مثول بلير امام لجنة التحقيق ادانة له وللحرب القذرة على العراق!

جمال محمد تقي

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة العاشرة ـ العدد 2164 )

ضمير الرأي العام في لندن وواشنطن واغلب اصقاع العالم اصدر حكمه ومنذ اليوم الاول للحرب اللصوصية على العراق وشعبه الاعزل. حكمه كان واضحا في ادانة كل عناصر عصابة الحرب ـ الغزو والاحتلال ـ والمطالبة بمحاسبتهم كمجرمي حرب ومقامرين بارواح واموال شعوبهم تحت يافطة كاذبة ـ تحريرـ العراق، من برسكوني الى ازنار ومن ارتضى لنفسه وصمة العار، وبالتحديد بلير وقائده الارعن بوش لان المتبقين كانوا متلقين ومتحمسين بالحث لا اكثر، ولم يكونوا مخططين ومختلقي ذرائع، كالثنائي المتلازم والمنبوذ والذي جيش الجيوش واطلق العنان للفوضى الهدامة لتلعب لعبتها بعد ان اطلقت صواريخها الغبية صفارة التدمير!

بلير وبوش مطلقا السراح برغم الادلة الدامغة على ادانتهما، والسبب معروف ومكرر، انه كفالة ذات المصالح العليا التي دفعت لاتخاذ قرار الحرب نفسه والتي تمنح ممثليها الرئيسيين حصانة مسورة بسواتر يصعب خرقها وهي لا تسمح باكثر من نقد ولوم وتقارير وتوصيات تفيد بنقل الخبرة واخذ العبرة من دون الولوج الى النخاع المولد لمفردات الاستراتيجيات الفاسدة والتي تسبح في بلازما السياسة العامة والخاصة لمؤسسات الطغم الحاكمة التي ترشح عدد من الذين يمكن ان يؤدوا دور المديرين لاعمالها على جمهورالناخبين، وبكل الاحوال سيكون المدير من بين من تزكيهم تلك الطغم ـ المالية والصناعية والعسكرية والاعلامية والحزبية الزاخرة بجماعات الضغط ـ حيث يكون الثابت فيها متواصلا ومهما تغيرت الالوان الحزبية او الشخصية للحكومات المتتالية ـ فما الفرق بين حكومة تاتشر المحافظة وحكومة بلير العمالية من حيث الجوهر؟ ما لفرق بين بوش الاب الجمهوري وكلينتون الديمقراطي بل مالفرق الجوهري بين ادارة بوش الابن وادارة اوباما؟ ـ اما المتحول فيها فهوالتكتيكي والعابر، لم يكن بوش او بلير يغردان خارج السرب وعليه فان سياساتهما في القضايا الحيوية ليست من بنات خواطرهما وانما هي ما تؤشر عليه المؤسسة الحاكمة ببعديها الاقتصادي والعسكري، وان اختلف اسلوب الاداء، فاحزاب الحكم المهيمنة الجمهوري والديمقراطي والعمال والمحافظين كانوا جميعا ورغم التفاوت في بعض التفاصيل متفقين على خوض الحرب والحقيقة الشاخصة تقول انه لولا حجم الخسائر الكبيرة التي مني بها الجيشين الغازيين ـ الامريكي والبريطاني ـ فانه حتى اللوم والتأنيب الحالي الذي يوجه لادارتي بوش وبليرمن قبل بعض الواجهات الرسمية سيصبح من الصعب ملاحظته واعلانه، وسينسى الموضوع برمته كما نسيت قضايا وجرائم عديدة قبلها وربما بعدها!

المؤسسات الامبراطورية الحاكمة لا تنقلب على نفسها فتعترف بلاانسانية منهجها، ولكنها عندما تخسر معركة ما او تقع بفضيحة ما فانها تحاول امتصاصها باسلوب مناسب وبحرص للظهور بالحيادية في شخصنة الموضوع ومحاسبة الكبار فيه مثلما الصغار، وتستخدم في هكذا مناسبات كل الوسائل المتاحة للدفاع عن قيم النظام القائم بحيث يتم الاكتفاء بتصويرالمشكلة وحصرها بالاجراءات والاخطاء البيروقراطية وربما تجاوز الصلاحيات او المبالغة في تضخيم المخاطر او في التقليل من شانها!

الخريطة الجينية للحروب الكولونيالية وشيفرة سياسة العدوان على سيادة واستقلال الشعوب الاخرى واخضاعها للاجندة العولمية التي تستنسخها حاليا الطغم الحاكمة في امريكا وبريطانيا وغيرها من الدول الامبريالية لا يجري التعرض لها، وان اقتضى الامر فيحمل المسؤول الاول شخصيا تبعات المشكلة مع احتفاظه بكامل حصانته ان كان رئيسا اوقائدا عاما للقوات المسلحة او مديرا للمخابرات وفي اسوء الحالات يجبر على الاستقالة بعد ان يكون قد استنفذ دوره واحترق فلمه!

تعلمنا التجارب السابقة ان الخسائر فقط هي ما يجبر المتجبرين على مراجعة حساباتهم، فعندما حرقت هيروشيما ونكازاكي بالمحرقة المشعة لم يتوقف الامريكان للتحقيق في الموضوع رغم بشاعته ولاانسانيته وفداحة اثاره، ودول العالم المنتصرة والراي العام الامريكي لم يتوقفوا كثيرا عند الامر، فلا خسائر للامريكان وقتها بل كانت العملية وكانها ثأر من خسائر امريكا في اثناء تدمير اليابانيين لقاعدة هاربر، وهي مبررة عند الراي العام الامريكي لانها قطعت الطريق على السوفيات في التقدم صوب اليابان لاجبارها على الاستسلام، اليابان استسلمت للحلفاء وتحديدا للامريكان، وعليه لا يجري التوقف كثيرا عند المحرقة النووية!

