أين أدب المقاومة؟

د. ثائر دوري

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة العاشرة ـ العدد 2159 )

في عام 1987 اندلعت انتفاضة أطفال الحجارة وبعدها اندلعت انتفاضة شعرية مواكبة تؤرخ لهذا الحدث التاريخي غير المسبوق، الذي ضخ دماء جديدة في شرايين الأمة التي توهم بعض السطحيين، الذين ينخدعون بالمظاهر أنها أصيبت بالتصلب نتيجة الشيخوخة، فأثبت أطفال الحجارة أن الأمة طائر عنقاء ينهض كل مرة من بين الرماد، أو كأن الأمة تستعيد قول شاعر العروبة الخالد المتنبي:

كم قد قتلت وكم قد مت عندكم
ثم انتفضت فزال القبر والكفن
قد كان شاهد دفني قبل قولهم
جماعة ثم ماتوا قبل من دفنوا

وإذا كان بعض تلك القصائد، التي سميت “قصائد الحجارة”، ركيكاً، فإن بعضها كان على مستوى عال وأرخ فنياً لتلك اللحظة التاريخية كقصيدة نزار قباني الشهيرة على سبيل المثال لا الحصر، لكن لحظة 1987 التي اشتكى البعض منها لتدني المستوى الفني، وغلبة المضمون على حساب الشكل الفني، وانزلاق بعض القصائد لتصير خطاباً سياسياً مباشراً. هذه اللحظة لم تتكرر ثانية، فبعد عام 1987 انفرط عقد الإتحاد السوفيتي، ثم حطم الأمريكان العراق، وجاءت اتفاقية أوسلو، فتحول كثير من الكتاب والمفكرين من الفكر الماركسي والقومي إلى ما سموه “الليبرالية”، ثم إلى مسخها “الليبرالية الجديدة”. بعضهم فعل ذلك تحت ضغط الهزيمة العالمية والقومية واليأس وفقدان الأمل بالتغيير، وآخرون بدّلوا البندقية من كتف لآخر لأسباب انتهازية محضة، فالأمريكان وأدواتهم في المنطقة وضعوا يدهم على سوق الصحافة والنشر في الوطن العربي والمهاجر.

بدأت تمر الأحداث التاريخية الكبيرة دون أن ينغمس المبدعون فيها، فرأينا العدوان الأمريكي على العراق عام 1991، ثم اندلاع إنتفاضة الأقصى عام 2000، وأخيراً وليس آخراً العدوان والغزو الأمريكي على العراق عام 2003، وما تلاه من صفحة مقاومة جعلت الحرب التي خطط الغزاة لجعلها خاطفة وسريعة تستمر حتى اليوم أي سبع سنوات كاملة لكن دون مواكبة فنية كافية.

تشكل الحرب لحظة فارقة في حياة الشعوب، ففيها تختل كل أنظمة الحياة و القوانين والأخلاق. في الحرب يصبح الموت هو القاعدة والحياة هي الاستثناء، فيفقد هيبته كما عبر أحد الشعراء الشعبيين العراقيين “لكثرة ما يروح ويرجع الموت، ما ظلّت بعد للموت هيبه”! الموت في حالة الحرب لا يعود موت الآخرين كما يفكر الإنسان السوي في حالة السلم، بل يصبح موت الذات، كما يشرح فرويد الذي خصص كتاباً كاملاً لشرح سيكولوجية الناس أثناء الحروب ” أفكار لأزمنة الحرب والموت”. وهذا التبدل في النظرة نحو الموت يتبعه انقلاباً سيكولوجياً هائلاً في الشخص، فتتبدل شخصيته و نظرته للحياة، كما أن البنية الطبقية والاجتماعية المنضدة بدقة خلال عشرات و أحياناً مئات السنين تنهار تحت قصف المدافع، فيصعد أناس و يهبط آخرون، وتتبدل القيم الاجتماعية،فتنهار قيم لتحل مكانها أخرى جديدة، بعض الناس يستوعبونها وآخرون يشعرون بالغربة نحوها، لذلك تٌعد الحروب منجما لا ينضب للقصص والحكايات ولتنوع الشخصيات فهي توفر مادة فنية ضخمة يبحث عنها المبدع الحقيقي لكتابة أشعاره وقصصه ورواياته.

لقد عرف التاريخ شعراء وكتاباً بنوا مجدهم الأدبي على هذه اللحظة الفارقة في تاريخ الشعوب، ونذكر في هذا السياق زهير بن أبي سلمى والحرب التي وصفها في معلقته الشهيرة، كما المتنبي وتأريخه لحروب سيف الدولة، وكذلك الشاعر أبي فراس الحمداني.وكتب تولستوي أهم أعماله الأدبية عن الحرب سواء الحرب العالمية الأولى، أم حروب القوقاز، كما كتب همنغواي عن الحرب الأهلية الاسبانية، وبنى لوركا جزءاً من أسطورته عبر مشاركته في تلك الحرب وتصفيته بالطريقة الوحشية المعروفة. وبقيت أعمال ميخائيل شولوخوف عن الحرب الأهلية الروسية بين البيض والبلاشفة علامة فارقة في تاريخ الأدب الروسي. وهنا نكتفي بمجرد ضرب الأمثلة لأنه لا مجال للتعداد. تقول المقولة الشهيرة إن الحروب تنتج أغنياء، وأيضاً: شعراء، ومغنين، وكتاباً.

مر على بدء صفحة الغزو الأمريكي للعراق وحرب الأنصار التي اندلعت بعد ثلاثة أسابيع من الحرب النظامية عام 2003 وحتى اليوم سبع سنوات إلا نيف. وهي فترة زمنية أطول من مدة الحرب العالمية الثانية. وإذا استعرضنا الأرقام الخاصة بهذه الحرب لاكتشفنا ضخامتها فقد استُشهد مليون ونيف من العراقيين، وسقط عشرات الآلاف بين قتيل و جريح من الأمريكان. كما شارك مليوني جندي أمريكي منذ عام 2001 في حربي العراق وأفغانستان ومنهم حوالي 800 ألف أُرسلو إلى ميادين القتال أكثر من مرة. وهُجر أربعة ملايين عراقي عن أماكن سكناهم، كما بلغت تكلفة المجهود الحربي الأمريكي تريليونات الدولارات، وعُدت هذه الخسائر سبباً أساسياًَ من أسباب الأزمة الاقتصادية الأمريكية. لقد غيرت هذه الحرب ميزان القوى الدولي لصالح القوى الصاعدة على حساب الولايات المتحدة، فرأينا تبدلات في العلاقات الدولية تشير إلى بزوغ عالم متعدد الأقطاب.

