في فرنسا، ونابليونها الأخير… والحرب على النقاب!

عبداللطيف مهنا

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة العاشرة ـ العدد 2151 )

تخوض فرنسا هذه الأيام حرباً مصيرية ضروساً، تكاد أن ترتقي شعاراتها إلى مستوى شعارات الحروب الوطنية التحررية، وأن تتعالى دعوات نفيرها تعالي حدة إرتفاع صيحات نفير الحروب المقدسة… حرباً ولا كل الحروب، يثير غبارها جدلاً تنغمس فيه غالبية نخبها السياسية والفكرية والدينية. جدلاً يعلو وطيسه، ويتم رفع مستوى ضجيجه بما يتوازى مع خطورة العدو الغازي ويتلازم مع ضرورة خوضها… العدو الذي يوصف بأنه يكمن بين ظهرانيها، وغدا يهددها في عقر دارها، وأجبرها على أن تهب على مثل هذا النحو المحموم للدفاع عن نفسها، هو النقاب!!!

قرابة الألف والأربعمائة فرنسية، ثلاثة أرباعهن فرنسيات أصيلات، وربعهن فحسب هو من أصول مهاجرة، والأدهى أن ثلثهن هن فرنسيات حديثات الإسلام… منقبات حدث أنهن قد تسللن خلسة خلف خطوط طول وعرض الجمهورية، وجسن ديارها متبخترات متحديات مصون علمانيتها، الأمر الذي غدا يتهدد بالويل والثبور وعظائم الأخطار قيمها وثقافتها، والأهم، نقاء هويتها!

نابليون فرنسا هذه المرة هو الرئيس ساركوزي، الذي تحول إلى مفتٍ للديار الفرنسية، فأفتى بحزم بأن “النقاب ليس من الإسلام في شيء” وخروج على العلمانية والإسلام معاً… نابليون فرنسا هذا، خسر هذه الآونة حربين قاسيتين، أولاهما هزيمته في مستعمرة فرنسا السابقة هيتي على يد طلائع أساطيل الغزو الإنساني الأمريكي إثر زلزال الجزيرة المنكوبة المدمر، والذي دعاه إلى التذمر علناً والشكوى للأمم المتحدة من هذا الاحتلال الإغاثي الذي قام به حليفه العم سام للموقع الفرانكوفوني المنكود، ومنى بهزيمة لها ما بعدها انتخابياً، عندما برأت المحكمة منافسه على الرئاسة سابقاً، والمتوقع لاحقاً، دومينيك دو فيلبان من دعوى أقامها على الأخير يتهمه فيها بالتواطؤ، والوشاية، والذم… نابليون فرنسا هذا لا يبدو أنه يحتمل هزيمة ثالثة فأعد لها ما استطاع من حجج ومن رباط القوانين… وعلى أنغام المارسيليز الساركوزي تسير غالبية الفرنسيين وراء نابليونهم، الذي بعد أن أفتى، أعلن أن “النقاب غير مرحب به على أراضي الجمهورية الفرنسية”، لأنها “مسألة تخص حرية وكرامة المرأة”، التي ستذود فرنسا عنها بالغالي والرخيص، والتي تصر على أنها لاتقبل بين ظهرانيها “نساء سجينات خلف القماش”… 62 في المائة منهم تقول الإحصائيات أنهم يرغبون في حظر النقاب في الأماكن العامة، و56 بالمئة يريدون حظره حتى في الشارع. وهناك من يطالب بمنح الشرطة حق طلب خلع المنقبة لنقابها، بل أن رئيس الغالبية اليمينية في الجمعية الوطنية الفرنسية، أو البرلمان، يقترح قانوناً بتغريم كل من تظهر منقبة مبلغ 700 يورو، وهناك المزيد من الإجتهادات لمواجهة مثل هذا الخطر الداهم… إذاً أعلنت فرنسا حربها التحريرية على النقاب والمنقبات. اللواتي تتعقبهن الإستخبارات الفرنسية الذائدة بحماسة عن حياض الجمهورية المهددة من قبلهن، والتي تباهي بأن من مهمتها الراهنة تتبع هاته “الإرهابيات” المختبئات وراء أنقبتهن، وتقدم الإحصائيات التي تنشر حول عددهن، والتي تصنفهن من فرنسيات طارئات وفرنسيات أصيلات!

