إلى جدّي “الساهر” على الجمر

سوسن مروّة

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة العاشرة ـ العدد 2169 )

لا يبدأ عندي الزمن منذ اللحظة -المناسَبة . أنت حاضر خارج المناسَبة – حدث الاغتيال الجسدي.

لا أستعيدك في مناسبات استشهادك ، بل إنني أهرب من تلك المناسبات التي تجمّدك في فضاء الذكرى حاجبةً ألق فكرك وحضورك الإنساني الغامر.. مقلٌّ للكلام أنتَ؛ لكنّ وجهك، بكلّ قسماته، يعكس فيضاً غامراً من الحب الذي يتجاوز أواصر الدم ليعمّ ” كلّ ما هو جميل وإنساني” وكلّ ما هو “عميق ونبيل”. هذا هو الإنسان الناظر إلى الحياة بتفاؤل الماركسي وقلق المفكّر وحبّ الفيلسوف.

حين تحضر ذكرى استشهادك تتوارد الأقلام لاجترار جمل عتيقة صُفّت بعناية وبقدر من الأناقة الأدبية فيغيب حسين مروّة : الإنسان والمناضل.. لم تكن فقط (وما تزال) ذلك المفكر الذي عبّد الطريق (من بين ثلّة من المفكرين) أمام الباحثين ليُعمِلوا أدواتهم النقدية في التراث الفكري العربي – الإسلامي وفي الأدب والنقد ضمن رؤية تقدمية ، بل أنت أيضاً قوّة المثال وطاقته التي تمدّنا بشحنات الصمود في زمن الردّة الفكرية والأخلاقية الثورية.. أنت الإنسان الذي سعى لأن يكون دوماً “شيوعياً نقياً” رافضاً في سلوكه اليومي ، وفي فكره، أيّ مساومة على مبادئه وإنسانيّته!

نعم، وُلدتَ شيخاً، يسري الخجل والحنوّ في شرايين تعامله الإنساني مع من حوله كما تسري جرأة الطرح وشجاعة الاختلاف في ثنايا فكره المتوهج الحرّ.. ومتَّ طفلاً يطرح الأسئلة تلو الأخرى في رحلة بحثٍ معرفيٍّ غير متعالٍ على الواقع وضرورات تغييره؛ فقطعت سرّة التقاليد والقوالب الجاهزة مؤسساً لمنهجٍ، تغيّرت لغةُ التعبير عنه واتّسعت آفاقه ولم تتغير منطلقاته، وزارعاً لبذرةٍ قد أثمرت الكثيرين من المناضلين الأحرار … وقد جمعت بين وقار السلوك والفكر ورزانته وبين فرح الأطفال وسعادتهم الغامرة المندفعة.

حسين مروّة نموذج ومثال لجميع المناضلين الذين ما زالوا ينظرون إلى الحياة كساحة للصراع والعمل في سبيل تحرر الشعوب من التبعية والاستغلال وتحقيق العدالة الاجتماعية . وما الصراع إن لم يكن ممارسةً وكفاحاً مثابرين لا يتورّعان عن التضحية بالوقت والمال والجهد من أجل قضايا شعوبنا العادلة والحقّة؟! .. وما الصراع إذن، إن لم يكن التحام الفكر بالممارسة في علاقة جدلية ومتلازمة عبّر عنها الشهيد مهدي عامل أدقّ وأفضل تعبير حين وصف هذا الفكر بالمناضل ” اليانع أبداً، اليقظ دائماً ” ..؟

في زمن الردّة؛ حيث ينظّر مرتزقة المرحلة (وبعض المناضلين السابقين) للاستسلام وللسقوط في أحضان المشاريع الاستعمارية المتجددة بزيّ مؤسسات التمويل المشبوه ومسمّيات تقبّل الآخر والتسامح والتعايش مع العدوّ وحيث يبرّر مناضلو المرحلة استسلامهم المذلّ ويأسهم بذرائع من قبيل الواقعية السياسية؛ لا يسعنا في هذه المرحلة، وأكثر من أي وقت مضى ، إلا أن نتمسك بنماذج من طراز حسين مروّة ومهدي عامل وناجي العلي وغيرهم من المناضلين الذين ظلّوا، وحتى اللحظة الأخيرة، أوفياء لمبادئهم- التي قد يعتبرها مناضلو الأمس الغابرين مرحلةً رومانسيةً ساذجة قد مضت وانقضت ـ وبذلوا حيواتهم دفاعاً عن إنسانيتهم .