إن ما سبق ذكره يشير إلى أن الحرب التي يشهدها العراق هي حرب عالمية بأدواتها ونتائجها. وأمام حرب عالمية كهذه استطالت سبع سنوات ألا يحق لنا أن نتساءل أين الإبداع الفني والأدبي المواكب لها؟ وإذا وسعنا الصورة قليلاً لوجدنا أن مساحة المشرق العربي تشهد هي الأخرى حروباً صغيرة وأحياناً كبيرة، وبالتالي فإن حوالي سبعين مليوناً من السكان يعيشون في أجواء الحرب أو التهديد بها، فهم إما ساكنون على الجبهة أو في خطوطها الخلفية، وقد تمتد الجبهة نحوهم في أية لحظة، وفي كل الأحوال فإن أكلهم، ومعاشهم، وزواجهم، وإنجابهم، ومجرد بقائهم على قيد الحياة مرتبط بهذه الحرب ونتائجها. فأين الإبداع الفني: شعراً، ونثراً، وغناءً؟

مشغولون بضرب المزاهر عن قرع الحوافر

في محاولة للإجابة عن سؤال كبير “أين أدب المقاومة” الفلسطيني كتب الكاتب أسامة العيسة مقالة مميزة في جريدة الشرق الأوسط بتاريخ 16 يناير 2008 العدد 10641. يرصد الكاتب ظاهرة غريبة عند الأدباء الفلسطينيين. يقول:

“منذ مدة ليست بالقصيرة، تحول مصطلح «أدب المقاومة» إلى شيء كريه يجب تجنبه بالنسبة لأجيال أدبية فلسطينية مختلفة، حتى أن من أطلق عليهم في الستينات «شعراء المقاومة»، وبنوا شهرتهم على ذلك باتوا يتهربون من التصاق هذا الشعر بهم، مثل محمود درويش، الذي يواصل تألقه الشعري بعيدا عن أية قوالب، ومثل سالم جبران، الذي توقف عن قرض الشعر. هذا عدا أن بعض من أطلق عليهم «شعراء المقاومة» لهم خياراتهم السياسية، التي قد تكون بعيدة كثيرا عن المفهوم التقليدي والشائع عربيا لما يسمى «أدب المقاومة»……..”.

وامتدت ظاهرة القرف من “أدب المقاومة”، وإدارة الظهر لآلام الشعب الفلسطيني الذي يقاتل، ويتشبث بالأرض، ويَسطُر منذ مائة عامة ملحمة مقاومة عز نظيرها في وجه آلة عسكرية جبارة، وفي ظل تآمر عربي رسمي ودولي على هذا الشعب الذي يستحق اسم شعب الجبارين، وما ملحمة الأنفاق التي يسطرها هذا الشعب في غزة إلا مثل واحد لا يستنفذ الموضوع، ولو أن أديباً شاعراً أو كاتباً التقط هذا الفعل المقاوم الذي يقترب من الإعجاز لأنتج فناً أدهش البشرية. امتدت هذه الظاهرة (ظاهرة القرف وإدارة الظهر لآلام الشعب) إلى مثقفي الوطن العربي، فرأينا بعض من أطلق عليهم شعراء المقاومة في لبنان يتنصلون من هذه التسمية، بل اعتبرها أحدهم شتيمة، وعبر عن امتعاضه الصريح عندما ذكرتها أمامه أواسط التسعينات في صدفة جمعتني به. يفسر الكاتب أسامة العيسه ذلك بالقول:

“وفسر أحد الكتاب اليساريين ذلك، بالإشارة، إلى أن الكتاب والنخب الثقافية المحسوبة على اليسار، ومن بينها الجبهة الشعبية، وجدت نفسها في المنظمات غير الحكومية، ورهينة للمانحين، الذين يفضلون أعمالاً أدبية وفنية وأفلاما تسجيلية وأبحاثا ونشاطات، تتعلق بمواضيع مثل الجندر، ونشر الديمقراطية، وتمكين المرأة، وغيرها من عناوين عامة، ضمن اجندة لا يمكن أن يكون الحديث عن المقاومة، مجرد حديث، ضمن اجندتها”.

وما كتبه أسامة العيسه عن الساحة الفلسطينية يمكن تعميمه على مساحة الوطن العربي، كما يمكن أن يصلح أساساً لتفسير غياب أدب المقاومة عن الساحة الأدبية في المشرق العربي. ويلاحظ السيد طه المتوكل رئيس اتحاد الكتاب الفلسطينيين أنه “في العقد الأخير من القرن العشرين تأثرت التجربة الإبداعية في فلسطين بثلاث زلازل أثرت على خطابنا الثقافي والاجتماعي، ويتعلق الأمر بانهيار الإتحاد السوفياتي وماله من تداعيات على حركات التحرر، حرب الخليج الثانية التي انتصرت فيها القطرية على القومية بالإضافة إلى زلزال مدريد وأوسلو. وما اكتشفته خلال الدراسة التي قمت بها على الكتابات الشعرية التي جاءت بعد ” أوسلو” هو أن معظم الشعراء الشباب اتجهوا إلى الهامشي والذاتي، حتى الشعراء الكبار على غرار محمود درويش وسميح القاسم أصابهم ما أصاب الشعراء الشباب” (حديث للإذاعة الجزائرية).

وما لم يقله المتوكل أن ذلك تم استجابة لشروط المانحين الذين خلقوا جواً عاماً يستحيل تجاهله على من يبحث عن الاعتراف. وهو ما يقوله العيسه:

“استنكاف الكتاب في فلسطين عن خوض غمار الكتابة عن المقاومين، هو خشيتهم، من «طردهم» من زمر الأدباء والفنانين المكرسين، الذين ينعتون أي كاتب يمكن أن يكتب عن الوطن بـ «الوطنجي».

