أما بعد… عليهم يا عرب

سعاد جروس

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة العاشرة ـ العدد 2169 )

توقع الكاتب ديفيد كرونين أن يلقى كتيبٌ صدر أخيراً بعنوان “تربيع الدائرة: العلاقات بين الاتحاد الأوروبي وإسرائيل وعملية السلام في الشرق الأوسط” إقبالاً واهتماماً كبيرين من جانب دوائر صنع القرار في المفوضية الأوروبية، وقال الكاتب في مقال نشرته وكالة (انتر بريس سيرفس): “إن جماعات الضغط الموالية لإسرائيل تُصعِّد مطالبها للاتحاد الأوروبي بإعادة توازن أولوياته وتوثيق روابطه بإسرائيل بغض النظر عن مسار السلام، ضمن حملة جديدة تشهدها أروقة المفوضية الأوروبية”.

وبحسب ما ذكره كرونين، أن الكتيب الذي ألفه إيمانويل اوتولينغي صدر عن مركز الدراسات الأوروبية؛ مركز الأبحاث الرسمي لشبكة الأحزاب الديمقراطية المسيحية والأحزاب المحافظة التي تهيمن حالياً على الحكومات الأوروبية. واوتولنغي مدير معهد “عبر الأطلسي” في بروكسل، وهو مركز البحوث الذي أسسته اللجنة الأميركية اليهودية في العام 2004، وهي اللجنة التي نجحت في إقناع الاتحاد الأوروبي بأن الانتقادات الموجهة لإسرائيل محض افتراءات عامة ضد اليهود. كما يذكر الكاتب أيضاً أن “مركز الاتحاد الأوروبي حول العنصرية وكراهية الأجانب” (الذي أعيدت تسميته لتصبح وكالة الحقوق الأساسية) والذي أعاد في العام 2005 تعريف مناهضة السامية، أعلن أنه وضع تعريفه بالتشاور مع اللجنة الأميركية اليهودية ورابطة مكافحة التشهير المشابهة للجنة في توجهاتها.

ينص التعريف على: أن الانتقادات التي تطعن بإسرائيل بمثابة “مسعى عنصري”. وكذلك الانتقادات التي تقارن الهجمات الإسرائيلية للفلسطينيين بالتصرفات النازية خلال الحرب العالمية الثانية، حيث قرر الاتحاد الأوروبي تعريفها على أنها مناهضة للسامية. وفي كتيبه الجديد يستند إيمانويل اوتولينغي إلى هذا التعريف في مطالبته الاتحاد الأوروبي إعلان الجهات المنتقدة لإسرائيل جهات “غير مؤهلة للحصول على تمويل من بنود ميزانية الاتحاد المعنية بالترويج لحقوق الإنسان والديمقراطية”. ويستغرب اوتولينغي أن يكون الاتحاد الأوروبي قد مول منظمات غير حكومية قامت بأنشطة تصف إسرائيل بالعنصرية.

هل هناك كلام أوضح من ذلك حول نشاطات الجماعات الموالية لإسرائيل في الضغط على الغرب، الذي يظهر سخاءه في دعم المنظمات غير الحكومية في مجتمعاتنا العربية؟ او هل هناك أوضح مما كتبه عبد الستار قاسم في (نشرة كنعان) حول مساعي الأوروبيين لجر العرب عموماً والفلسطينيين خصوصاً إلى التطبيع مع إسرائيل من خلال تمويل نشاطات في مجالات متنوعة تهدف إلى جمع الإسرائيليين مع العرب، في مؤتمرات وتجمعات متعددة في البلدان العربية وخارجها. ليس آخرها “اتحاد جامعات البحر الأبيض المتوسط” التي تضم جنباً إلى جنب جامعات إسرائيلية وأخرى غربية بعضها ليست متوسطية الى جانب جامعات عربية بعضها من دول الطوق!!

وإذا كان الكاتب عبد الستار القاسم يطالب الجامعات العربية بالانسحاب من هكذا اتحاد وربط مشاركتها بطرد الجامعات الإسرائيلية، فإننا لا نطالب بذلك رغم أحقيته ورغم أنه أيضاً أضعف الإيمان لما يمكن للعرب أن يفعلوه إزاء كيان معاد ماض في جرائمه، ولم يتوقف يوماً عن قتل وتشريد الفلسطينيين، ولا عن تهديد دول المنطقة وفي مقدمتها لبنان وسوريا بـ”حرب شاملة” ما لم تقبل بشروط تحقيق سلام يضمن أمن إسرائيل أولاً ومقابل لا شيء.

