المصافحة: إعلان حرب أم استحقاق سلام

أحمد حسين

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة العاشرة ـ العدد 2163 )

حادثة المصافحة بين النظام السعودي وداني أيالون، لا يمكن أن تكون عرضية، لأنها خالية من العفوية كما يؤكد السيناريو الفج الذي أسفر عنها، وحسب زمانها ومكانها الدوليين. وفيها الكثير مما يلفت النظر، ويرقى بها إلى القصدية الإعلامية المارقة، أي التي تخفي وراءها هدفا أو أهدافا سياسية. فالعلاقات السعودية الإسرائيلية لم تكن يوما مقطوعة وإنما محاطة بشيء من السرية الشفافة لاعتبارات بروتوكولية. والذي كان يتحفظ من إعلانها هو المخطِط الإسرائيلى والأمريكي وليس النظام السعودي، الذي لا يملك حق التحفظ أصلا. والفيصل كان سيصافح داني أيالون بمنتهى العفوية لو التقيا صدفة في أي مكان عام أو خاص. فالرجل مستعد أن يصافح الشيطان والملاك بمبادرته لأنه يعتقد أنه هو الرابح من أية مصافحة مع أي إسرائيلي. فهو بحكم دوره السيادي كمدير مخابرات الأسرة،وبالتالي كعميل خارجي مسجل للس أي أيه، من أكثر سياديي الأسرة اطلاعا على طبيعة علاقات الأبوية السياسية والحمائية التي تربط أسرته بمصادر التبني والحماية الخارجية. ولم يكن بحاجة إلى من يخبره أن أية ملكية سياسية أمريكية في المنطقة العربية هي ملكية إسرائيلية أيضا. وأن السيادة المزاجية والتكتيكية هي دائما للسياسة الإسرائيلية، في منطقة المحميات النفطية، أكثر مما هي لأمريكا، بسبب المباشرة الميدانية للموقع الإسرائيلي وارتباط أمنه وهيمنته الإقليمية بهذه الخصوصية. لذلك فإن على فضول المعرفة أن يبحث في المشهدية الإستعراضية للمصافحة وليس في المصافحة التافهة نفسها. فالناس يتصافحون ويتباصقون ويتلاوطون منذ بداية التاريخ. ولكن من المصافحات في التاريخ ما كان بمثابة إعلان حرب وفاتحة عصر من الويلات.

بعد مجيء أوباما على رأس إدارة الوحدة الوطنية بين الجمهوريين والديموقراطيين، وبالتحديد بعد توضيح كل الإلتباسات بين الطرفين، وظهور المؤشرات الأولية على فشل ديبلوماسية أوباما الإستغفالية، بدأ مسلسل كامل من اللقطات الساخنة الملفتة للنظر، على صعيد الإعلام السياسي لأمريكا وإسرائيل ومحمياتهما العربية في منطقة الشرق الأوسط. لا يكاد يمر يوم بدون لقطة إعلامية مثيرة في مجال من المجالات السياسية أوالعسكرية تدور كلها في فلك تخويف النظام الإيراني أو الإعداد للتخلص منه بضربة عسكرية. فعلى الديموقراطيين إذا أرادوا الإستمرار في سياسة الترميم الموكلة لأوباما أن يحققوا إنجازات ملموسة، وإلا فعليهم التحول إلى سياسة الجمهوريين، أي المحافظين الجدد، وإطلاق خطتهم البديلة لاستعادة هيبة أمريكا بالقوة قبل فوات الوقت. والعنوان الأول على أجندة الخطة هو بالطبع إيران ومشروعها الإقليمي.

وفشل الديموقراطيين في تحقيق أي تقدم على صعيد سياستهم ” المتروية ” أصبح واضحا. فالقضية ليست قضية منهج وتغيير أقنعة، ولا يمكن للديموقراطيين الجدد أن يكسبوا ولاء أحد غير العرب، عن طريق تقديم ذات المضامين التي طرحها المحافظون الجدد أثناء ولاية بوش الأهوج، ولكن بطريقة أكثر دماثة. كما أن الجمهوريين لم يكونوا ليسمحوا لسياسة الديموقراطيين بالنجاح، لأنهم لا يريدون أمريكا مقبولة دوليا ومقيدة بأخلاق بروتوكولية، يريدون أمريكا متميزة تفرض هيمنتها فرضا على جميع الأطراف، لذلك أتوا بحكومة إسرائيلية مشحونة بابتكارات التعويق القائمة على التشدد القومي العلماني من ناحية، ” وولاية الحاخام ” من ناحية أخرى، لتمنع أوباما من تحقيق أي تقدم، ولو استغفالي، على حساب عظمتها الإقليمية.