وفي مثل هذه الظروف، فإن عشرات من الكتاب يكتسبون اعتراف الآخرين بهم بصفتهم كتابا، حتى لو كان رصيد الواحد منهم مقطوعات نثرية تتضمن مفردات رائجة، مثل الجسد، والايروتيكا، والنبيذ، والمرأة، والمدينة..الخ، في حين أن أي أديب موهوب سيعيش ويموت مغمورا، إذا خاض الغمار الصعب وعبر عن نفسه، مثل الشاعر حسنين رمانة، الذي لا يرد ذكره أبداً كشاعر، لانه ببساطة جعل من حياته وقصيدته شيئاً واحداً”.

فإذا وسعنا دائرة البيكار لتشمل مساحة المشرق العربي، الذي يعيش منذ سبع سنين حرباً مستمرة، بعضه يعيش على الجبهة وآخرون في الخطوط الخلفية، لكن الحرب مست حياة الجميع،كما قلنا، فلن تجد كبير اختلاف ويمكنك أن تدخل إلى أي مكتبة كبيرة في بيروت وتخرج منها بحمولة شاحنة صغيرة من روايات الايروتيكا و الجسد والنبيذ والشذوذ الجنسي (الذي بات بعض المثقفين يستنكف تسميته شذوذاً لأن هذه التسمية بعرف المانحين الغربيين عبارة غير ديمقراطية، إلغائية) وجلها لكاتبات. لكن لا تبحث عن روايات تناقش تجربة الحرب لأنك لن تجد (على حد علمي) سوى رواية إنعام كجه جي ” الحفيدة الأمريكية “، ومجموعة قصصية لكلشان البياتي، والأخيرة نشرها الناشر ليس بصفتها من أدب الحرب أو المقاومة إنما ضمن سلسلة أدب نسائي، فمرت.

فإذا أبديت امتعاضك من انتشار الإيروتيكية والإهتمام بالجسد بهذا الشكل ردوا على الفور بتذكيرك بالتراث:”رجوع الشيخ إلى صباه”، والنفوشي، وببلاط هارون الرشيد، وخمريات أبي نواس، و غيرها من الكتب التي أغرقت دار نشر شهيرة السوق بها في أعقاب تحطيم العراق على يد الأمريكان عام 1990 (هل كان هذا الإغراق عفوياً؟)، ثم قدموا أنفسهم استمراراً لذلك التراث الذي لم يكن يخجل من تسمية الأشياء بمسمياتها، كما يتبجحون، وبعدها يبدون امتعاضهم من تراجع مساحة الحرية والتسامح في الفكر العربي المعاصر تحت ضغط الأصولية. متناسين أن وظيفة وأدوات شاعر يقرض الشعر في بلاط هارون الرشيد، الذي كان يحكم العالم من الصين إلى بواتييه، لا تصلح لشاعر يغوص أبناء أمته في الوحل، وتتداعى على أمته أمم الأرض كما تتداعى الأكلة على قصعتها، فما يصلح فنياً وأخلاقياً وإنسانياً لكتاب بغداد في ذروة مجدها لا ينفع لكاتب يعيش شعبه تحت القصف والنهب وتخب الجيوش المحتلة في أراضيه.

قالت العرب: لكل مقام مقال. فهل يعقل أن تدخل إلى مجلس عزاء وتبدأ برواية ما تحفظه من نكت وأحداث طريفة! أو أن تحدث المجموع عن مغامراتك الجنسية! وبالعكس هل يمكن أن تذهب إلى عرس فتغني لهم من بكائيات أديب الدايخ. في الحالين سيكون مصيرك الطرد والضرب. وهنا أقول لكم و على مسؤوليتي الشخصية: أرجعوا بغداد، أو القدس، أو دمشق مركز الكون واكتبوا ماشاء لكم عن تجاربكم الايروتيكية. اكتبوا مجلدات عن رجوع الشيخ إلى صباه.

دُعي سيف الدولة إلى حفلة فاجاب على الفور “مشغول بقرع الحوافر عن ضرب المزاهر”.

ثانية أين أدب المقاومة؟

قيل الكثير في مشروع المحافظين الجدد الذي بدأ التحضير له في عقد التسعينات قبل أن يستولي على السلطة عام 2000م. وككل المشاريع الكبيرة في التاريخ سواء كانت سلبية أم ايجابية، خيرة أم شريرة، لابد لها من غطاء ثقافي، فالمصالح الإقتصادية والسياسية كالبشر لا تمشي في الشارع عارية. بل تتجمل بالملابس والمكياج وقصة الشعر. ومشروع المحافظين الجدد،الذي بدأ التحضير الجدي له في عقد التسعينيات من القرن العشرين، لا يشذ عن هذه القاعدة، وبما أنه مشروع كوني فهو بحاجة لمثقفين من كل الديانات والأعراق والقوميات، وقد استطاع أن يقيم مرتكزات له في كل بقعة من بقاع الأرض لأسباب يطول التفصيل بها، لكن يمكن الإشارة إلى إغراء نمط الحياة الأمريكي على البشر من كل عرق ولون، وجاذبية الوهم وليس الحلم الأمريكي وقدرة هوليود على تسويقه، وأيضاً الفراغ الايديولوجي بعد انهيار الإتحاد السوفييتي الذي كان يجسد بشكل أو بآخر حلماً من أحلام العدالة و المساواة بين البشر. وفي تفصيل خاص بالمنطقة العربية نجد أن تدمير العراق لعب دوراً كبيراً. وأخيراً الأسباب الانتهازية.

جند المحافظون آلاف المثقفين من كل الجنسيات والأعراق والديانات لخدمة مشروعهم الكوني الذي لم يكن يتجمل بهم لأنه مشروع مفضوح، بل كان يكذب بهم “لا أتجمل بل أكذب” فبول وولفيتز كان صريحاً في اجتماع أجراه في واشنطن مع مثقفين عرب أواسط التسعينات حين سأله أحد المثقفين العرب عن الديمقراطية التي يريدون نشرها في المنطقة، فرد عليه بول وولفيتز بالقول: إنهم ليسوا مع الديمقراطية بالمطلق، فهم ضدها إذا أدت إلى الإضرار بأمن النفط، وبمصالح اسرائيل، وإذا أدت لصعود الأصوليين.

