في تشريح الكره

كلاديس مطر ومسعد عربيد

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة العاشرة ـ العدد 2151 )

لعله من نافة القول أن الصراع في وطننا العربي، على مدى القرنين الاخيرين، صراع تناحري على المصالح، مهما تعددت أشكاله ومهما البس من لبوس وذرائع حضارية وثقافية. إلاّ أن هذه المقولة، بما تتضمنه من جوهر الصراع وتداعياته وما آل اليه، لا تنفي تجلياته الثقافية الثقيلة (بما فيها الدينية) والحضارية بل والمعرفية. وعليه، لم يعد أحد منا قادراً على طمس او غض الطرف عما يحتدم في الغرب الراسمالي عبر السنوات الاخيرة من كراهية تجاه العرب والمسلمين، وبالمقابل ما يتولد لدينا من كراهية نحو الغرب.[1]

وعلى الرغم من إدراكنا باننا لسنا بصدد ندّين متماثلين ولا طرفي معادلة متساويين، وباننا نذود عن أوطاننا وثقافتنا من عدو مستعمِر غازي، إلا ان هذا لا يجيز لنا التغاضي عن ظاهرة كراهية الآخر وتكفيره من حيث طبيعتها الرجعية والمتخلفة والمدمرة لروح الانسانية ومستقبلها، إضافة الى انها لا تقف عند كراهية الغربي أو الاوروبي أو الاميركي أو الآخر بالمعنى الواسع، بل هي ظاهرة تتسلل الى داخلنا وداخل بيوتنا وتطال إخوتنا وشركائنا عبر تاريخ مديد.

أن نقاوم عدونا بكافة اشكال المقاومة المتاحة، بما فيها الثقافية، لا يعني ان نحارب شعوب العالم أينما كانت إذا كانت مغايرة لنا في الدين أو العقيدة أو على اساس التعددية القومية او الاثنية او السياسية. كما ان المقاومة لا تعني أن نرفض التآخي مع مكونات الانسانية من شعوب العالم وإثنياته. إذن، لا بد من تحديد دقيق لمعسكر الاعداء ومعركتنا الرئيسية، تحديد يجلو الغبش عن عيوننا. وعليه، فان معسكر الاعداء فيما نرى عدو ثلاثي يتمثل في النظام الراسمالي ـ الامبريالي والكيان الصهيوني الاستيطاني (الحاضن لأعتى نزعات الكراهية والرفض للآخر وأكثرها تطرفاً)، والانظمة العربية العميلة والتابعة للمركز الراسمالي ـ الامبريالي. في هذا الثلاثي يكمن العدو الذي يحتل أوطاننا ويستوطنها وينهب ثرواتنا، ويقمع جماهيرنا ويستغل طبقاتها الشعبية والفقيرة أبشع إستغلال، وهو، أخيراً، الغازي لثقافتنا سعياً لمحوها وإستبدالها بثقافة الاستهلاك الراسمالية. وعليه، فالرد يكون بكافة أشكال المقاومة لا بتأجيج نزعات الكره والتعصب القومي أو الديني. ولا يفوتنا التذكير باننا لسنا وحدنا في هذة المعركة، وإن كانت امتنا مستهدفة وما زالت منذ ما ينوف عن قرنين، بل ربما كنا، وفي هذه الحقبة بالتحديد، رأس الحربة في مواجهة الهجمة الراسمالية ـ الامبريالية للذود عن شعوب فقراء العالم الثالث باسره.

كان لا بد من هذه التوطئة لرؤية الامور في صورتها الشاملة وتجليس اجتهادنا في “تشريح الكره” في سياقه الموضوعي وبعد الاشارة الى بعض الاحترازات والمفاهيم الاساسية.

* * *

في الخلفية والجذور

قد يلوح من العبث مجرد تفنيد أسباب كراهية الغرب للعرب والمسلمين أو كراهيتنا للغرب في بحث صغير عابر. فهذا التاريخ من التنافر الحقيقي قديم قدم الحضارات وصراعها ولم تكن تفجيرات 11 سبتمبر هي سبب انطلاق موجات الكراهية هذه، ولا حتى الصراع العربي ـ الصهيوني المحتدم منذ الغزوة الصهيونية لفلسطين، الحديثة نسبياً.

