تاريخ علاقات أمريكا بهايتي

بقلم: بيل فان أوكن Bill Van Auken

ترجمة: ناديا جبر

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة العاشرة ـ العدد 2157 )

أشار باراك أوباما في تصريحه على إثر الزلزال الذي ضرب هايتي يوم الأربعاء إلى ” تاريخ طويل يجمعنا سوية”على كل حال , لم يظهر باراك أوباما ولا وسائل الإعلام الأمريكية أي رغبة بالتطرق إلى تاريخ العلاقات المتبادلة لم يظهر باراك أوباما ولا وسائل الإعلام الأمريكية أي رغبة بالتطرق إلى تاريخ العلاقات المتبادلة بين الولايات المتحدة الأمريكية وهايتي وصلتها بالكارثة الحالية التي يواجهها الشعب الهايتي.

على العكس من هذا فقد تم تحميل التخلف و الفقر الذي لعب دورا رئيسياً في حصد أرواح عشرات الآلاف ,إن لم يكن المئات مسؤولية هذه الكارثة، وإظهار هذا الوضع على أنه الحالة الطبيعية،هذا إن لم يكن خطأ الهايتين أنفسهم. وصورت الولايات المتحدة نفسها بمثابة الفادي الخيِّر الذي يهب إلى مساعدة الهايتين بالتبرعات و فرق الإنقاذ بالإضافة إلى السفن الحربية وجنود المارينز.

استهلت النيويورك تايمز افتتاحيتها المضللة التي تدعو للسخرية يوم الخميس بعنوان “مرة أخرى يبكي العالم هايتي”.

“إن كلمة كارثة يمكن أن تُطلق على أي مكان في العالم ولكن في بلد ما زال يوصف على أنه ممثل للفقر واليأس والخلل الوظيفي فهي القاعدة.وتابعت الإفتتاحية: “انظروا إلى هايتي وستدركون ماذا يمكن لأجيال من الفوضى والفقر والنزاع السياسي أن تفعله ببلد ما”

وفي مقالة موسعة تتعلق بكارثة هايتي ,أضافت التايمز إن هذا البلد “مشهور بمحنه المصنوعة بفعل فاعل وفقره الرهيب وصراعه السياسي الوحشي ونزعته إلى العصيان المسلح.”

وهللت الوول ستريت جورنال في افتتاحيتها القصيرة والمختصرة بالدور القيادي الذي سيلعبه الجيش الأمريكي في تدخل واشنطن للمساهمة في مواجهة مخلفات هذا الزلزال واصفةً اياه بأنه ” تذكير جديد بحقيقة أن قوة أمريكا ترتبط بشكل مباشر مع فعل الخير”.

وواصلت مقارنتها الحقيرة بين زلزال هايتي و الزلزال الذي ضرب جنوب كاليفورنيا عام 1994 , والذي أودى بحياة 72 شخص فقط. إن الفارق الوحيد الذي أعلنته الجورنال يتمثل في “وظيفة مجتمع المؤسسات والثروة, الذي يستطيع ان يقدم, من بين الأشياء التي قدمها, الإنفاق على قوانين البناء المقاوم للزلازل.

وبناء على ذلك، فلقد أصبحت الرسالة واضحة، إذ لن يجد الهايتون من يلومونه سوى أنفسهم لمقتل وجرح مئات الآلاف بسبب فشلهم بخلق ثروة كافية وعدم احترام القانون والنظام العام.

إن العلاقة الحقيقية بين الولايات المتحدة وهايتي هي التي تم حجبها و بشكل مدروس عن هذه المقارنة, والتي تنامت لما يزيد عن قرن ما بين “عصر الثروة” في الولايات المتحدة والفقر في هايتي. إنها العلاقة المبنية على أساس استخدام القوة لمواصلة مصالح الامبريالية الأمريكية المتوحشة في هذا البلد المضطهد تاريخيا.

وعلى أية حال، إن قامت إدارة أوباما والبنتاغون بتنفيذ مخططاتها المعلنة بنشر قوات البحرية في هايتي, فإنها ستكون المرة الرابعة خلال التسع وخمسين سنة الماضية التي تقوم القوات المسلحة الأمريكية من خلالها باحتلال البلد الكاريبي الفقير. وفي هذه المرة كما في المرات السابقة، فإن الهدف الأساسي لهذا التدخل العسكري سيتعدى مجرد مساعدة الشعب الهايتي إلى حماية مصالح الولايات المتحدة والدفاع عنها ضد ما أشارت إليه التايمز بـ ” النزعة إلى العصيان المسلح”.

إن جذور تلك العلاقة تعود تاريخيا إلى الفترة التي تم فيها إنشاء دولة هايتي كأول جمهورية مستقلة للسود في عام 1804. والتي كان حصيلة لنجاح ثورة العبيد التي كان يقودها توسينت لوفيرتشر, وهزيمة الجيش الفرنسي الذي أرسله نابليون.

