إسرائيل تدق طبول الحرب؟

عبداللطيف مهنا

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة العاشرة ـ العدد 2161 )

لأيام بدى وكأنما الإسرائيليون يوشكون على الذهاب لا محالة إلى الحرب. لم يقتصر الأمر على الاستعدادات والمناورات التدريبية العسكرية المصورة والمروّج لها إعلامياً، وإنما ساهم المستوى السياسي مع العسكري، وعلى أعلى المستويات، في إطلاق سحب التوتير في سماء المنطقة، وتبادل صقور إسرائيل وصقورها، حيث لم يعد هناك من حمائم، الأدوار التوتيرية والتخفيفية. فلم تقلّ إسهامات باراك، مثلاً في اللعبة عن صنائع ليبرمان، وبدى وكأنما نتنياهو هو الأكثر إعتدالاً!

المنطقة والعالم انشغلا بالموجة التصعيدية الإسرائيلية وغذى الإعلام الإسرائيلي هذا الإنشغال. كثر المحللون وكثرت التوقعات. وحتى كان هناك من بادر إلى وضع بعض السيناريوهات المحتملة للحرب الموشكة، وآخرون من طرحوا تصوراتهم كيف ستبدأ وأين؟ بل حتى المدة الزمنية التي تفصلنا عن اشتعالها، أياماً أم شهوراً، أم خلال عامين،استناداً إلى تصريحات للجنرال غابي اشكينازي رئيس الأركان أمام ضباطه المشاركين في التدريبات الأخيرة التي جرت استعداداً للحرب في صحراء النقب…

أولاً، وبادئ ذي بدء، علينا أن نضع في حسباننا، ونحن نتوقف أمام مثل هذه الجلبة التصعيدية الإسرائيلية المنذرة، حقيقةً كون أن هذه الثكنة المدججة التي تنام وتصحو على قعقعة السلاح، هي كيان تم استيلاده سفاحاً من رحم الحروب العدوانية ولا يعيش إلا بها. وعليه، فإن جنوحه إلى اشعال فتائلها في أية لحظة يظل على الدوام وارداً، أو هو أمر في حكم القدر بالنسبة لهذه المنطقة، مادام هذا المستولد الاستعماري المصطنع الذي نكبت به قائماً في قلبها.

لكنما ينبغي، ونحن إزاء مثل هذه القعقعة الإسرائيلية الراهنة، التوقف ملياً أمام حقائق أخرى ونحن نستقرئ ما وراء غبارها الذي يلبد الآن سماء المنطقة.

أولاها، أن إسرائيل لم تكن لتقدم ولن تقدم مستقبلاً على شن أي من حروبها العدوانية دونما أن تضمن، أو تعتقد أنها ستضمن، حسمها لصالحها مئة وواحد في المئة، وأن تحسم في أسرع وقت ممكن وبأقل الخسائر الممكنة. ذلك لأنها، وهي الكيان المفتعل والهش، والذي، وكغريب عن المنطقة، تتحكم فيه عقدة عدم الاطمئنان إلى مستقبله، أو مصيره واستمرار وجوده، ونظراً لنقطة ضعفها الديموغرافية القاتلة، وهي المفروضة عنوة بالحديد والنار في أحشاء محيط مترامٍ يلفظها ولا يقبلها، لا تحتمل خسارة أي حربٍ تخوضها… يدلل على هذا سيل من الدراسات التي لا ينقطع اعدادها فيها حول الأمر، والمؤتمرات الدورية الدائمة الباحثة التي تقيمها في هذا الشأن، وأشهرها ما تواترت أنباؤه قبل أيام قليلة في هرتسيليا. أو مستمر هذا الجدل الذي رافق إيجاد الكيان منذ أول يوم زرع في المنطقة وإلى هذه اللحظة… ولا ننسى، اللجان التي يعقب تشكيلها عادة أية حالة قصور تشوب حرباً من حروبها، أو في حالة عدم تمكنها من تحقيق أهداف تلك الحرب، كتلكما اللتين أعقبتا حرب العام 1973، والحرب الأخيرة على لبنان عام 2006.

وثانيها، أن إسرائيل لا تقدم على حرب دونما أخذ الضوء الأخضر من الحليف الراعي لها ولعدوانيتها، والحامي الداعم لنزوعها التوسعي، المغطي لكل فعائلها الخارجة على مألوف الشرعية الدولية، الولايات المتحدة الأمريكية، والحصول على مباركة ضمنية لاحقة مضمونة من حلفائها الأوروبيين. وتاريخ حروبها جميعاً وما كشفتها وثائقه تخبرنا بهذا.

