة انطلاق البغاء حراً وحُبا!.

الثورة السلبية

لكن لهذا سياقه الخاص الذي من المفيد وضعه في سياقه النظري/الإيديولوجي بما يسمح لنا بأن نتعاطى معه بحقيقته وفعله على الأرض. ما يحدث في الأرض المحتلة هو ثورة سلبية بالتعريف أل غرامشي. فالثورة السلبية هي ثورة دون ثورة، هي إعادة هيكلة مجتمع عبر سلسلة تحولات بدون نشاط ولا هبَّات جماهيرية، هي تحديث تقوم به وتتحكم به نخبة تُحدث تحولات ثورية للحفاظ على وتقوية النظام القائم. فإن غرامشي أخذ ذلك عن مؤرخ الحقبة النابليونية فنسنزو كوكوو (1770-1823) عن النهضة (الانبعاث Risorgimento) في إيطاليا بأن حركة التحرر القومي الإيطالية التي بلغت ذروتها بالوحدة الإيطالية 1860-61، تمت بشروط سلبية لأنها افتقدت فرصة القيام بثورة على طريقة اليعاقبة في فرنسا. وبرأيه فإن جيوش نابليون أحدثت ثورة سلبية في إيطاليا.

يحدث هذا في الأرض المحتلة، فالنخبة الكمبرادورية والطفيلية تقوم بتحديث المجتمع ظاهرياً، بنيته الفوقية بسرعة فائقة، والتحديث هنا هو مادي ـ قيمي، اي يشمل بشكل ديالكتيكي البنية الأساس والبنية القوقية معاً. فالبنية الأساس تتمثل في ريع نقودي سائل قادم من الخارج ليشكل السيولة المالية التي تشتري مختلف المتطلبات التي تحتاجها عملية تحديث القيم الراسمالية أي: الاستهلاك، الترف، التطبيع، البغاء، السيارات الفارهة، المنازل القصورية، الرحلات إلى الخارج، الحفلات الفنية، الفقر الثقافي، إهمال الأرض، الأشغال الخدماتية، الأسعار الخيالية للأرض والأبنية…الخ. المهم لا إنتاج محلي، ومع ذلك الناس يعيشون ويدفعون اسعاراً مضارباتية خيالية لشراء السلع والخدمات. أليست هذه “ثورة”.

كل هذه مظاهر “حداثية” تبين أن الأرض المحتلة تنتقل من حقبة يزعمون أنها ما-قبل راسمالية، إلى حقبة الاقتصاد الجديد كما في أميركا.

والمهم في الأمر أن الأكثرية الشعبية، الأكثرية الساحقة تمر بكل هذا ولا تراه، ويحرق جلدها ولا تحس به. وهذا المعنى الآخر للثورة السلبية أو الانخراط القطيعي في الإجماع المطلوب للنخبة المتحكمة وارتباطها بالصهيونية والإمبريالية، والرأس المطلوب هي رأس المقاومة.

كيف يتم هذا؟ يتم هذا طبقاً ل لينين ولاحقا غرامشي عبر آليتين:

· القمع والسيطرة والقوة (دايتون وجيوشه)

· الهيمنة بالثقافة والتطبيع العادات والضخ المالي… (لنقل مجازاً إلهام المدفعي والمثقفين وأهل الجو المخملي).

إذن نحن أمام آليتين تتقاطعان معا وتكملان بعضهما البعض، القمع/السيطرة والأدلجة، إعادة التثقيف باستدخال الهزيمة إلى درجة عدم الشعور بها حتى وهي متمظهرة بضياع وطن ضياعاً فعلياً.