تأملات الرفيق فيدل كاسترو: الثورة البوليفارية وجزر الأنتيل

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة العاشرة ـ العدد 2161 )

كنت أحب التاريخ، على غرار جميع الفتية تقريباً. وكذلك الحروب، وهي ثقافة كان المجتمع يزرعها عند الذكور من الأطفال. وجميع الالعاب التي يقدّمونها لنا كانت عبارة عن أسلحة.

وأنا في طفولتي أرسلوني إلى مدينةٍ حيث لم يأخذوني أبداً إلى دار السينما. لم يكن يوجد حينها تلفزيون، ولم يكن يتوفر مذياع في المنزل الذي كنت أعيش فيه. كان عليّ أن أستخدم خيالي.

في المدرسة الأولى التي كنت فيها داخلياً، كنت أقرأ بدهشة عن الطوفان وعن سفينة نوح. ولعلّني رأيت في وقت لاحق بأن البشرية كانت تحتفظ بذلك بصفته أثراً لآخر تغير مناخي شهده تاريخ جنسنا. وربما كان ذلك نهاية العصر الجليدي الأخير، والذي يفترض أنه قام قبل آلاف كثيرة من السنوات.

وكما هو منطقي، قرأت بنهم في وقت لاحق تاريخ الإسكندر والقيصر وهنيبعل وبونابرت، وكذلك طبعاً كل كتاب كان يقع بين يدي عن ماسيو وغوميز وأغرامونتي وباقي الجنود العظماء الذين ناضلوا من أجل استقلالنا. لم يكن عندي قدراً من الثقافة يمكنّني من إدراك ما يكمن وراء التاريخ.

في وقت لاحق ركّزت اهتمامي على مارتيه[1]. والحقيقة أنني أدين له بمشاعري الوطنية والمفهوم العميق القائل بان “الوطن هو البشرية”. لقد ساعدتني الجرأة والجمال والشجاعة والخلقية في فكره على أن أتحول إلى ما أظنني: إنسان ثائر. فبدون أن تكون مارتيئياً لا يمكنك أن تكون بوليفاريا[2]ً؛ وبدون أن تكون مارتيئياً وبوليفاريا، لا يمكنك أن تكون ماركسياً، وبدون أن تكون مارتيئياً وبوليفارياً وماركسياً، لا يمكنك أن تكون مناهضاً للإمبريالية؛ وبدون أن تكون ثلاثتهم، لما كان بالوسع في عصرنا بلورة ثورة في كوبا.

قبل حوالي قرنين من الزمن، أراد بوليفار أن يرسل حملة بقيادة سوكري من أجل تحرير كوبا، التي كانت بأمسّ الحاجة لذلك في عقد العشرينات من القرن التاسع عشر، بصفتها مستعمرة إسبانية لإنتاج السكر والبن، وفيها 300 ألف عبد يعملون في مزارع ملاّكيهم البيض.

بعد إخفاق الاستقلال وتحوّل كوبا إلى مستعمرة من الطراز الجديد، لم يكن بالإمكان فيها أبداً تحقيق الكرامة الكاملة للإنسان من دون ثورة تضع حداً لاستغلال الإنسان لأخيه الإنسان.

“… أريد للقانون الأول لجمهوريتنا أن يكون تقديس الكوبيين لكرامة الإنسان كاملة”[3].

وقد ألهم مارتيه بفكره الشجاعة والقناعة التي أدّت بحركتنا لشن الهجوم على قلعة “مونكادا”، وهو أمر ما كان له أن يخطر ببالنا أبداً لولا أفكار مفكّرين عظام آخرين كماركس ولينين، ممن جعلونا نرى ونفهم حقائق العصر الجديد الذي كنّا نعيشه بالغة التنوع والاختلاف.

باسم التقدم والتنمية، جرى على مدى قرون من الزمن في كوبا تبرير الملكية الإقطاعية الكريهة وقوة العمل المستعبَدة، اللذين سبقتهما إبادة السكان الأصليين لهذه الجزر.

قال مارتيه عن بوليفار شيئاً رائعاً وتستحقه حياته الأبية: “… ما لم ينته هو من إنجازه، ما زال حتى يومنا هذا بدون إنجاز : لأنه ما زال أمام بوليفار ما يفعله في القارة الأمريكية حتى الآن”.