قد ترجع هذه الموجة إلى فترات تاريخية أقدم، لربما انطلقت بزخم مع حروب الفرنجة[2] واستمرت من خلال الكثير من الوقائع على خط الزمن مثل المذابح التي تعرض لها مسلمو الأندلس مثلا والتحريضات البابوية وأحداث الدانمارك وأخيرا الجريمة غير المفهومة وغير المقبولة التي تعرضت لها الدكتورة المصرية المسلمة التي تم طعنها ثمانية عشر طعنة أمام أعين الجميع داخل ساحة أحدى المحاكم الألمانية على يد متعصب أعمى قتلها مع جنينها وأصاب زوجها.

لم يتأتى هذا الزخم في ثقافة كراهية الآخر ورفضة من المد السلفي والتكفيري الذى تصاعد في المجتمعات العربية والاسلامية في العقدين الاخيرين والذي يحمل قسطاً كبيراً من المسؤولية، بل لعل “الفضل” الكبير في تغذية هذه الكراهية وعولمتها يعود الى المرحوم صامويل هاننجتن، الاستاذ في جامعة هارفار الاميركية. فقد بلور هاننجتن طروحاته في كتابه “صدام الحضارات” (1966)، والتي يمكننا إيجاز ما بتصل ببحثنا هذا على النحو التالي:

1) تتمثل نقطة الانطلاق في صدام الحضارات عند هاننجتن في ما أسماه “خطوط العيوب او النقائص الحضارية” التي تفصل بين الشعوب.

2) وأن الكراهية جزءٌ من الطبيعة البشرية أي انه “من الطبيعي للانسان أن يكره”.

وعلى هاتين الركيزتين، النقائص الحضارية بين الشعوب وقدرة الانسان على الكراهية، بنى هاننجتن طروحاته بان التناقضات الحضارية والكراهية امر بشري وهو ما يفسر الصدام بين الحضارات والتناحر بين الشعوب والاثنيات. بل لقد ذهب هاننجتن الى ما هو أبعد ليقول ان الاختلاف في الدين هو سبب التناحر وهو ما يفسر الاقتتال والحروب حتى بين تلك الشعوب والاثنيات الذين تجمعهم قومية وإثنية ولغة واحدة في حين يفصلهم الاختلاف في الاديان مستخدما لبنان ويوغسلافيا كامثلة على ذلك.

3) في “صدام الحضارات” يصف هاننجتن “خطوط العيوب والنقائص الحضارية” بين “المسلمين” و”غير المسلمين”[3] بانها عميقة مما يفضي به الى الاستنتاج بان النزاعات حول هذه النقائص متفشية وسائدة بين هاتين المجموعتين. وعليه، رأى هاننجتن ان حروب الانفصال اليوغسلافية خلال عقد التسعينيات من القرن الماضي، على سبيل المثال، على انها حروب “بين الحضارات” intercivilizational مثل حرب البوسنيين (المسلمين) مع الصرب والكروات (المسيحيين) رغم الوحدة القومية التي تجمعهم.

إلاّ أن هاننجتن الاكاديمي لا يقول بالطبع، على خلاف ما يردده الساسة الغربيون، ان الكراهية بين المسلمين وغير المسلمين كانت قائمة منذ الازمة القديمة، بل ان ما يقوله، وربما هو الاكثر خبثاً ومكراً، ان حضارات هذه الشعوب قد تطورت في اتجاهات مختلفة منذ أمد طويل حتى اصبح الصراع (أو الكراهية) سمتها الرئيسية والطبيعية بل السمة الاكثر طبيعية من التفاهيم فيما بينها.