كما أن المحافظين الجدد لم يكونوا يخفون عدائهم لقيم الثورة الفرنسية المتمثلة بالإخاء والمساواة، وأيضاً لفلسفة عصر الأنوار، التي تشيد بالعقل البشري وتعتبره قادراً على معرفة الكون لأنهم يتبنون فلسفة نقيضة تقول باللامساواة بين البشر، وحتمية الفروق، ويرجعون ذلك لأسباب بيولوجية، فالفقير فقير لأن مورثاته منحطة، وشعوب العالم الثالث متخلفة لأن ثقافتها وتكوينها البيولوجي لا يستوعبان التطور. كما أنهم معادون للعقل البشري، فهم يعتبرون أن الكون غير قابل للمعرفة، وهذه الفكرة تحديداً تجدها تتردد في أحاديث كثير من الروائيين والشعراء الجدد ليبرروا بها انشغالهم بالذاتي الضيق المعزول عن أي بعد اجتماعي (هل هناك ذاتي معزول عن بعد اجتماعي!) ” كتابة ما بعد الحداثة عموما تشكك فى قدرة العقل البشري على كشف الواقع بشكل كامل. كثير من الكتاب الجدد لا يسعون لتغيير الواقع و لا يرغبون في محاكاته، بل يحاولون فقط نقل حيرتهم المعرفية أمامه. الوجود بالنسبة لمعظمهم هو وجود إشكالي، هش، ومراوغ. والواقع نفسه غير منجز أو بالأحرى غير متفق عليه، فهو ليس فقط ما نراه بأعيننا ونعيشه بوعينا، بل هو أيضا جماع أحلامنا وكوابيسنا وهلاوس لاوعينا.” (الروائية المصرية منصورة عز الدين – السفير الثقافي الجمعة 25-12- 2009 ).

كان العَقد المبرم بين المحافظين الجدد و المثقفين من شتى الجنسيات والعراق والديانات خاصة من العرب عقداً نصوصه واضحة يدعو للكذب لا للتجمل، فالمحافظون الجدد لا يبحثون عن التجمل لأن بشاعة ايديولوجيتهم وتجسيداتها الواقعية لا يمكن تجميلها بلباس أو مكياج و قد خبرناها على أرض الواقع. واستجابة لشروط العقد وجدنا يسارياً سابقاً يتغنى بالفجر البازغ من الفلوجة المقصوفة بالفوسفور الأبيض.

إن وظيفة المارينز الثقافي في هذه الحالة مثل وظيفة البالونات الحرارية التي تطلقها الطائرات الحربية حين تتعرض لصواريخ أرض جو التي تنجذب للحرارة، فبدل أن يذهب الصاروخ إلى هدفه الحراري الأصلي، الطائرة المقاتلة، فيصيبها. يتم تشتيته بهذه البالونات ليذهب إلى أحدها. بدل أن يتجه جهد لشعوب لاسقاط لمشروع الاستعماري للمحافظين الجدد يطلق هؤلاء المثقفون بالونات حرارية مثل: الجندر، وحرية الجسد، والايروتيكا…………الخ. أو يمكن تشبيههم بساتر دخاني يحاول حجب الشعوب عن رؤية الحركات الحربية للمحافظين الجدد.يقول الكاتب العراقي سلام عبود:

“أن المهمة الأساسية العاجلة لجهاز مساندة مشاريع الإحتلال تتمثل في إيجاد بؤر موثوقة (مشتراة)، هدفها إقامة منظومة ثقافية، تقوم بمهام التصدي الفوري لكل ما يعترض طريق مشاريع الاحتلال الحربية والسياسية……….

وعلى الرغم من أن المشروع السياسي والثقافي الأميركي لا يملك موطئ قدم قديم وثابث في العراق، إلا أن السنوات التي سبقت غزو العراق شهدت حركة متسارعة لتجميع المريدين لهذا المشروع. وقد أسفر هذا السعي عن إنشاء مواقع عديدة في صفوف المثقفين، من خلال بعض الصحف ومراكز الأبحاث والهيئات السياسية والاجتماعية والأفراد….”.1

وفي مكان آخر يقول الكاتب:

“مع تدفق القوات الأجنبية على العراق تدفقت معها مقالات الكتاب العاملين في جهاز الإعلام الأميركي، وسار خلفهم وأمامهم وبين أرجلهم عدد لا يستهان به من المواهب الجديدة، ممن ولدوا فنيا على دوي قصف الطائرات……..”.2

ويتابع:

“عدّة هذا الفريق محددة ومقننة: الصراخ دفاعا عن الأعمال الحربية، الدعوة الى دك المدن، تبرير عمليات استباحة الأحياء والشوارع، تمجيد دور “الشرطة الوطنية”و”أجهزة الأمن والاستخبارات” في الكفاح من أجل الديموقراطية وبناء الثقافة الحرة، زرع مفاهيم التحلل السياسي والنفسي والاجتماعي والأفكار العدمية تحت شعار النفعية السياسية ونظرية “كل ما هو مربح مشروع وأخلاقي”، تمجيد أعمال الاعتقال وهتك الأعراض، التهليل لمشاريع مد الحرب الى دول الجوار، تمجيد عناصر القوة الطائفية والعرقية والعشائرية، التحريض على قتل وقمع الصحافيين والإعلاميين الذين لا يناصرون سياسة الاحتلال، التستر على أعمال النهب الثقافي والاقتصادي، حماية ظهور الغزاة.”2

وبدل المثقف المقاوم والكاتب المقاوم والشاعر المقاوم حصلنا بتعابير الكاتب سلام عبود على المثقف والشاعر والكاتب الكونكرتي.

إن شخصيات الكتاب والمثقفين في دراما العراق واضحة وضوحا مؤلماً بحكم أنها الجبهة الأساسية للحرب لكنها ليست كذلك في الخطوط الخلفية فهي ممددة بماء الحياة، لكن ما إن يدخل أحدهم في الدراما العراقية حتى يجف الماء الذي يمدده ويصير واضحاً. وأنا أعتقد ان أهم حدث كشف حقيقة الوسط الثقافي هو علاقة هؤلاء الأشخاص بأحد متعهدي الإحتلال الثقافي، الذي ينظم مهرجاناً سنوياً في العراق، ففي عام 2005 – 2006 اضطر الغازي الأمريكي للزج بكل احتياطياته العسكرية والسياسية والثقافية كي يكسب المعركة التي ما زال يعتقد أنه يقدر على كسبها، فرأيناه ينشأ فرق الموت في العراق، ويشن حرب إبادة على المدن العراقية المقاومة مستعيناً بالنموذج الذي طبقه في الفلوجة، ويوقظ خلاياه النائمة، كما استعان بالكيان الصهيوني ليعدل الميزان العسكري الذي اختل في المنطقة لغير صالحه عن طريق الجبهة اللبنانية، وأيضاً استنفر جبهته الثقافية طالباً من الجميع أن ينفذوا ما اتفق معهم عليه منذ أواسط التسعينات، وكان هؤلاء المثقفون ما زالوا مؤمنين بقدرة المحافظين الجدد على الفوز بالمعركة فهبوا لنجدته بذريعة مهرجان ثقافي في أربيل علّهم يجملون المشروع الإحتلالي. وتنطح شاعر كان وما زال يرأس القسم الثقافي في جريدة ولدت مع المقاومة الفلسطينة في سبعينيات القرن الماضي واعتاشت على هذا الخط لإلقاء كلمة باسم المثقفين العرب ليعلن سعادته بأنه يطأ أرض العراق المحتل. يقول:

“هذه أول مرة أطأ فيها ترابا عراقيا وأنا سعيد لأن انتظاري كوفئ اخيرا وها انا الان من هنا…”.

كأن هذه العبارة قالها أحد الجنرالات من صقور المحافظين الجدد.

كل الحروب ينتج عنها جواسيس وعاهرات ومتعاملين مع المحتل. لكن المفاجيء كان حجم الحشد الكبير الذي تواجد في أربيل وقيل يومها إن عددهم ثمانمائة مثقف يتوزعون بين كاتب، وشاعر، ومثقف، وصحافي، وناشر. وهؤلاء يملؤون صحافة ودور النشر البيروتية وغيرها من العواصم العربية والمهاجر. والمجتمعون في أربيل هم من يحدد ما يصلح للنشر في الصحف وفي دور النشر وما لا يصلح، وهم الذين يضعون المعايير الفنية، فيحددون الرواية التي تستحق النشر، والقصيدة الجيدة، ومن هو المثقف، ومن هو المفكر….الخ. هؤلاء الذين اجتمعوا في أربيل يسيطرون سيطرة شبه مطلقة على عالم الصحافة والنشر في العالم العربي. فهل نتوقع أن نقرأ في المنابر التي يسيطرون عليها أدباً مقاوماً!

ولم يقتصر الأمر على التعامل المباشر مع المشروع الاحتلالي كما حدث في مهرجان أربيل، بل إن الأمر أكثر تعقيداً بكثير، فهناك النشاطات والندوات التي تمولها المراكز الثقافية الغربية المختلفة، وبعضها لدول ليس لها سمعة استعمارية سيئة مثل الدول الاسكندنافية، وهي في التحليل النهائي لها وظيفة في استراتيجية الاختراق والسيطرة الأمريكية. وهناك صناديق مالية تمول المشاريع الثقافية لها وجه عربي لكنها من الباطن ممولة من مؤسسات غربية، وأيضاً مؤسسات مانحة امريكية. وهذه المراكز الثقافية، والصناديق، والمؤسسات المانحة الأمريكية تمول مشاريع نشر، وندوات، ومهرجانات، وتُنشأ جوائز أدبية لكن بشروطها الخاصة الناعمة، فهي على سبيل المثال قد لا تطلب منك أن تشتم المقاومة أو تشيد بالاحتلال كما فعل المشاركون في المهرجان الأربيلي. إنما تطلب منك أن تتكلم عن مواضيع محددة، فهي تمول نشر سلسلة للأدب النسائي، أو تقترح على دار نشر ما أن تنشر اعمالاً لكتاب غربيين محددين، وهؤلاء بالتأكيد لن يكونوا من نقاد الحضارة الغربية أو المعادين لمشاريع الاحتلال والنهب الامبريالي، فعلى سبيل المثال لن تمول السفارة الكندية أبداً ترجمة كتاب للكاتبة الكندية نعومي كلاين. ولن يمول المركز الثقافي الفرنسي نشر كتب غارودي……الخ. وعلى أية حال بلغ الإفساد الأمريكي لذمم الكتاب والصحافيين حد دفع رشى مباشرة كما في فضيحة شركة لينكون غروب التي كانت تنشر قصصاً إيجابية، و رسائل موالية لأمريكا في وسائل الإعلام العراقية بميزانية تقدر بـ 30 مليون دولار. إضافة إلى إعلانات من نفس النوع في بعض المحطات الفضائية العربية.

وفي المحصلة يتم إنشاء جو ثقافي وهمي لا يعبر عن الواقع بأي شكل من الأشكال، ويتم إنشاء طلب على ما ينتجه مثقفو الإحتلال، لأن القانون الرأسمالي التقليدي الشهير الذي يقول “العرض تابع للطلب”، والذي يتبجح به كل منتجي الرداءة في العالم العربي، ويجد تعبيره في العبارة المصرية الشهيرة “الجمهور عاوز ده”، واستخدمته قبل أيام إحدى الناشرات اللبنانيات في دفاعها عن رواية ايروتيكية نشرتها دار نشرها، التي لا يكف صاحبها الآخر عن نشر المقالات المؤيدة للمقاومة في حين أنه منخرط بنشر الروايات الإيروتيكية وتعتبر دار نشره معقلاً لروايات الاستشراق النسوية. أليس هذا شكلاً من الفصام بين القول و الفعل! هذا القانون يتوقف عن العمل و ينعكس في ظروف الرأسمالية الاحتكارية فيصبح “الطلب تابعاً للعرض” فإنتاج السلعة وعرضها يخلق الطلب عليها، وهذا هو سر الطوفان الإعلاني الذي يعاني منه العالم المعاصر، فأنت لا تحتاج السلعة لكن الإعلان المتكرر عنها يجعلك تطلبها، ويقنعك انها ضرورة من ضرورات الحياة. وهذا ما يحدث في عالم الثقافة فالإعلان عن جوائز أدبية معروف مسبقاً أن الرواية التي تطمح للفوز يجب أن لا تتكلم عن الاحتلال، وأن لا تكون عن المقاومة (أي لا تكون قومجية أو وطنجية بتعابيرهم)، وأن فرصتها تكون كبيرة إذا كانت ايروتيكية، أو مفصلة حسب المقاييس الغربية المطروحة في السوق بما تتضمن من تصغير القضايا الكبيرة وتكبير القضايا الصغيرة،فتصبح الكتابة عن الجندر أهم من الكتابة عن فلسطين، والكتابة عن قضايا الشاذين جنسياً بدعوى الكتابة عن الهامشي أهم من الكتابة عن المهمشين اجتماعياً وسياسياً. و لأن العالم غير قابل للفهم – كما يقولون – تصبح كتابة التهويمات التي لا توصل أي فكرة للمتلقي هي المطلوبة، وأخيراً وليس آخراً هناك وصفة للرواج التقطها كتاب عرب من هوليوود التي تقدم كل عام إحدى جوائز الأوسكار لفيلم يدور عن الهولوكست أو يضم شخصية اليهودي الطيب.التقط هؤلاء الكتاب وصفة النجاح هذه من هوليوود فصاروا يقحمون في رواياتهم شخصية اليهودي الطيب.