“فلتعطني فنزيلا ما أخدمها به: إنني بمثابة ابن لها”.

وكما فعلت قوى أخرى في جزر الأنتيل، زرعت القوة الاستعمارية في فنزويلا قصب سكر وبن وكاكاو، وحملت إليها رجالا ونساءً من أفريقيا كعبيد. المقاومة البطولية من جانب سكانها الأصليين، المدعومين بطبيعة واتساع الأراضي الفنزويلية، حالت دون القضاء على سكانها الأصليين.

باستثناء جزء من شمال هذا النصف من العالم، وقعت الأغلبية الساحقة من أراضي قارتنا الأمريكية بأيدي ملكَين اثنين[4] من شبه الجزيرة الإيبيرية.

ويمكن التأكيد بدون خوف بأن بلداننا وثمار عمل شعوبها تعرضت خلال قرون، وما زالت تتعرض، للنهب على يد الشركات الكبرى عابرة الاوطان وعلى يد الأوليغارشيات العاملة في خدمة هذه الشركات.

على مدى القرنين التاسع عشر والعشرين، أي خلال نحو مائتي سنة، بعد الاستقلال الشكلي لأمريكا الإيبيرية[5]، لم يتغير شيء في الجوهر. فالولايات المتحدة، وانطلاقاً من المستعمرات الإنكليزية الثلاثة عشر، وسّعت رقعتها نحو الغرب والجنوب. اشترت لويسيانا وفلوريدا، واغتصبت من المكسيك أكثر من نصف أراضيها، وتدخلت في أمريكا الوسطى، واستولت على أراضي ما أصبحت عليه مستقبلاً قناة بنما، التي ربطت المحيطين الكبيرين شرق وغرب القارة، عند النقطة التي كان بوليفار يرغب بأن يقيم فيها عاصمة كبرى الجمهوريات التي تنشأ عن استقلال أمم القارة الأمريكية.

في ذلك العهد لم يكن يسوِّق النفط والإيثانول في العالم، ولا كانت موجودة منظمة التجارة العالمية. قصب السكر والقطن كان يجنيهما العبيد. وكانت الآلات ما تزال قيد الاختراع. وكانت الصناعة تسير بقوة داهمة انطلاقاً من الفحم.

الحروب دفعت الحضارة والحضارة دفعت الحروب. طابع هذه الحروب تبدّل، وأصبح أكثر ترويعاً. وأخيراً تحوّلت إلى نزاعات عالمية.

وفي الختام تحوّلنا إلى عالم متحضّر. بل وأننا نعتقد ذلك كمسألة مبدئية.

ولكننا لا ندري ما نفعله بالحضارة المحرزة. فقد تجهّز الإنسان بأسلحة نووية ذات دقة لا تصدَّق وقوة مبيدة، بينما تراجع من الناحية الأخلاقية والسياسية على نحو مخجل. من الناحية السياسية والاجتماعية نحن اليوم على درجة من التخلّف أكبر من أي وقت مضى. الرجال الآليون آخذون بالحلول محل الجنود، ووسائل الإعلام آخذة بالحلول محل المعلّمين، وشرعت الأحداث بمداهمة الحكومات لتجعلها على غير دراية بما تفعل. وفي خضم حالة اليأس التي يعيشها كثير من القادة السياسيين العالميين يلاحَظ العجز أمام المشكلات التي تتراكم في مكاتب عملهم واجتماعاتهم الدولية التي أصبحت أكثر تكراراً يوماً بعد يوم.

ضمن هذه الظروف حلّت بهايتي كارثة لم يسبق لها مثيل، بينما يتواصل من الجهة الأخرى للكرة الأرضية قيام ثلاث حروب وسباق تسلّح في خضم الأزمة الاقتصادية والنزاعات المتنامية، التي تمتص أكثر من 2.5 بالمائة من إجمالي الناتج المحلي العالمي، وهي نسبة يمكن بواسطتها تنمية جميع بلدان العالم الثالث خلال مدة زمنية قصيرة، وربما تفادي التغير المناخي، من خلال توفير الموارد الاقتصادية والعلمية، وهي موارد لا غنى عنها من أجل تحقيق هذا الهدف.