وجوه الكره

لكن وان كانت تبديات هذه الكراهية اليوم سياسية (سجن أبو غريب في بغداد، وضرب القوة النووية الإسلامية في باكستان، وضعضعة الثقافة المحلية لشعوب العالم) إلا أنها كثيراً ما إتخذت أشكالاً عقائدية كامنة في هذا الاختلاف الجذري في تفسير هذا العالم حولنا. فالغرب مشرك بالنسبة لنا وكافر، ونحن إرهابيون متطرفون بالنسبة له. الغرب علماني ضال بالنسبة لنا، ونحن همج لم نخرج من مضارب الجاهلية ونضطهد نساءنا بالنسبة له. الغرب مكلل بطموحه البطرياركي الامبريالي الذي يريد الهيمنة براياته الصليبية على العالم، ونحن شعب ما زال يحبو على أربع فكريا ـ بالنسبة له – خصه الله بأكبر نعمه: النفط. وفوق هذا وذاك يعتبر تراثنا العربي بالنسبة لهم قد توقف عند اجتهادات المتصوفة وأفكار ابن رشد بينما نرى أنهم يجهلون جوهر وجودنا: القرآن الكريم.

ولا يتأتى سوء الفهم والكراهية من هذا الاختلاف العقائدي وجهلنا بروح الغرب وجهل الغرب بروحنا فقط، وانما زاد عليه هذا التشويه المنهجي الروتيني لصورة العربي الذي يدأب الغرب الراسمالي العنصري والإسرائيلي/الصهيوني على مد الإعلام الغربي والأمريكي به ليل نهار خدمة لقضيته المجحفة. فالفكر التلمودي التوراتي، هو البذرة التي سمحت لبعض الجماعات البروتستانتية (البيوريتانيين) في القرن السادس عشر، بوجوب إعادة اليهود إلى فلسطين وتوطينهم فيها إستناداً الى تفسيرات وتأويلات لاساطير غيبية ملفقة بغية توظيفها في خدمة أجندة سياسية استعمارية. وهذه الجماعات هي نفسها اليوم التي تخلق نفس المناخ التعاطفي مع “شعب ارض الميعاد”، وتحت تأثير ذلك يستمر رجل الشارع في الغرب بشكل خاص وحتى الكثير من المثقفين ورجال الاعلام والسياسة الغربيين طبعا، بتصديق هذا الفكر الذي وصل لقمته حين اصبح فكراً سياسياً عملياً على ارض الواقع ومن الطراز الرفيع.

اذاً تتشابك دوافع الكراهية اليوم وسوء الفهم وتتداخل بشكل يصعب معها احيانا الوصول الى بداياتها وجذورها. لكن حتما يمكننا القول، بثقة ان الغرب يجهل حضارتنا كما يجهل الحضارات الأخرى، وان سياساته التي تبنى على آراء المستشارين ومدّعي الاستشراقية، وهم امتدادات جديدة للاستشراق في تجليات ثقافية وسياسية بشكل خاص، إضافة الى أن التقارير التي توضع حول منطقتنا لا تعتبر حقيقية وذلك لأنها تبنى على نزعات عنصرية واستعلائية تعود في جذورها الي المركزانية الاوروبية، وتقوم على معطيات منقوصة من دون شك وبعيدة عن الرؤية الميدانية واستنباط واقع الحال العربي الفكري والروحي.

يجدر بنا هنا التفريق بين التقارير التي توضع هناك في الغرب والتي هي تحريض مشوه من قبل الأكاديميا والسياسة والإيديولوجيا الصهيونية، وبين التقارير والدراسات والأبحاث التي تمولها الانظمة والأكاديميا الغربية ويقوم بها مثقفون وطلبة دراسات عليا عرب عن بلدانهم. هذه الاخيرة، تقارير من أهل البيت ولكنها موظفة لخدمة استراتيجية الآخر.

لهذا إن عثرنا على كتب فوق الرفوف الأوروبية والأمريكية تقيم وتتطلع إلى مجتمعنا وثقافتنا بشكل غير صحيح ولا ترى فيه سوى راقصات هز بطن أو رجال دين ملتحين أو نساء بخمار في حرملك طويل عريض، يجب ألاّ يتملكنا الغضب الانفعالي ذلك أن جزءً من مسؤولية هذا الوضع وتلك النظرة إنما يقع على كاهلنا نحن العرب أيضا. ولكن يجب ألا نغفل تلك الكتب التي قد لا توضع على الرفوف، بما فيها التقارير السرية والدراسات الممولة من الغرب والتي ينتجها ابناؤنا.