على خلفية هذا الوضع، يظن البعض أن البلبلة التي يبديها أوباما، هي صورة ذاتية على غرار بوش وفي اتجاه مختلف. ولكن الحقيقة التي وراء ذلك هي كونه الآن في موقع على جسر ذي اتجاهين فقط وعليه اختيار أحدهما. إما الرجوع أو مواصلة السير إلى الأمام. وبما أنه لا يملك القرار في ذلك، فعليه أن يرقص في مكانه على الجسر حتى لا يثير أية إشكالات مميتة داخل وفاق الوحدة الوطنية التي سيكون هو أول ضحاياها، وعليه أن يؤدي رقصة مقنعة تقوم على حركات معقدة من الخطر أن يعتبرها أحد الفريقين ضده أو لصالحه إلى حين يتم اتخاذ القرار القومي. كل حركة تؤدى على الجسر يمكن تفسيرها في الإتجاهين. اتجاه التقدم على الجسر أي الضغط على إيران، واتجاه العودة أي الضغط على الزناد. فمن ثورة ” الهرمونات والرسائل السريعة ” في إيران إلى المناورات المشتركة بين إسرائيل والناتو، إلى حرب غزة النموذجية، وحكومة ولاية الحاخام في الدولة اليهودية، ثم دخول أردوغان بقامته الإسلامية المديدة إلى حلبة الرقص الشرق أوسطية دعما للإعتدال العربي، ورفع منسوبه التسووي إلى درجة القبول بضمانات تركية لعملية السلام، ثم الحرب السعودية الماجنة على الحوثيين، تبدو كلها حركات ثنائية الإتجاه يمكن أن توحي بالضغط السياسي أو التعبئة للحرب. هذا المسلسل الطويل من المشاهد العملية والإعلامية التي تراوحت بين الفجور والدماثة، اختتمت بمشهد المصافحة الإستعراضية بين السعودية وممثل ليبرمان. فهل هذه المصافحة هي إعلان عن انضمام السعودية ودول الخليج رسميا إلى الحرب على إيران حتى بشروط ليبرمان ؟ وهل هي للتخويف أم للتننفيذ ؟ هل هي حركة أوبامية ترمز إلى التطبيع الكامل الذي تتحدث عنه إسرائيل كشرط مسبق للسلام، أم هي من حيث الواقع أكثر من ذلك بكثير ؟ التطبيع بين إسرائيل ومعظم الدول العربية قائم في حدود الإعتراف وتبادل السفراء، وقائم بين السعودية وإسرائيل في حدود الزواج العرفي الكامل والمنجب، وفي حدود شراء القمصان والحلوى الإسرائيلية في ساحات الحرم الخارجية. وفي سوريا في حدود استقبال أعضاء الكنيست العرب. فما هو الجديد إذن في هذا المجال ؟ هل الإضافة الجوهرية في المصافحة الإستعراضية، هو إعلان الإعتراف بالحماية الإسرائيلية كاستراتيجية للأمن ” القومي ” الخليجي والسعودي في مواجهة إيران، واستعداد الخليج لخوض الحرب ضدها تحت إمرة إسرائيلية مباشرة ؟ هذا شيء أبعد بكثير من السلام والتطبيع ويدخل في إطار العلاقات الخاصة والتنازل عن مظهر الإستقلال الكاذب مقابل الحماية. أي لعله بداية تحويل عصمة الحريم العربي من أمريكا إلى إسرائيل وإشهار ذلك على الملأ، كخطوة جديدة نحو استكمال وضعية الشرق الأوسط الكبير، ربما بشراكة تركية إسرائيلية.

أعترف أن هذا الكلام صحيح جدا إلى درجة المبالغة، ولكني مولع بالمبالغة، لأنها لم تخيب ظني أبدا. ومن المضحك أن يكتب أحد عن أي شأن عربي بدون أن يبالغ، لأن السلوك العربي السيادي مبني على ما يشبه هوس المرأة الهلوك والشغف البالغ في كل حال، بحيث يبدو اي كشف عن جزء من الحقيقة، عندما يحين الوقت، وكأنه مبالغة في الإنكشاف. لقد قال الفيصل إنه قبل اعتذار أيالون حتى بالنيابة عن السفير التركي، كاشفا عن شمولية الوفاق حول مخطط أوباما – باراك، ومعيدا إلى الأذهان حادثة كامب ديفيد الرهيبة. وبهذا تكون المصافحة مصافحة لها ما بعدها، وقد تنضم إلى فئة ” المابعد ” المشهورة في الغرب.