إن الطلب المتزايد بفعل العرض و الترويج الكثيف على هذا النوع من الروايات والشعر يوجه أنظار الكتاب الشباب إلى هذه الوصفة،فيدربون ذهنهم وقلمهم، وتتبلور رؤيتهم للعالم للكتابة بطريقة محددة وفق الوصفات المطروحة بالسوق. وإذا حدث وكتب أحد الكتاب رواية أو قصة بوصفة غير تلك الوصفة المطروحة في السوق، فسمى الاحتلال احتلالاً، وسمى ما يجري في العراق غزواً وليس تحريراً. ولم يكن يؤمن بانتهاء السرديات الكبرى، وكان يؤمن بقدرة العقل على معرفة الكون، فكيف سينشرها إذا كان أغلب دور النشر تنشر بتمويل غربي وفق وصفات محددة ذكرناها، ثم هل سينشر رئيس الصفحة الثقافية، الذي سمى الاحتلال تحريراً، خبراً عن روايته، أم هل سينشر مراجعة لها؟ وإذا استطاع نشرها فهل سيجد ناقداً من الذين ذهبوا إلى المهرجان الأربيلي يراجعها ويقدمها للقاريء!

من أين سيمر أدب المقاومة في هذه الأجواء؟

كما في قانون الحياة الخالد الذي يعبر عنه راوؤل كاسترو بكلمته الشهيرة: “بحزب بدون حزب لا يمكن للثورة أن تنتظر” فكذلك نقول: بمثقفين بدون مثقفين سينتج الشعب المقاوم أدباً مقاوماً إنما بشروط فنية أقل، و بأشكال لا تحوز الإعتراف.يرصد الكاتب أسامة العيسه أشكالاً من الأدب المقاوم المُنتج في هذه الظروف. يقول:

“وفي ظل غياب مثقفي الفصائل الفلسطينية، عن هذا الميدان، فإنه ترك للهواة من المتحمسين، أولاً للقضية الوطنية، وثانيا للفن والأدب. ويمكن تلمس ذلك من الكم الهائل من الأغاني التي كتبت باللهجة الفلسطينية، ووضعت لها ألحان بسيطة، لكنها شجية، توقف فيها أصحابها عند محطات مهمة في انتفاضة الأقصى، ووصل هذا النوع من الفن إلى التداول في الدول المجاورة مثل الأردن أو سورية.

وهكذا وجدت أغان تمجد قادة المقاومة الميدانيين، الذين سقطوا شهداء، في معارك غير متكافئة، وكان كل منهم يعرف بأنه مثل سيزيف يحمل صخرته ويواصل المسير.”

ويتابع الكاتب ظاهرة تحول المقاومين الميدانيين إلى كتاب لسيرهم الذاتية في السجون الاسرائيلية:

“وإذا كان المثقفون أصحاب الأصوات المرتفعة في السابق، مبشرين بالاشتراكية والعدالة والتحرر، غيروا بوصلتهم بشكل حاد، فإن الأراضي الفلسطينية شهدت ما اعتبر ظاهرة جديدة، تتعلق بلجوء بعض المقاومين أنفسهم إلى كتابة سيرهم الذاتية، رغم عدم امتلاكهم لأدوات الكتابة الفنية، في حين أن الأمر في السابق كان لا يتورع عنه بعض الكتاب الذين تم تكريسهم بسبب كتابة سير مجموعات المقاومة مثل توفيق فياض، الذي اشتهر لروايته شبه التسجيلية لمجموعة مقاومة ضمت شباناً من عكا.

هذه السير كتبها معتقلون داخل السجون الإسرائيلية، بعد أن صدرت بحقهم أحكام بالمؤبدات، وكثير منها كتبت لاهداف قد لا يكون الإبداع من ضمنها مثل، «أن تكون مرشدا للشبان الفلسطينيين، كي لا يقعوا فرائس سهلة لرجال المخابرات الإسرائيلية»، أو «التعلم من الأخطاء التي وقع فيها المقاومون».”

وبالطبع فإن هذا الأدب لن يكتسب اعتراف المؤسسة الأدبية الرسمية التي يتنكب زعامتها أربيليون، أو ممولون من مؤسسات غربية، ويضرب الكاتب أسامة العيسه مثالأً على ذلك بحسين أبو رمانه الذي لا يرد ذكره كشاعر أبداً “ورغم انه أصدر ديواناً شعرياً خلال فترة مطاردته، إلا انه لم يحظ باهتمام نقدي حتى ولو كان نسبيا. وهو أمر ليس له علاقة بالمستوى الإبداعي لشعره، ولكن لشيوع موجات أدبية أخرى في الأراضي الفلسطينية”.

وفي العراق ترصد صحيفة “ميامي هيرالد” أن موجة من الأغاني الجديدة انتشرت بقوة في العراق تدعو لمقاومة الاحتلال، ويشدو بها مطربون أطلق عليهم “مطربو المقاومة”، ويطالبون فيها العرب بالوحدة في وجه أمريكا، وتحمل مضمون العداء للغرب.”