حرب فيتنام كانت مغلفة بصراع بين النفوذين السوفياتي والامريكي على العالم، ورغم الخسائر الامريكية الكبيرة هناك لكن طبيعة الصراع العالمي الدائر جعلها تتحمل تلك الخسائر ومن دون حساب وكتاب وبالرغم من الصيحات المدوية للراي العام الامريكي الذي لم يكن ليقبل بنزيف ابناءه ومن دون افق ما، حتى اجبر الامريكان على القبول بصيغة المفاوضات المباشرة مع ثوار الجنوب الفيتنامي نتيجة لتعاظم الخسائر الامريكية هناك!

الحرب على العراق ليس لها اي مبرر تقليدي فالحرب الباردة قد انتهت، والصلات بالقاعدة اوامتلاك اسلحة الدمار الشامل مبررات غير مقنعة لها حتى لو كانت صحيحة فكيف الحال اذا ثبت بالدليل القاطع انها كانت مفبركة اصلا؟

الراي العام البريطاني الذي يتمحور اساسا في هذه القضية حول عوائل الجنود البريطانيين الذين زهقت ارواحهم في حرب العراق او الذين اصيبوا بها، الى جانب كل قوى اليسار ومنظمات حقوق الانسان والنقابات المعادية بالاساس لفكرة الحروب الاستعمارية وايضا سياسيو االوسط الذين يجدون بالتغول الامريكي والتبعية البريطانية له بحروب استباقية لا مبرر لها خطرا حقيقيا على السلم الاجتماعي الداخلي وعلى السلام العالمي الذي يتطلب المزيد من الاستقرار وخاصة بعد انتهاء الحرب الباردة، لعب دورا لا يستهان به لملاحقة بلير وادارته التي استهانت بارواح البريطانيين ناهيك عن العراقيين عندما صوروا الحرب على العراق بانها عملية جراحية لاستأصال الاستبداد وزرع الديمقراطية بعد نزع اسلحة الدمار الشامل منه، وتم فيها تضليل الشعب البريطاني حول جهوزية الجيش ومخابراته ومدى تفهمه لدوره، واستعداده لتحقيق المهمة مع جيوش الحلفاء بقدرة عالية وباقل الخسائر لان شعب العراق سيرحب بهم كما كانوا يشيعون!!

تبين من التحقيقات ان قرار الحرب على العراق اتخذه بلير منذ بداية عام 2002 بمعية بوش، وبقي القرار سريا حتى عام 2003 مما فوت الفرصة على الجيش البريطاني للاستعداد الجيد لتلك الحرب وهي مدة كافية للتاهيل لها والتحضير كل مستلزماتها التي لم تستكمل بسبب اخفاء حقيقة القرار المتخذ حتى وقت قريب من بدأ الحرب!

في شهادتها امام لجنة التحقيق الحكومية قالت وزيرة التنمية السابقة كليرت شورت : ان بلير قد كذب على الشعب عندما قال ان صدام قادرعلى ضرب بريطانيا باسلحة يمكنها ان تصل بسبعة دقائق، وهو قد كذب على الحكومة والبرلمان عندما اخفى قراره المسبق بدخول الحرب مع بوش!

رئيس اركان الجيش البريطاني قال في شهادته: الجيش البريطاني دخل الحرب دون استعداد كاف لها!

مثل بلير امام اللجنة ولمدة ستة ساعات متواصلة وكان متحمسا للدفاع عن نفسه وعن قراره وبمنطق مراوغ وانتقائي كرر فيه ما كان يقال لتبرير الحرب وتهرب من الاسئلة الصعبة الخاصة باستعدادات الجيش وتجهيزاته الناقصة وكون تنفيذ قرار الاشتراك بالحرب جاء مستعجلا في حين ان بلير نفسه كان قد قرر الاشتراك بها مبكرا، وهذا ما ادى الى ارتفاع حصيلة القتلى البريطانيين!

اضافة الى تهربه من الوقوف طويلا امام التداعيات الكارثية للحرب وخاصة على الشعب العراقي ومنها مقتل مئات الالوف من المدنيين ونزوح حوالي اربعة ملايين للخارج وتخريب الدولة العراقية والفوضى العامة والفساد الذي ساد منذ احتلال العراق وحتى الان!

استطلاعات الراي البريطانية الاخيرة تشير الى ان اكثر من 37 بالمئة من البريطانيين يطالبون بتقديم بلير للقضاء لمحاكمته فعليا، وهناك 40 بالمئة يطالبون بتقديم براون ايضا لكونه كان وزيرا للمالية في حكومة بلير وهو من اقرب مساعديه!

من المؤكد ان بلير سيفلت من المحاكمة القضائية لكن فساد موقفه والنتائج الخائبة للحرب ستضر بمستقبل حزبه وسيكون مقدمة لخسارته الحكم في الانتخابات القادمة!

بلير كان تبعيا وذيليا حد السخرية لبوش وسياسته هذا ما يستنتجه اغلب البريطانيين عندما يتابعون مجريات لجنة التحقيق، وهذا ما يلمسه اي بريطاني مبصرعندما يتابع مسيرة بلير نفسه ومنذ ان ترك الحكم مكرها مرورا بتوليه ادارة اللجنة الرباعية الدولية لمتابعة جهود السلام بين الفلسطينيين والاسرائيليين!