أعرف أن المسلمين أكثر الناس نفاقا وكذبا في علاقتهم بدينهم. يبدون مولعين به لأنه وله مجاني مدفوع الثمن في الدنيا وربما الآخرة. والدليل على ذلك أنه حينما تغيب المجانية تغيب معها العقيدة بالنسبة لهم ويختفي الوله. فحينما يتعلق الإلتزام الديني بالمساكين والضعفاء الذين لا يستطيعون الدفاع عن أنفسهم، يبلغ التشدد والشجب نهايته القصوى باليد واللسان والقلب، وحينما يتعلق الأمر بالأقوياء والسياديين تخرس النفوس والإلتزام قبل الألسنة، وتتابع فتاوى عجول الفقه في تحليل (من حلال ) فجور الأئمة باسم الوسطية والإعتدال، وتتبعهم العامة. وأقول العامة لأن مفهوم الشعب لا ينطبق على الهجريين. فهم خراف سائبة تجوب ملكوت الرب بدون رعاة.

ألسعوديون يحرسون المقدسات الإسلامية الوهابية من الشيعة وإيران فقط. فيما عدا ذلك فإنهم يستقبلون في موسم الحج الأمريكي آلاف من أوروبيي السي آي أيه الذين أسلموا , وعشرات الآلاف من أمثالهم من الدول الكافرة، يتبادلون الرسائل المستلمة مباشرة باليد أو باللسان مع زملائهم. معظم هؤلاء لا يؤمنون بالله أو رسوله تماما مثل السعوديين السياديين أنفسهم. لذلك فالأهمية الكبرى ليست للدين أو المقدسات. فالكافر أفضل من المسلم المنافق، عقيدة ومنفعة لقومه. أو هو على الأصح أقل ضررا على غيره من ذلك المنافق الذي يجمع بين الكفر والكذب. والأهمية هي لكون هذا يؤكد أن الأئمة السعوديين هم أوفى الأوفياء لكل ما يضر بالمسلمين. فهم أكثر ولاء لأمريكا والصهيونية من أية دولة أوروبية في حلف الأطلنطي. ومنذ بدأ سياق التآمر المشترك لأمريكا والصهيونية على العالم، لم تكن هناك مؤامرة باردة أو حارة للحليفين سواء على مستوى المنطقة أو على مستوى محاربة الشيوعية وتجنيد الإسلام في المجهود الحربي والسياسي والإعلامي لمخططات الشريكين، لم يستخدم فيها النظام السعودي وحاشيته الخليجية استخداما بذيئا، ومخالفا لمصلحة الإسلام والمسلمين.

والنظام السعودي أهم ناقل لأموال البترودولار المستردة إلى أمريكا والغرب، فهو أكبر مستورد في العالم للخدمات والأسلحة المتقدمة في السن والمحالة إلى التقاعد، أي التي خرجت للتو من دورة التسلح الأمريكي الإسرائيلي. وهو مستثمر عملاق في سندات الصرف الأمريكية غير القابلة للتحويل، أي الربوية الخالصة. وبما أن السعوديين لا يستحلون العائدات الربوية، فإنهم ينفقونها في وجوه دعم المواطن الأمريكي والمستوطنين في القدس وحدائق الحيوان في الغرب.

وأول استعمال للنظام السعودي لأسلحته المستوردة في قتل غير السعوديين، كان في قتل العراقييين والأيرانيين، والثاني كان في قتل العراقيين وحدهم، والثالث في قتل الصوماليين والرابع في قتل الحوثيين. وفي الحقيقة ربما يكون السعوديون، بحربهم الحوثية، قد بدآوا الحرب القادمة على إيران، من خلال مقاومة الإرهاب الحوثي للرمل بطائرات إف 16.