إذن، وعلى ضوء هاتين الحقيقتين اللتين لا يكاد يجادل فيهما أحد من الإسرائيليين قبل سواهم، ما مدى جديّة مثل هذه التهديدات الإسرائيلية الأخيرة التي حملتها هذه الحملة التصعيدية للتوتر والتي نجم عنها ما نجم من ردود الأفعال، أو استدعت كل هذا الحشد من التحليلات والتوقعات الإعلامية والعربية منها تحديداً؟

لقد ثبت للإسرائيليين، وهم الحريصون دائماً على التعلم من تجارب حروبهم التي يشنوها على العرب، لاسيما نتائج حربيهما العدوانيتين الأخيرتين على لبنان وغزة. أن زمن التفوق النوعي الذي توفره لهم الآلة الحربية الضخمة فائقة التطور قد ولى وإلى غير رجعة، ومعه انتهت قدرة الحسم السريع التي كانت لهم في ساحة الحرب، أي تقليل مدة الزمن الذي تتطلبه تفادياً لعدم قدرتهم المعروفة على خوض حروب طويلة، وكذا الأمر بالنسبة لانتفاء قدرتهم السابقة على نقل المعركة إلى الساحة المقابلة بعيداً عن ساحتهم، والأمر نفسه بالنسبة للنجاح في تقليل خسائرهم البشرية التي يدفعونها كما كان يتسنى لهم في الماضي. وهذا الدرس تعلموه من تجربتهم القاسية التي لقنت لهم من قبل إرادتين مواجهتين لعدوانيتهم المنفلتة لا تعملان وفق منطق موازين القوى ولا تقارنان بأي شكل من الأشكال وفق واقع هذه الموازين في ساحة المعركة، وهما كل من المقاومة اللبنانية والفلسطينية في الحربين السالف ذكرهما، الأمر الذي هو مدار دراسات أنجزت مؤخراً في فلسطين المحتلة حول ما وصفته ب”المقاومات العربية”، والتي أضيف لها مؤخراً في هذه الدراسات مصطلح استحدثته هو “دول المقاومة”، والمقصود هنا هو سوريا وإيران. لافتة إلى أن المثالين في لبنان وغزة أنعشتا ثقافة المقاومة العربية إجمالاً، وكان فيهما من الدروس والعبر ما سوف تستفيد منها حتى الدول في المنطقة، لاسيما منها الموصوفة بدول “الممانعة”.

لعل فيما تقدم ما يعني أن إسرائيل اليوم سوف لن تفكر في شن حرب جديدة قبل أن تعد إلى العشرة. ولعل الرد السوري الحازم والحاسم والفوري على تهديدات ليبرمان الأخيرة، والقائل بأن أية حرب ستنشب لن تستثنى منها تجمعاتكم ومدنكم التي ستغدو من ساحاتها، هو وراء تلك المسارعة لمحاولة تخفيف الإسرائيليين لحدة تصعيدهم، أو محاولة نتنياهو لملمة ذيول بلطجة ليبرمان وغطرسته، وقبله كانت وراء تلك التناقضات التي شابت تصريحات باراك الذي حاول تصريحه الأخير، نوعاً ما، جبّ ما قبله… وإذ كان هذا شأن إسرائيل فماذا عن عرابها الأمريكي أو ماذا عن ضوءه الأخضر المطلوب؟

قد لا يختلف اثنان بأن راهن الولايات المتحدة التي تستنزفها ثنائية الحروب والديون، أو هذين اللذين يرى جون غري بأنهما “مقبرة الإمبراطوريات”، ليست في وارد احتمال حرب ثالثة في المنطقة، تضاف إلى حربين تحولتا بالنسبة لها إلى ورطة في العراق وأفغانستان، وحيث في الأخيرة قد غدت الهزيمة قاب قوسين أو أدنى… دون أن ننسى حرباً ثالثة على نطاق أشمل لا أفق لها ولا منطق تشن على عدو لا مرئي تتسع ساحاتها وسع العالم كله اسمها الحرب على “الإرهاب”. وتكاليف هذه الحروب الباهظة في ظل أزمة اقتصادية تعصف بها، الأمر الذي حذر منه نائب الرئيس بايدن عندما اعتبر العجز في الميزان التجاري الأمريكي “يهدد الأمن القومي”.

