الانتخابات الأوكرانية و معركة الفلوجة العراقية

د. ثائر دوري

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة العاشرة ـ العدد 2169 )

يمكن اعتبار كتاب بريجنسكي المعنون “رقعة الشطرنج الكبرى” على أنه الرؤية الاستراتيجية التي تحكم عمل الإدارات الأمريكية في البيت الأبيض من أجل إدامة الإمبرطورية الأمريكية في القرن الحادي والعشرين، أما الإختلاف بين بريجنسكي وبين المحافظين الجدد فهو اختلاف على الوسائل و ليس على الأهداف.

في هذا الكتاب فائق الأهمية يرسم الكاتب رؤية استراتيجية لكل دولة من دول العالم، ولكل منطقة في إطار الهيمنة الأمريكية على العالم، وما يعنينا هنا -بمناسبة نتائج الانتخابات الأوكرانية- رؤية بريجنسكي لاحتواء روسيا التي تعتبر استعادتها لعافيتها أمراً ممنوعاً أمريكياً لأنها بثرواتها، وسلاحها النووي، وحيويتها العلمية تشكل تهديداً مستمراً لمشروع القرن الأمريكي الجديد. في هذا الكتاب لا يَردُ حديث لبريجنسكي عن روسيا إلا ويذكر، قبله أو بعده، أوكرانيا. فبريجنسكي ومخططو القرن الأمريكي الجديد يعتبرون الهيمنة على أوكرانيا مفصلاً أساسياً في مشروعهم للهيمنة على روسيا وعلى أورآسيا.

“أوكرانيا دولة محورية لأن وجودها كدولة مستقلة يساعد على تحويل أو تغيير موقف روسيا، وهكذا، فإن روسيا بدون أوكرانيا لا تشكل امبرطورية أوراسية”.

ويلخص بريجنسكي الدور المحوري لأوكرانيا بالنسبة لروسيا بالتالي:

1- أنها دولة سلافية و بدونها و سكانها البالغين خمسين مليوناً لا يمكن لأي مشروع روسي ذي وجه سلافي أن يعيد تشكيل الفضاء السوفيتي السابق تحت قيادة روسيا.

2- ثرواتها الزراعية والصناعية الكبيرة.

3- موقعها على البحر الأسود حيث كانت أوديسا باباً حيوياً لروسيا للمتاجرة مع حوض المتوسط. كما أن مشكلة أسطول البحر الأسود الروسي قائمة. وبالتالي فحرمان روسيا من أوكرانيا يعني إبعادها عن المياه الدافئة التي يعني الوصول لها نهوض قوة عالمية.

4- موقعها في أوربا الوسطى و لعبها دور الحاجز بين أوربا و بين روسيا، فروسيا بدون أوكرنيا ستصبح دولة آسيوية، وربما تفقد خصائصها السلافية ديموغرافياً و جغرافياً. ويلخص بريجنسكي الأمر بأن أوكرانيا تستطيع لوحدها أن تكون ضمن أوربا، أما روسيا فلا تستطيع ذلك بدون أوكرانيا. و إبعاد أوكرانيا عن روسيا يعني إبعاد روسيا عن أوربا. وهذا حيوي لمشاريع الهيمنة الأمريكية فاندماج روسيا في أوربا ممنوع أمريكياً، لأنه خطر على السيطرة الأمريكية و قد رأينا أن موقفاً موحداً من التحالف الفرنسي – الألماني – الروسي أعاق استصدار قرار من مجلس الأمن يجيز غزو العراق ولو استمر هذا التحالف لغيّر وجه العالم.

الاستنتاج الأساسي الذي يخلص به المرء بعد قراءة النقاط السابقة أن سيطرة أمريكا على أوكرانيا عبر ضمها إلى حلف شمال الأطلسي لإبعادها عن روسيا نهائياً، بل واستخدامها قاعدة للانقضاض على روسيا يعد أمراً حيوياً لاستمرار السيطرة الأمريكية عبر أوراسيا، وذلك بإبقاء روسيا ضمن زجاجة محكمة الإغلاق.

في عام 2005 اندفع الأمريكان بقوة في الساحة الأوكرانية عبر ما سمي يومها بالثورة البرتقالية، وهي ثورة اشتركت في صناعتها أجهزة الاستخبارات الغربية مع منظمات ما يسمى بالمجتمع المدني الممولة من مؤسسات تابعة لسوريس و مادلين أولبرايت وأمثالهما. وبعدها بدأ يُطرح بقوة ضم أوكرانيا إلى حلف شمالي الأطلسي بالتزامن مع ضم القاعدة الأمريكية الأخرى على البحر الأسود نعني نظام سيكاشفيلي في جورجيا، الذي جاء هو الآخر بثورة ملونة أخرى، ثورة القرنفل. وهذا الأمر لو تم لأدى إلى خنق روسيا بشكل تام وصولاً لتفتيتها إلى ثلاث دول كما سبق و طرح بريجنسكي ذاته في مكان آخر.

لكن بين عامي 2005 – و 2010 بدا أن التاريخ قد دار دورة كاملة وعاد إلى نقطة البداية، فنفس الشخص الذي يُسمى مرشح موسكو والذي سبق وخسر انتخابات 2005 عاد ليربح انتخابات 2010. لكن التاريخ لا يعود للوراء بل هو في تقدم مستمر، فما الذي جرى؟

لمن أراد أن يفهم حقيقة ما جرى بين عامي 2005 – 2010 في أوكرانيا عليه أن يعود ليقرأ ما جرى في مدينة الفلوجة العراقية عام 2004 م. لقد أعطبت هذه المدينة العراقية الصغيرة مشروع الهيمنة الأمريكية “نحو قرن أمريكي جديد” على العالم.

لقد أعطب المقاومون في العراق، بشكل أساسي، ثم في لبنان و فلسطين مشروع الهيمنة الأمريكي على القرن الحالي فبدأ ينحسر على كل الجبهات ومنها الجبهة الروسية التي انتفضت على محاولات تطويقها فأدبت نظام سيكاشفيلي في جورجيا عام 2008 عسكريا، ثم تركته كورقة صفراء في الخريف تنتظر أول هبة ريح لتسقط، وهاهي تستعيد أوكرانيا عبر صناديق الاقتراع لتدق مسماراً إضافياً في نعش مشروع القرن الأمريكي.