مصداقية المجتمع الدولي تلقت للتو ضربة قاصمة في كوبنهاغن، ولا يبدي جنسنا قدرته على البقاء.

فاجعة هايتي تسمح لي بعرض وجهة النظر هذه انطلاقاً ممّا فعلته فنزويلا تجاه بلدان حوض الكاريبي. ففي الوقت الذي تتردد المؤسسات المالية العالمية في مونتريال بشأن ما بوسعها القيام في هايتي، لا تتردد فنزويلا دقيقة واحدة في إلغاء ديونها الاقتصادية، البالغة قيمتها 167 مليون دولار.

على مدى نصف قرن من الزمن قامت الشركات عابرة الاوطان باستخراج النفط الفنزويلي وتصديره بأسعار لا تذكر. وتحوّلت فنزويلا خلال عشرات السنين إلى أكبر مصدّر للنفط على المستوى العالمي.

من المعروف أنه حين أنفقت الولايات المتحدة مئات الآلاف من ملايين الدولارات في حرب الإبادة التي خاضتها ضد فيتنام، حيث قتلت وعوّقت ملايين الأشخاص من أبناء هذا الشعب البطل، فإنها ضربت بعرض الحائط أيضاً معاهدة بريتون-وودز، عبر إلغائها لتحويل الدولار إلى ذهب، وفقاً لما نصت عليه تلك المعاهدة، وإلقائها على كاهل الاقتصاد العالمي عبء تكاليف حربها القذرة. قيمة العملة الأمريكية آخذة بالانخفاض وإيرادات البلدان الكاريبية بالعملة الصعبة لا تكفيها لدفع ثمن ما تستهلكه من النفط. تقوم اقتصادياتها على السياحة وعلى الصادرات من السكر والبنّ والكاكاو وغيرها من المنتجات الزراعية. ضربة قاضية تهدد اقتصاديات الدول الكاريبية، باستثناء اثنتين منها مصدّرة للطاقة.

وفي وقت ألغت فيه بلدان متقدّمة أخرى تفضيلاتها التجارية للصادرات الزراعية الكاريبية، مثل الموز؛ اتخذت فنزويلا بادرة لم يسبق لها مثيل: أمّنت لأغلبية هذه البلدان مؤناً أكيدة من النفط وتسهيلات خاصة بالدفع.

غير أن أحداً لم يعباً لمصير هذه الشعوب. ولولا الجمهورية البوليفارية لكانت قد حلّت أزمة مريعة بالدول المستقلة من حوض الكاريبي، باستثناء ترينيداد-توباغو وباربادوس. في حال كوبا، دفعت الحكومة البوليفيارية بعد انهيار الاتحاد السوفييتي بنمو ما فوق العادي لحركة التجارة بين البلدين، تشمل تبادل السلع والخدمات، مما سمح لها بمواجهة واحدة من أقسى مراحل تاريخنا الثوري المجيد.

الحليف الأفضل للولايات المتحدة، وربما العدو الأكثر دناءة وحقارة للشعب، كان المنافق والمتملق رومولو بيتانكور، الرئيس المنتخب لفنزويلا حين انتصرت الثورة في كوبا عام 1959.

كان هو المتواطئ الرئيسي مع هجمات القرصنة والأعمال الإرهابية والاعتداءات على بلدنا وحصاره اقتصادياً.

عندما كانت قارتنا الأمريكية بأحوج ما تكون إليها، انتصرت الثورة البوليفارية.

تلبية لدعوة من أوغو تشافيز إلى كاراكاس، تعهّد أعضاء مجموعة “آلبا” بتقديم أكبر دعم لشعب هايتي في أقسى لحظة من تاريخ هذا الشعب العريق، الذي قام بأول ثورة اجتماعية ظافرة في تاريخ العالم، حيث قام مئات الآلاف من الأفارقة في خضم تمردهم وإقامتهم لجمهورية في هايتي على مسافة آلاف الأميال من الأراضي مسقط رؤوسهم، بواحدة من أكثر الحركات الثورية في هذا النصف من العام مجداً. في هايتي توجد دماء سوداء ودماء هندية حمراء ودماء بيضاء؛ الجمهورية تولّدت عن مبادئ المساواة والعدالة والحرية لجميع أبناء البشر.