وإذا كان أغلب هذه الأغاني لا يرقى إلى مستوى فني عالي إلا أنها اقتربت من مأساة شعبها فأبرز الفيديو الكليب المرافق، والمنتج بشروط فنية بسيطة،صور الدمار و قصف الطائرات. ودعت هذه الأغاني إلى التوحد ونبذ الفرقة والطائفية، كما حرضت على مقاومة الغازي. وكذلك انتشر شكل فني جديد يحار المرء كيف يصنفه، فانتشار الهاتف النقال قدم وسيلة جديدة مهمة للتعبير عن الأفكار ولنقلها إلى الناس، فهذا الجهاز الصغير يعطيك فرصة التقاط مشاهد وصور من الحياة، وإنتاج مقاطع فيديو كما في المقطع الشهير الذي تم تداوله على البلوتوث ويُظهر وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة كوندليزا رايس مع صور مجموعة من الزعماء العربية، وتم دمج هذه الصور مع أغنية نانسي عجرم “يلي بيسمع كلمة أمه شو منقول له”. كما أن رسائل الـ sms صارت وسيلة هامة وقد تم رصد كثير من هذه الرسائل التي يتداولها العراقيون منها هذه الرسالة التي تحض على التوحد ونبذ التفرقة، وهي عبارة عن محاورة بين أحد الذين جاءوا على ظهر الدبابات الامريكية وعراقي أصيل وتبين لعب الأول على اوتار الطائفية واصرار الأخير على وحدة العراق بكافة قومياته ومذاهبه. تقول المحاورة:

كلي (قل لي ) سني لو ( أو ) شيعي؟ كتله (قلت له) عراقي بصوت عالي
· كلي زين عربي لو كردي؟ كتله من الفاو لزاخوا بلادي
· كلي من عنوانك اعرفك؟ جاوبتة انباري وكوتاوي
صح بصراوي بس بالحلة وعماري واصلي مصلاوي
* كلي لعد من اولادك اشخصك؟ كتله ولدي عموري
وحسين وابوبكر وعلاوي…..
* كلي وين تصلي وهية اتبين؟ كتلة اصلي بالخلاني
واتوضئ بماي الكوفة ومن النعمان اسمع اذاني واول ركعة بموسى الكاظم وثاني ركعة بالكيلاني…..

وبالطبع فإن مؤلفي هذه الرسائل و مقاطع الفيديو كليب مجهولون.

ولا تقتصر المقاومة على هذه الأشكال الفنية البسيطة بل يتدرج الأمر صعوداً إلى أشكال أنضج وواضحة المعالم، فقد دخل الإنشاد الديني في العراق على خط المقاومة منذ انطلاقتها. في مقابلة مع صحيفة العرب القطرية بتاريخ2008-05-03 أجراها الكاتب إياد الدليمي مع المنشد ثائر البغدادي، الذي تحول صوته إلى رفيق للعمليات المصورة التي تبثها فصائل المقاومة. يشرح البغدادي “أن هذه الأناشيد لعبت دورا هاما في شحذ الهمم واستنهاضها دفاعا عن البلاد “، يدعو البغدادي المنشدين للتغني بالمقاومة العراقية.

كما يغص النت بقصائد لشعراء شعبيين، ولشعراء يكتبون بالفصحى يرصدون معاناة شعبهم ويذكون روح المقاومة، لكن هذه القصائد وهؤلاء الشعراء محاصرون وممنوعون من الوصول إلى الجمهور الواسع، ولا يهتم بهم لا الصحف ولا النقاد لأنهم “قومجيين” أو “وطنجيين” و هم يقدمون “سردية كبيرة” في عصر موتها!

أنتج ظهور وسيلة تعبير جديدة مشتقة من النت هي البلوغ blog أعداداً كبيرة من المدونين أشهرهم فتاة من بغداد حرصت على ابقاء اسمها الحقيقي مجهولاً و أطلقت على موقعها اسم منعطف النهر “Riverbend “.

بدأت هذه الشابة التدوين باللغة الإنكليزية في الشهر الثامن من عام 2003، عام احتلال بغداد، واستمرت بذلك حتى عام 2007، حيث اضطرت هي و عائلتها إلى مغادرة بغداد إلى دمشق. استطاعت هذه الشابة نقل الحياة اليومية في بغداد المحتلة، كما نقلت نبض الناس بطريقة فنية راقية، فلم تغفل تفصيلاً من التفاصيل، الصغيرة أو الكبيرة، إلا وسجلته، من غياب الأمن، إلى تحكم المليشيات بحياة الناس، إلى فقدان المواد البسيطة، والعيش بدون كهرباء أو ماء. تقول عن فقدان الماء “الماء مثل السلام لا تدرك أهميته حتى تفقده….. استغنينا عن الديمقراطية،استغنينا عن السلام، وحتى عن الكهرباء، فقط أرجعوا الماء”. وفي مكان آخر تتحدث عن التهديدات بحرمان الذين لا يصوتون من البطاقة التموينية فتتساءل “ما هو نوع هذه الديمقراطية التي تجبر الناس على التصويت بينما هم لا يريدون ذلك”. وفي مكان ثالث تقارن الكاتبة بسخرية بين وضع الأمريكان ووضع العراقيين ” بعد 11/9 وبسبب بضعة أشخاص متعصبين. صار الأمريكان مصابين بكره الأجانب. إذاً لم يتوقع الأمريكان من العراقيين بعد كل ما حدث لهم بسبب الإحتلال أن يكونوا متسامحين وشاكرين؟” وتجيب ساخرة “لأننا نأكل كمية أكبر من القمح في غذائنا”.

حازت ريفرباند على شهرة واسعة لكن في الأوساط الغربية المناهضة للحرب، فنُشرت يومياتها بثلاثة كتب بالإنجليزية، وجرى تحويلها إلى مسرحيات عرضتها المسارح العالمية، وقدّم لها عدد من أشهر نجوم السينما والأدب. وكان من المنطقي ان تترجم إلى اللغة العربية بعد الشهرة الواسعة التي حازتها المؤلفة في الصحافة الغربية، لكن ذلك لم يحدث رغم أن دور النشر العربية تسارع لترجمة أي كتاب يحصل على شهرة في الغرب! فظل القراء العرب محرومين من هذه الوثيقة النادرة عن الحياة اليومية في بغداد تحت الإحتلال.

أدباء ضد الحرب لكن في معسكر العدو

تكتمل مفارقة غياب أدب المقاومة، والأدب المناهض للحرب عند الكتاب والأدباء العرب (عدا أصوات يتم خنقها بالتجاهل والإهمال). تكتمل المفارقة إذا علمنا أن الصورة مختلفة في معسكر العدو. فقد أنتجت هوليوود عشرات الأفلام عن العراق، فرصدت التحولات التي جرت للجنود الأمريكان هناك، ففي فيلم “في واد لاه” نشاهد أن صناعة القتل التي تعلمها الجنود في العراق قد حملوها معهم إلى امريكا. نراهم يقتلون زميلهم بشكل وحشي لا مثيل له بدون سبب. كما رصد فيلم آخر مجزرة حديثة التي قامت بها القوات الأمريكية. ورغم أن هذا الرصد تم من وجهة نظر أمريكية تساوي بين المقاومة والإرهاب، وأقصى ما يصل إليه خطاب التعاطف الهوليوودي مع العراقيين هو أن يعتبرهم ضحايا صراع الأمريكان و”الإرهابيين”. لكن إدانة الحرب تبقى واضحة في أغلب هذه الأفلام، كما أن هوليوود تُظهر العاهات النفسية و الجسدية التي عاد بها الجنود من ميادين القتال.