وإذا كان تركي الفيصل قد نال شرف مصافحة داني أيالون، فقد رقص العاهل السعودي قبله مع بوش بالسيف، ربما ليس لأنه كان يرغب في ذلك، ولكن لأنه لا يستطيع القول لبوش : لا ! فكيف يمكن إذن توقع أن يقول الفيصل لداني أيالون تلك الكلمة المهلكة حتى ولو كان يريد ذلك ؟ كانت رقصة العاهل السعودي مكرمة ملكية وداعية تجاه رئيس منتهي الصلاحية ليس لها أية أهمية، سوى لدى بعض النساء العراقيات والفلسطينيات واللبنانيات اللواتي أثكلهن بوش، ولكن من يقيم لأولئك النسوة العربيات وزنا ؟ أما المصافحة السعودية لداني أيلون فيمكن أن يقف لها شعر الرأس. لقد تخيلت الطائرات الأمريكية والأطلسية والإسرائيلية تطير من السعودية لتقصف إيران وتقتل وتدمر، كما فعلت في العراق. تخيلت إيران تقصف السعودية قصفا مكثفا وتسويها بالأرض. وتصورت ذلك يحدث في قطر وباقي دول الخليج الجميلة ويحيلها قاعا صفصفا. وتصورت الحرب تسفر عن احتلال غربي دائم للمنطقة ويصبح نفطها كله مثل النفط العراقي. ولكن العالم سيتغير أيضا إلى الأسوأ بالنسبة لأمريكا وحليفتها ويتفكك التحالف الغربي إلى القاعدة. ولن تتم أية مصافحات جديدة مع إسرائيل لأن ما يتبقى من الكيانات الأسرية العربية، سيلحق بالدالاي لاما.

لماذا لا يطالب المسلمون بتحرير مقدساتهم في السعودية من الإسرائيليين ويكتفون بالمطالبة بتحرير المقدسات الإسلامية في القدس فقط ؟ ألأن الإسرائيليين غير موجودين في السعودية بأشخاصهم كما في القدس، وإنما عن طريق وكلائهم من المستشارين والعسكريين والحكام ؟ إذا كان الإحتلال بالوكالة حلالا فالأمر بمنتهى السهولة. بإمكان إسرائيل أن تقدم حلا فاتيكانيا وتعلن استقلال المقدسات الإسلامية في القدس، ويختار المسلمون بأنفسهم من يقوم بحكمها وإدارة شؤونها باستقلال تام. وهناك حل آخر. لا يوجد من وهب حياته ورهن حريته ومصيره بمصير المقدسالت الإسلامية في القدس، مثل الشيخ رائد صلاح. وهو كما أعتقد مسلم بحق، ومخلص بحق، ولا يمكن الطعن في وطنيته ونزاهته. فإذا نجحت إسرائيل في إقناعه بتولي هذا المنصب، فلا حجة لأحد. فما دامت الوكالة مقبولة على الكعبة من جانب من لا يوثق به، فلماذا لا تكون مقبولة على الصخرة المشرفة من جانب من يوثق به من المسلمين ؟ وعلى هذا الغرار لماذا لا يتخلص الهجريون من إشكالاتهم مع التظاهر وأوهام السيادة، ويسمون الأشياء بأسمائها ويطالبون بكشف حقيقة الواقع العربي بتمامه، والجهر بكون الدول العربية وكالات أمريكية وصهيونية بالكامل والمقدسات الإسلامية محتلة في مكة كما هي محتلة في القدس ؟ لماذا لا تسمى الدول العربية منذ اليوم بالوكالات بدل أن تظل تسمي نفسها دولا، وتدفع نفقات الحماية والإحتلال من راتبها القومي ؟ لماذا لا تفعل ذلك لتبرر عداءها لإيران التي تدعم الحق افلسطيني، ومصافحتها لليد التي تقوم بإبادتهم؟

تجاوز كل شيء حد المعقول بمراحل، وصرنا رعايا لأعدائنا بدون احتلال. صار علي أكبر ملك عربي أن يرقص بالسيف مع كلب أمريكي مسعور ملوث بدمائنا. وعلى الإنسان العربي رجلا كان أو امرأة أن يعتاد الثكل والتشريد وتدنيس الكرامة، تحت عباءة الذل السيادي. نحن إذا لم نعاد أنفسنا إرهابيون. وإذا لم نعاد شرفنا وكرامتنا متعصبون. وإذا لم نعاد تاريخنا أصوليون. صرنا في حسابات القيمة التداولية صفرا تواجديا. لا قيمة سياسية أو اجتماعية أو اقتصادية أو ثقافية أو أخلاقية. بل أن قيمتنا الإنسانية أصبحت دون القيمة الشيئية، لأننا مشجوبون سلفا مدانون سلفا مرفوضون سلفا. انتهاكنا دما ووطنا وحقا وإنسانية مبرر سلفا لأنه مشجوب سلفا. أي أننا أصبحنا نمثل رموزية الدناءة في وجدان الناس. فلماذا نعيش ؟ ولماذا يتركوننا نعيش ؟ لأننا نعادي إنسانيتنا، ولأنهم يعرفون أن الموتى أفضل منا.