نقول لا نطالب بذلك، وإنما نطلب فقط من النخب العربية وبالأخص المتطلعين إلى الدعم الغربي بالتدقيق في هذا الدعم وهذه الدعوات، وقبول الرأي المخالف لرأيهم من دون استنفار مسبق للرد على الاتهام بالخيانة قبل أن يتهمهم أحد، بغية مصادرة أي طرح جدي عن الخروقات الإسرائيلية المتكاثرة للثقافة والمثقفين العرب، وتحويلها إلى محض نكايات شخصية، أو تنافس على المنافع ومصادر الرزق، كما جرى في المعركة الأخيرة التي تصدت لها بشجاعة أدبية تحسد عليها الروائية والباحثة الدكتورة ناديا خوست على صفحات الصحافة السورية الرسمية، وبدل أن تُشكر على جرأتها في زمن الجبن والتخاذل الثقافي العربي، خرجت جوقة “أنا ومن بعدي الطوفان” لتحول النقاش في قضية قومية ووطنية كبرى، تتعلق بالسياسات الثقافية الدولية، الى مماحكات تافهة تحركها اتهامات بالغيرة والحسد بين أشخاص رأسمالهم الكلمة، إن شاءوا كانت ممسحة زفر، وإن شاؤوا سماً ينفثونه في وجه من يظنون أنه يقف في طريقهم.

وُضعت الدكتورة خوست بكل سجلها الأدبي والوطني المرموق في قفص الاتهام بدعوى التخشب، إن لم نقل الرجعية والتخلف، مع أنها لم تستهدف في معركتها أشخاصاً بل مؤسسات ثقافية وإعلامية عربية تراجع دورها، وغفت على خزيها، وهي لم تتهم بالخيانة أحداً، وإنما تساءلت كما يحق لأي مواطن عربي معني بقضايا وطنه أن يتساءل، فكيف إذا كان أديباً ومثقفاً، أليس من واجبه التنبيه إلى الثغرات التي يمرَّر من خلالها التطبيع؟

ومن المؤسف فعلاً أن الصحيفة “الحكومية” والتي من المفترض أنها وطنية والتي تنشر فيها خوست مقالها الأسبوعي اختارت إدارتها الوقوف ضد خوست، وبما يخالف أبسط الأعراف المهنية، فعدا الإساءة المتعمدة في الطريقة غير اللائقة بإخراج مقالها الأسبوعي، ومنع أحد مقالاتها، التي تناولت موضوع الخروقات، من النشر في اللحظات الأخيرة، أتاحت إدارة الصحيفة شن هجوم مضاد على ما أوردته خوست؛ هجوم منذ بدايته سقط في الدائرة المفرغة (الاتهام ورد الاتهام)، وذلك بدل فسح المجال للنقاش وطرح جميع الآراء وبما يرتقي بالحوار الوطني، خصوصا وأن مقالات خوست استندت إلى معلومات، وهي على فرض أنها لم تكن حقيقية أو يخالطها اللبس فلا شك في أنها تستحق التفنيد، ورد الحجة بالحجة، لا ردود انفعالية تهويشية، من قماشة (عليهم يا عرب) بهدف خلط الأوراق وتغطية السماء بالعماء، فالقضية ليست ضغائن شخصية، وإنما سياسات إعلامية وثقافية لا يجوز ترك إدارتها لمن لا تعنيه شؤون الثقافة، لا من قريب ولا من بعيد، بل لا يرى فيها أكثر من نشاط ترفيهي لقطاع فقير يؤمه الفقراء.

والسؤال يبقى عن سياسات دول المواجهة، عما إذا كانت تؤيد الصمت عن التنبيه إلى الثغرات والى الخروقات الإسرائيلية والغربية؟ أم أن شؤون الثقافة معزولة عن التوجه السياسي العام، وعن قضايانا الأساسية في منطقة لا تزال آلة الاحتلال العسكرية تعيث بها فساداً وتفتيتاً من المحيط إلى الخليج.

:::::

“الكفاح العربي”، 12 شباط 2010