…وفرنسا المحاربة التي لا مهادنة ولا مهاودة في حسبانها وهي تذود اليوم عن حماها، استنفرت مستشرقيها لتفسير أخطار هذه العدو الجسور، وإعلامها ما انفك يقوم يومياً بواجبه على خير وجه في المعركة المصرية مع عدو فرنسا المرعب الغامض المتسربل بالسواد، بل حتى جمعية حماية الطفولة الفرنسية هبت بدورها للمشاركة في مطاردته، ولم تنس فرنسا أن تجند شيوخها الرسميين ورؤساء جمعياتها الإسلامية وأئمة مساجدها المخلصين للجمهورية لدعم فتاوي ساركوزيها بفتاواهم المساندة القائلة بأن هذا المتلصص الذي لايستحب ذكر اسمه وليس مشاهدته فحسب هو طارئ دخيل على الإسلام، مبررين للذائدين عن حمى فرنسا ضد خطره ماذهبوا أو سيذهبون إليه، ومعفينهم من تهمة معاداة الإسلام التي لا تنقصها الأدلة، والتدخل الجلي في حرية العبادة، والتجاوز دون أن يرف لهم جفن على شرعة حقوق الإنسان الأوروبية، ووضعهم لشعار الثورة الفرنسية التليد “الحرية، المساواة، والأخوة” جانباً، للتفرغ للمهمة الوطنية المقدسة التي استوجبت من فرنسا أن تصم أذنها عن كافة ردود الفعل من قبل مسلميها، واستنكارات جمعيات حقوق الإنسان الدولية، التي تقول بلسان حالها، مثلاً، جمعية “هيومن رايتس ووتش” أن حظر النقاب “ينتهك حقوق الإنسان”، ولا يساهم في حرية المرأة، وينطوي على “تمييز ديني”… وجاء فرنسا المدد أيضاً من بلادنا هذه المرة، عندما انحاز شيخ الأزهر إلى قوانين الجمهورية الفرنسية المزمع استنانها عندما عضددت تصريحاته في هذا المجال حملة نابليون فرنسا اليوم… لعله الأمر الذي يعيدنا إلى تذكّر بعضاً من حكايات شيوخ الأزهر التي كانت مع حملة نابليون فرنسا الأمس الغابرة!

حرب فرنسا على عدوها المسربل بدأت التحضيرات لخوضها عندما شُكلت لجنة برلمانية من 32 مشرعاً، عملت بالتوازي مع أصداء متعالية لضجة عنوانها مكانة الإسلام في فرنسا، لتقصي حقائق خطر النقاب الزاحف، والتي بعد ستة أشهر من التقصي، وعميق الدراسة، ومئتي جلسة استماع، وضعت تقريرها وضمنته توصياتها، ليحال إلى الجمعية الوطنية على استعجال، داعية فيه إلى “إدانة حازمة” لما يعد “عادة غير مقبولة”، والذي “يهدد كرامة النساء”، ويشكل “تحدياً لقيم الجمهورية”، كما توصي بتحريمه في الأماكن العامة أو كل المؤسسات التي ترفع علم الجمهورية، من المصارف، إلى الجامعات، ودور البلديات، وسائر الدوائر الحكومية، فوسائل النقل العامة، المترو والقطارات والحافلات… وكل ما يعني محاصرة المنقبة في بيتها! وطالبت بتغيير التشريعات التي تنظم إقامة الأجانب واللجوء إلى فرنسا، بحيث يمكن “رفض تسليم بطاقة الإقامة” إلى هؤلاء الذين “يمارسون ديانتهم ممارسة متشددة”!

إذاً فرنسا حرّمت وجرمت النقاب سلفاً، عبر حملة تشارك فيها اليوم بقضها وقضيضها… فماذا يعني هذا!؟

هناك في فرنسا ذاتها الكثيرون ممن يقولون أنه لا يوجد عاقل واحد يصدق أن ألفاً وبضع مئات من المنقبات يهددن الجمهورية وعلمانيتها وقيمها وهويتها، وكل هذا الذي نسمعه محمولاً على صدى ألحان المارسيليز الساركوزي… وهناك أيضاً، في ديارنا وديارهم من المسلمين الذين يقولون بالمقابل بعدم جواز اختصار الإسلام في نقاب… إذاً ما المشكلة:

المشكلة هي أن فرنسا، وقريباً ستحذو أوروبا حذوها، ليست مجرد أسيرة حالة جدل فقهي مع النقاب بقدر ما هي تعيش تحت طائلة أثقال جدل فقه عنصري تليد ومتأصل في قارة لا يفارقها جوهر رفض الآخر وشيطنته، وهذا اليوم هو ما يتجسد في ظاهرة الإسلام فوبيا الغربية عموماً، التي تتجلى راهناً، إما كاريكاتوراً في اسكاندينافيا أو حرباً على المآذن في سويسرا، بالتوازي دائماً مع ما يمكن اعتباره وجهاً من وجوه ما يدعى الحرب على “الإرهاب” في أمريكا… إنها بعض من تجليات ذهنية تاريخية استوطنت دهاليز الخلفية الحضارية للعقل الغربي… تلك التي، وللمفارقة، حرّمت الحجاب في المدارس فانتشر النقاب في الشوارع!