وفي ميدان آخر من ميادين الإبداع رصدت السيدة هيفاء زنكنة في مقال لها بصحيفة القدس العربي 19 / 12 / 2009 ” عشرون ألف قصيدة ضد الحرب والاحتلال ـ من يكتبها؟” نفس المفارقة وهي أن ” القصائد التي نقرأها يوميا عن العراق ونرددها ونقف بجوار صاغتها في امسيات الاحتفاء بقوة الكلمة في وجه توسع هيمنة الامبريالية الامريكية، يكتبها شعراء اجانب. انهم يتابعون يوميات بلادنا فيكتبون بحرقة عن الموت البطيء لنساء واطفال ورجال لم يستنشقوا معهم هواء الوطن الواحد، ولا يعرفونهم الا من خلال انسانيتهم المعرضة للفقدان لانهم لم يستسلموا…..”.

وتذكر الكاتبة أن الشاعر الأمريكي سام هامبل أسس موقعاً اسمه “شعراء ضد الحرب” وهذا الموقع “يضم أكبر انطولوجيا شعرية في التاريخ حول موضوع واحد هو الحرب، ومؤلف موسوعة شعرية تضم ما يقارب ثلاثمئة قصيدة لشعراء أمريكيين مناهضين لسياسة البيت الأبيض في منطقة الشرق الأوسط ومستنكرين فكرة غزو العراق”. يضم الموقع 20 ألف قصيدة ضد الحرب من “شعراء من جميع انحاء العالم يعلنون فيها غضبهم على غزو العراق وافغانستان، فلماذا يرحب بعض الشعراء العراقيين بغزاة حرقوا الكتب واللوحات ونهبوا الآثار؟ لماذا يبررون مسح التاريخ والهوية والذاكرة الجماعية بانها ‘ اخطاء’ ويحيون قوات الغزو بانها ‘هذه القوات البطلة’ واصفين جنودها بانهم ‘يتمتعون بشجاعة شخصية وهم يخوضون القتال في شوارع يجهلون مداخلها ومخارجها، وفي بيئة غريبة عليهم ولا يعرفون لغتها ‘ وجنودهم ‘شهداء عراقيون’؟……….. كيف يوقعون البيانات ويطلقون التصريحات لـ ‘ تقديم الشكر والامتنان لقوات التحالف على هذا الإنجاز الكبير’؟ وهل يشمل الشكر والامتنان قتل المليون شهيد؟…”.

وبينما يكتب الكتاب العرب عن الجندر و تمكين المرأة والجسد (صدرت مجلة في بيروت متخصصة في الجسد وعلومه جعلت شعاراً لها ثقب الباب، أي أنها تتلصص على غرف النوم من ثقب الباب)، فيستبدلون شعار “بالدم نكتب لفلسطين” بشعار “بالدولار نكتب للجندر”. عندما يكتب الكتاب العرب عن المواضيع الهامشية (الايروتيكا، النبيذ، الجسد، الشاذين جنسياً)، ويبتعدون عن المواضيع المتفجرة (الاحتلال – المقاومة – الحصار – معاناة الناس…) تتفرغ الكاتبة اميرة هاس وجدعون ليفي من الخط الاخر للجبهة، من صحيفة ” هآرتس ” لهذه المواضيع المتفجرة، فيكتبون عن المقاومين وينقلون سيرهم ويدخلون المخيمات ويرصدون معاناة الناس والإحتلال والدمار. تكتب أميرة هاس نصاً طويلاً عن غزة بعد الحرب الوحشية التي شنها الكيان الصهيوني، فتنقل أراء بسطاء الناس وأمانيهم “خوف وسخرية في غزة”. يقول الكاتب العيسه” وان كان ما يكتبانه عن واقع ثري بالحكايات، لا يمكن تسميته أدبا بالمعنى المتعارف إليه، وبالتأكيد لا يندرج أبداً تحت مصطلح «أدب المقاومة»، وانما ضمن القصص الصحافية، إلا انه حقق الشهرة لهما، ويتم ترجمة كتبهما بانتظام إلى اللغات الأجنبية، ويحلان ضيوفا على عواصم عالمية لتوقيع كتبهما عن الفلسطينيين. “

بالطبع ستتحول أميرة هاس و جدعون ليفي وسام هامبل إلى أصوات للشعب العراقي والفلسطيني في الغرب إذا كان المبدعون العرب إما ممجدين للمحتل لاعقين لأحذية المارينز، أو متواطئين مع الاحتلال بارتكاب جريمة الصمت، أو بجريمة الحديث عن “جمال الفجر الذي يتلو المذبحة” كما يقول بريخت، وبالتالي فهم إما “مشغولون بضرب المزاهر عن قرع الحوافر”، أو هم من المارينز الثقافي. فقد رصدت الأخبار ظاهرة الصحفي المرافق “embedded”، الذي ينام مع المارينز الامريكي في فراش واحد ويتناول معه الطعام ويرافقه بالمدرعة فيرى العالم من خلال فتحاتها، فحين يكون المارينز المقاتل يصوب رشاشه تجاه الشارع العراقي من خلال إحدى فتحات برج الدبابة يكون الصحفي المرافق يصوب قلمه. هذا حال المارينز الأدبي العربي.

هوامش:

1- نقد المثقف الشيوعي.. فخري كريم نموذجاً.. تعبئة وتعميم الشر: كلاب بشتآشان!- سلام عبود

http://www.saadiyousif.com/home/index.php?option=com_content&task=view&id=697&Itemid=27

2- النهلستي الأخير! دفاع مع سبق الإصرار عن سعدي يوسف، دفاع عن ذاكرة الوطن – سلام عبود

http://www.saadiyousif.com/home/index.php?option=com_content&task=view&id=690&Itemid=27