مسؤوليتنا

(أو ثنائية العرب والغرب)

الحق ان النظرة الموضوعية العلمية لا تتسنى دون نقد الذات بل هي تحتم علينا ان نرى النشاز في معزوفتنا العربية الموسيقية:

اولا: لاننا لا نعرف كيف نسوّق ثقافتنا بشكل يعكس جوهرها الايجابي.

ثانيا: لاننا ندافع عن قضايانا في اغلب الأحيان بشكل انفعالي غاضب من دون اللجوء إلى الحوار او المنطق، فالغربي لا يفهم كيف يمكن ان نستعيد كرامتنا بالخروج متظاهرين الى الشارع بينما نراه يعمل هو في مخبره وعينه على عدساته المكبرة أيضا ليل نهار؟؟ وهو لا يفهم كيف نقمع مفكرينا ومثقفينا ونكفرهم بينما يترك الحرية للفكر والمنطق والعقل ليصل الى مداه، ولا يفهم كيف نربط كل مؤسسات الدولة بشخص واحد، بينما يعتمد هو النظام “الديمقراطي” المؤسساتي على الأقل في المجتمع؟؟

ثالثا: لاننا كعرب ملتهين بأمور نعتقد أنها أكثر جدوى من الحياة نفسها مثل: علاقاتنا الشخصية بعضنا ببعض وكرهنا للحياة المدنية وميلنا عموما الى القيم العشائرية والبدوية حتى وان كنا نقطن اكثر المدن العربية حداثة وتقنية.

إن كل هذا عصي على فهم الغربي ويرى فيه “تخلفا” وضيقا في رؤية الحياة بينما نرى نحن اننا نحيى حياتنا بكل بساطة وكما اعتدنا دائما، بل اننا نرى غنى في تركيبتنا الروحية الاجتماعية والاخلاقية.

بالمقابل نستغرب كعرب الطريقة الغربية في الحياة، فأشياء مثل الحب الحر والحياة المدنية الفالتة من عقالها والتي تهيمن عليها القيم الذكورية البحته، والحياة المسترجلة للمرأة الغربية، وكم الحرية التي تتمتع بها، وهذه العقلية المهيمنة التي تسمح لنفسها ولحكوماتها في الغرب الراسمالي باستغلال الدول الاخرى.. كلها امور لا يمكن للعربي ان يتقبلها ولهذا فان الغربي “كافر” بالنسبة له. باختصار يكمن الفرق في ان الغرب يرانا ندير رؤوسنا باتجاه الماضي، بينما يشكل “المستقبل” موضوع إيمان بالنسبة له كما يدعي ويعتقد. لهذا فان الاختلاف يتجاوز العقيدة حقا ليصل الى لب أسلوب الحياة والتعاطي مع الدنيا حول الغربي والعربي.

لكننا عشنا ردحاً طويلاً من حياتنا في الولايات المتحدة الأمريكية، ونقول بثقة اننا رأينا هناك من يدافع عنا وعن قيمنا وقضايانا بنبل وحمية منقطة النظير. كما رأينا في نفس الوقت متحاملين علينا يروننا وكأننا بشر أتينا من “مكان” ما لا ينتمي الى كوكبهم. وهو ما يعزز المسألة الاساسية التي يقوم عليها تحليلنا هذا وهي أن مواقف الناس تتحدد طبقاً لوعيهم وثقافتهم ووضعهم الاقتصادي والاجتماعي وعلاقتهم بمؤسسة الحكم والسلطة، وفي نهاية المطاف: هل هم جزء من الشرائح المستفيدة من الدور الإمبريالي للغرب أم لا؟

اذاً ظاهرة الكراهية متبادلة وهي ليست فقط مسؤولية الغرب او مسؤوليتنا نحن فقط، انها مسؤولية الطرفين دون شك، دون ان يشترط ذلك التساوي في مقدار المسؤولية بن الطرفين كما أسلفنا. أما المعيار الاهم فهو: مَنْ هو الطرف الذي أسس لهذا الكره؟