قبل عشر سنوات من اليوم، في لحظات فقد فيها الكاريبي وأمريكا الوسطى عشرات الآلاف من الأرواح خلال مأساة إعصار “ميتش”، تم في كوبا إنشاء المدرسة الأمريكية اللاتينية للطب[6] لكي تبني أطباء أمريكيين لاتينيين وكاريبيين يمكنهم يوماً ما إنقاذ ملايين الأرواح، ولكنهم ينفعون بشكل خاص، وفوق أي اعتبار، كنموذج للممارسة النبيلة لمهنة الطب. سيتواجد إلى جانب الأطباء الكوبيين في هايتي عشرات الشبان الفنزويليين وغيرهم من الأمريكيين اللاتينيين خريجي المدرسة الأمريكية اللاتينية للطب. من جميع أركان القارة تصل أنباء عن رفاق كثيرين ممن تلقوا علومهم في المدرسة الأمريكية اللاتينية للطب الراغبين بالتعاون إلى جانبهم في المهمة النبيلة المتمثلة في إنقاذ أرواح أطفال ونساء ورجال وشبان وشيوخ.

سيكون هناك العشرات من المستشفيات الميدانية ومراكز الإنعاش والمستشفيات، حيث سيقدم الخدمات أكثر من ألف طبيب وطالب في السنوات الأخيرة من اختصاص الطب قادمين من هايتي وفنزويلا وسانتو دومينغو وبوليفيا ونيكاراغوا والإكوادور والبرازيل وتشيلي وباقي البلدان الشقيقة. يشرّفنا التمتع منذ الآن بمشاركة عدد من الأطباء الأمريكيين[7] الذين اجتازوا علومهم في المدرسة الأمريكية اللاتينية للطب أيضاً. إننا مستعدّون للتعاون مع تلك البلدان والمؤسسات الراغبة بالمشاركة في هذه الجهود من أجل تقديم الخدمات الطبية في هايتي.

ها هي فنزويلا قد ساهمت بمساكن ميدانية ومعدات طبية وأدوية ومواد غذائية. الحكومة الهايتية قدّمت كل تعاونها ودعمها لهذا الجهد الرامي لتوفير الخدمات الصحية المجانية لأكبر عدد ممكن من الهايتيين. سيشكل هذا بالنسبة للجميع عزاء في خضم أكبر مأساة تحل بهذا النصف من العالم.

فيدل كاسترو روز

7 شباط/فبراير 2010

الساعة: 8:46 مساءً

ملاحظة: التوضيحات من 1 الى 7 من كنعان.


[1] المقصود خوسيه مارتي البطل الوطني الكوبي.

[2] المقصود سيمون بوليفر محرر امريكا اللاتينية من الاستعمار الاسباني. ولد بوليفار، المعروف في اميركا اللاتينية بلقب المحرر El Liberatador، في كاراكاس ـ فنزويلا يوم 24 تموز/ يوليو 1783. قضى حياته في نضال لا يعرف الكلل وشارك في معارك وحروب عديدة من أجل تحرير بلاده وبلدان أميركا اللاتينية من الاستعمار الاسباني. وافته المنية مصاباً بداء السل يوم 17 كانون الاول/ديسمبر 1830.

[3] هذا القول الماثور يعود الى خوسيه مارتي.

[4] المقصود ملك اسبانيا وملك البرتغال.

[5] المقصود ذلك الجزء من امريكا اللاتينية الذي كان تحت الاستعمارين الاسباني والبرتغالي.

[6] المدرسة الامريكية اللاتينية للطب “إيلام” هي جامعة طب وكانت قبل ذلك مقرا للبحرية الحربية الثورية الكوبية ، ويدرس فيها حوالي عشرة آلاف طالب من معدمي الحال واولاد الفقراء والهنود الاصلانيين. اسهاما من كوبا في توفير طاقات بشرية طبية للقارة المنكوبة.

[7] اطباء من الولايات المتحدة الامريكية، القوة العظمى، تخرجوا من المدرسة الكوبية وهم من ابناء الفقراء والاقليات المضطهدة في جنة الامبريالية.