إن الفئات الحاكمة لم ولن تغفر لهايتي نصرها الثوري. لذلك قامت الولايات المتحدة بفرض حظر دولي على التجارة في هايتي لخوفها من انتشار هذا النموذج الذي سيكون ملهما لثورة مشابهة في ولايات العبيد في الجنوب. إن ما جعل الشمال يعترف بهايتي بعد ستين عاما تقريبا من استقلالها هو الانفصال الجنوبي الذي حدث والحرب الأهلية التي كانت قد اندلعت.

ومنذ مطلع القرن العشرين، سقطت هايتي صريعة تحت هيمنة واشنطن وبنوك الولايات المتحدة الأمريكية والتي قامت بإرسال قوات المارينز لحماية مصالحها واحتلالها الذي استمر قرابة عشرين عاما, وابقت عليه من خلال قمعها الدموي للمقاومة الهايتية. ولم يرحل المارينز إلا بعد أن نفذ ما يسمى بـ “السلطة الهايتية” , وهو ما أشارت إليه النيويورك تايمز في حينه, ووظيفتها شن حرب ضروس ضد الشعب الهايتي عبر إنشاء جيش مكرس للقمع الداخلي. ومن ثم قامت واشنطن بتوطيد دكتاتورية دوفاليرس لمدة ثلاثين عاما, هذه الديكتاتورية التي بدأت بوصول بابا دوك أو دوفاليرس إلى السلطة في عام 1957. وبينما كان عشرات الآلاف من الشعب الهايتي يقتلون من قبل الجيش و القوة الخاصة التي سميت “تونتس ماكوتس المرعبة”, كانت الإمبريالية الأمريكية ترى هذه الديكتاتورية القاتلة كحصن منيع ضد الشيوعية والثورة في الكاريبي.

ومنذ تلك الثورات الجماهيرية التي أدت إلى إسقاط نظام دوفاليريس في عام 1986, حاولت الحكومات الأمريكية المتعاقبة الديموقراطية والجمهورية على حد سواء إعادة تنظيم عملاء حكوميين يمكن الاعتماد عليهم لحماية أسواق واستثمارات الشركات الأمريكية منجذبة بالأجور المنخفضة للغاية بالإضافة إلى ملكية و ثروة الطبقة الحاكمة الهايتية. وهذا يستلزم الحيلولة دون وجود أي تحد للنظام الاجتماعي-الاقتصادي والذي يبقي على 80 % من تعداد السكان في فقر مدقع.

ولقد استمر مسعى الولايات المتحدة حتى يومنا هذا تحت وصاية بيل وهيلاري كلينتون – المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى هايتي ووزيرة خارجية الولايات المتحدة- الملطخة أيديهم بدماء الشعب الهايتي. هذا وقد قامت واشنطن بدعم ومساندة انقلابين اثنين و أعادت إرسال قواتها إلى هايتي مرتيين خلال العشرين سنة الماضية. كلا الانقلابين تم الإعداد لهما لإسقاط نظام جين-بيرتراند أريستايد, كأول رئيس هايتي انتخب بواسطة استفتاء شعبي بدون موافقة واشنطن. إن انقلابي 1991 و 2004 معا تطلب حياة ما يزيد عن 13,000 هايتي على الأقل. في انقلاب عام 2004, تم إبعاد أريستايد بالقوة إلى خارج البلاد بفضل نفوذ الولايات المتحدة الأمريكية في هايتي.

وبسبب حاجتها الماسة للجنود في العراق، قامت الولايات المتحدة بسحب جنودها عام 2004, جاعلة مهمة قمع الشعب الهايتي في عهدة قوة حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة – المؤلفة من 9000 جندي- تحت قيادة الجيش البرازيلي.

وبالرغم من إذعان أريستايد لمطالب صندوق النقد الدولي ورغبته للوصول إلى تسوية مع واشنطن, إلا أن الجماهير قد دعمته منجذبة إلى خطابه المعادي للإمبريالية جاعلة إياه بمثابة لعنة للنخب الحاكمة في كل من واشنطن و بورت أوبرنس. وبناء على أوامر إدارة أوباما فقد منع من العودة إلى هايتي وتم حظر حزبه السياسي ,فانمي لافالاس.

هذا هو التاريخ الحقيقي والمتواصل, الذي, كما صاغه أوباما, يربط هايتي بإمبريالية الولايات المتحدة، هذه الإمبريالية المتوحشة المسؤولة عن الأوضاع البائسة التي ضاعفت الأشلاء المتناثرة جراء الزلزال.

وعلى أية حال, هناك العديد من الروابط الأخرى التي توثق هذه العلاقة وبالكاد نستتشعرها وهي بضخامة هذه التراجيديا في هايتي. فعلى سبيل المثال, يوجد أكثر من نصف مليون أمريكي هايتي تم إحصائهم وبشكل رسمي في الولايات المتحدة ومئات الآلاف لا يملكون وثائق رسمية. إن وجودهم يجعل مصالح طبقة العمال والتضامن الذي يوحد العمال الهايتيين والأمريكان أكثر تماسكا. إنها مهمتهم جميعا في إزالة جميع ظروف الفقر والدمار في كلا البلدين بالإضافة إلى إسقاط نظام الربح الرأسمالي الذي قام بابتداعهم.

:::::

الأفق الاشتراكي“، http://socialisthorizon.net