الحادي عشر من أيلول: المنعطف

إلاّ ان هذه الموجة من ثقافة رفض الآخر التي دخلت القرن الحادي والعشرين، عانت منعطفا شديد التمفصل بعد الحادي عشر من ايلول 2001. فبعد تفجير برجي التجارة العالمية، ومقر البنتاغون بواسطة طائرات مدنية، تدخل اميركا مرحلة الحرب على “الارهاب”، هذه العبارة التي قسمت عقائديا بلاد العالم باسرها إلى طرفين. ومنذ ذلك التاريخ تحقن الحملة على الإسلام، كأصول المدفع الإسرائيلي، ولتقف إسرائيل بكامل جاهزيتها في خندق الحرب على الإرهاب ولتكتسب شرعية مضاعفة من أحلافها في (قمع الوجود) الفلسطيني على أرضه العربية وكل حركات المقاومة. وفي غمره المسلسل اليومي الفلسطيني الإسرائيلي تبرز ادانه الفاتيكان (أي الكنيسة الغربية) للعمليات العسكرية الاسرائيليه والاعتراضات الصديقة من هنا وهناك كمن يخط في الماء، موقف تكمن قيمته في رمزيته غير انه غير فعال ككل المواقف الغربية السلمية، وأيضا ككل المواقف العربية التي تساير في الخفاء وتعترض في الظاهر.

انهم يبحثون الان في القرآن الكريم عن فتاوى القتل والشهادة في سبيل الله بلا هوادة، حتى انهم اقترحوا تعديل نصوصه المنزلة!! بينما تمتلىء أسفار اللاويين والتثنية والخروج واشعيا… الخ بادب الاستعباد والفتك الباذخ من الطراز الرفيع!!! سبحان الله!

حين قال كارتر”اننا نتقاسم معكم تراث التوراة”، ظن البعض ان الامر لا يتعدى أدبيات اللياقة السياسية – الديوانية! اليوم ندرك ان هذا ميثاق شرف كامل الالتزام بالنسبة للغرب! ميثاق باق طالما في هذه الأرض نفط.

:::::

* كلاديس مطر، www.gladysmatar.net


[1] نستخدم مفردة “الغرب الراسمالي” او “الغرب” مجازاً مدركين ان “الغرب” بكل قواه الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية، ليس كلاً واحداً، بل كغيره من التشكيلات الاجتماعية يتضمن كافة التناقضات الطبقية والاجتماعية والاقتصادية مما يولد طيفاً عريضاً من الطبقات والقوى والتيارت والمواقف …الخ. إلا أن ما نقصده هنا بالتحديد هو الخطاب الاعلامي والسياسي والثقافي للقوى الطبقية المهيمنة والحاكمة في الغرب.

[2] ننأى عن استخدام مفردة “الحروب الصليبية” ونرى أنها لا تفي بالمدلول. فهي تسمية نحتها الغرب لتحمل دلالاته وتعبر عن مصالحه ومنظوره ورؤيته، ناهيك عن انها تكرس الطابع الديني وإدعاء حماية “الاراضي المقدسة”، وهو ما نسميه فلسطين كجزء من هذا الوطن العربي وإن إحتضنت الاماكن المقدسة للديانات التوحيدية الثلاث. “الحروب الصليبية” هي إذن تسمية تخفي اجندة سياسية واقتصادية تتمثل في سعي المدن والاقطاعيات الاوروبية في تلك الآونة الى التوسع في الاسواق ونهب الموارد. وعليه نرى ان مفردة “حروب الفرنجة” تعبر عن رؤية عربية بعيون عربية: حروب الاجنبي بهدف الغزو والتوسع والاستيلاء على الموارد.

[3] لاحظ ان هذه التسمية تحمل في باطنها أمرين لا تقل خطورة الواحد منهما عنن الآخر: (1) تقسيم العالم والشعوب على أساس ديني، و(2) وتقسيمه الى “مسلمين” و “غير مسلمين” ولنا ان نفهم ان علاقة المسلمين بغير المسلمين في سياق طروحاته تتمحور في ثنائية المسلمين ـ المسيحيين أو العرب ـ الغرب وربما بالدلالات السياسية الواضحة: العرب ـ “الغرب المسيحي الاوروبي ـ الاميركي”. إلا ان هذه التسمية الخبيثة توحي ب وتبقي الباب مفتوحاً امام نزاعات بين “المسلمين” من جهة، وكافة الديانات الاخرى من جهة اخرى.