بايدن هاله بلوغ العجز في الميزان التجاري الأمريكي 1،6 مليار دولار. وأن عجز الموازنة التي أعلنها الرئيس أوباما هو 3،8 مليار دولار. من المتوقع بلوغه 12 ترليون نهاية العقد. أما الدين العام حتى نهاية الشهر الجاري فحسب فهو 12،4 ترليون دولار… عجز في الموازنة، عجز تجاري، وعجز في السيولة… إن في هذا ما يبدد الدهشة الأمريكية من رد الصين غير المعتاد، والذي كان قد صيغ لأول مرة بلغة قاسية وغير معهودة، عندما أعلنت واشنطن عن تزويد تايوان بالأسلحة الأمريكية المتطورة التي تم الإعلان عنها مؤخراً… الصين، التي يرعب الولايات المتحدة مجرد احتمال بيعها لسنداتها الأمريكية، أو هذا العملاق القادم للقطبية بأسرع مما يتوقع، والذي بدأ يطالب بدور كوني يتناسب مع حجمه… لم تعد الامبراطورية الأمريكية المتراجعة سطوتها قادرة على التصرف باعتبارها صاحبة امتياز التحكم وحدها في قرار العالم.

هناك من يربط بين طبول الحرب الإسرائيلية في المنطقة ومسألة البرنامج النووي الإيراني، أو آخر تجليات الموقف الأمريكي منه، لاسيما مسألة الدرع الصاروخية المزمع إقامتها في دول الخليج، ويتجاهل كون أن الولايات المتحدة لو قدرت بأن أية ضربة من الممكن توجيهها في ظل حربيها، أو ورطتيها، المجاورتين لإيران هي في صالحها، أو من الممكن أن تأتي بأكلها في ظل توزع هذا البرنامج جغرافياً وعدم ضمان نجاعة ضربة، ثم توفر معرفتها لحدود الرد الإيراني، لكانت هي أو إسرائيل قد أقدمت على مثل هذه الضربة المنشودة منذ أمد. لكنما أوراق إيران العراقية والأفغانية، ومسألة تدفق النفط من مضيق هرمز وذيول انقطاعه الكارثية على اقتصاديات العالم لاسيما في ظل الأزمة الراهنة، ثم وقوع إسرائيل لامحالة تحت طائلة الصواريخ الإيرانية، وإيران لا تفرق كثيراً بين واشنطن وتل أبيب، وقبل هذا وبعده، موقف “المقاومات العربية”، لاسيما في ظل أجواء مستجدة من التحولات الإقليمية والدولية، ما يجعل من مسألة الضوء الأخضر الأمريكي لإسرائيل للقيام بأية حرب لا ضمانة بأنها لن تتسع أمراً متعذراً. لاسيما وأن الأمريكان يدركون بحكم تجربتهم العراقية والأفغانية أن الحرب من الممكن اشعالها لكنما ليس من الممكن في مثل هذه المرحلة التحكم فيها أو حصرها، أو توقع إلى أي مدى قد تبلغ حدودها أو أين نهاياتها.

قبل أشهر جاءت الأساطيل الأمريكية إلى سواحل فلسطين المحتلة، ونقلت إليها الجند والمعدات الأمريكية الأكثر تطوراً، ناصبةً الصواريخ والرادارات في صحراء النقب… كان هذا في سياق مناورات مشتركة، سبق أن دفعت ذات المحللين يومها إلى توقع شبيه ما يتوقعونه اليوم. ثم كان أن تلاشت الضجة المصاحبة لذلك الحدث مع الوقت. كما ان موضوع التلويح الإسرائيلي بالحرب هي عادة تليدة لطالما دخلت بازار المزايدات الحزبية الداخلية بين الصقور والعقبان أو هؤلاء الذين يصعب التفريق بينهما. ثم إن مسألة البتريوت الخليجية أوليست تأتي في خدمة محاولات تطويق ذيول الأزمة الاقتصادية الأمريكية التي يرى بايدن أنها خطر على أمن بلاده. أي أنها نوع من جاري ابتزاز المزيد من عائدات الخليجيين النفطية!؟

لم تعد الحرب بالنسبة لإسرائيل نزهة، ولا بالنسبة للولايات المتحدة فيلماً هوليودياً أو رامباوياً… بيد أن علينا أيضاً أن لا ننسى أيضاً أن إسرائيل ثكنة عدوانية قد استولدت ذات يوم سفاحاً من رحم حرب عدوانية مستمرة ودائمة على شعب جاءت لتحل محله، وترعرعت وتغوّلت في كنف حاضنة استعمارية اصطنعتها وتكفلتها، أي أنها لا تحيا ولا تعيش ولا تستمر بلا ما هي قد استولدت منه… الحرب!