إعادة بناء البلد (حلقة رابعة): رخاوة الأكاديميا…إصطياد العقول

واستعمار الأمن القومي/الفكري

د. عادل سمارة

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة العاشرة ـ العدد 2172 )

ملاحظة:

حفزتني على كتابة هذه الحلقة مقالة كل من الصديق د. عبد الستار قاسم، “تطبيع اتحاد الجامعات المتوسطية”، (كنعان الإلكترونية، 7 شباط 2010)، ومقالة الاديبة ناديا خوست،”ناديا خوست، تهاجم بشدة الساحة الثقافية الجديدة”، (كنعان الإلكترونية، 5 شباط 2010).

في غير موضع وسياق يحضرني عنوان كتاب جونار ميردال الدولة الرخوة. صحيح أن الكتاب كُرِّس لتحليل الدول المبتلاة بالفساد الذي تزرعه عادة الطبقات الحاكمة فيها، وهو ما أسميه في حالة الحكم الذاتي في الأرض المحتلة : الاقتصاد السياسي للفساد. لكن هذه المقالة تتعامل مع رخاوة الدولة[1] من مدخل آخر، هو الرخاوة تجاه قيمة مواطنها العلمية والتفريط بمتعلميها الشبان/ات. ولا أعني هنا نزيف العقول كما أُعتيد البحث في هذا النطاق، ولكن في احتلال العقول وتعليمها بطريقة خاصة ولهدف خاص ومن ثمَّ استخدامها داخل البلد وضد البلد نفسه، دعنا نسميها “الرخاوة الثقافية والأكاديمية”.

لا تتعلق الرخاوة التعليمية والأكاديمية كثيراً بدرجة السيادة السياسية للسلطة، فليست السيادة الكاملة، وإن كانت هامة وأساسية، شرطاً ضرورياً بحيث يقود غيابها أو ضعفها إلى رخاوة ثقافية وأكاديمية فالحفاظ على الثقافة مسألة ذاتية/وطنية/قومية إلى حد كبير. بمعنى أن فرصة التحكم بالوضع الثقافي والتعليمي وبالعلاقة الأكاديمية مع الخارج مسألة يمكن التحكم بها. وعليه، فإن تطبيق أو سحب الانفتاح الاقتصادي على العلم والثقافة والأكاديميا يؤدي إلى تقويض ثقافي وعلمي هائلين في البلد.

في هذا النطاق يحضرني ما كان قد كتبه زبجنيو بريجنسكي مستشار الأمن القومي الأميركي عن الحزب الديمقراطي في أوائل السبعينات، بأن على الولايات المتحدة اجتذاب مثقفي العالم الثالث بنوعيهم، الأقوياء والمزيفين. هو استهداف المثقفين بما أن المثقفين العضويين /المشتبكين بالضروة منهم يشكلون عصب الوعي، تركيز الوعي ومن ثم الشحن الكفاحي ضد المستعمر بحضوره العسكري او حضوره الاقتصادي في التبادل اللامتكافىء، بل حتى في التحكم بالاقتصاد نفسه. هؤلاء الذين سعى بريجنسكي لاصطيادهم لأنهم حين تشتد الرخاوة يغدو الاشتباك لديهم نمط حياة، ونظراَ لسفاهة أوغاد/ات المرحلة لا يزال اشتباكهم دفاعاً.

الحق في التعلُّم و”حقُ” من “أنفق”[2] على التعليم!

إن الأصل هو الحق في التعلُّم المجاني في كل مجتمع لأبنائه. فالعلم ليس سلعة تباع وتشترى لأنه نتاج إنساني عام لا يمكن نسب امتلاكه لأفراد أو جماعات. فالمعرفة ارقى حالة إنسانية، لذا، يجب أن يكون توزيعها وتعميمها طفحاً وطوعاً وقناعة إنسانية بدافعية ذاتية. هيحالة إنسانية يجب ان لا يتم تقزيمها إلى مستوى السلع المادية الصماء، رغم ما في هذه السلع من عملين (جُهدين) إنسانيين (حي وميت). فالتعليم يخاطب العقل، يشتغل على العقل من جهة ومن جهة ثانية، لا يتم استهلاك العلم (كمعرفة) كما هي حال السلع، تُستهلك وتُرمى سواء كانت معمِّرة أو استهلاكية. ربما كانت المعرفة هي الإنتاج الإنساني المتواصل دون انقطاع ودون اندثار، وهو الذي يُبنى جديده على قديمه. كثيرة هي الأدوات التي أنتجتها البشرية واستبدلتها ومضت، إلا المعرفة التي لكي نتقنها لا بد ان نفهم مبتداها.

وطالما للإنسان حقه في التعلُّم المجاني، فإن للوطن/المجتمع حق عليه في توظيف علمه للمجتمع، مع حقه على المجتمع بان يوفر له العيش الكريم. هذه العلاقة التبادلية بين الفرد والمجتمع لا تتأتى إلا في المجتمعات الحرة والمستقرة والديمقراطية. ولكن، حتى لو لم تنطبق هذه كلها على بعض المجتمعات، إلا أن بعضها متوفر في مجتمعات معينة، هي غالباً في المركز الراسمالي.

كان ذكر هذه المعادلة هو بقصد التوضيح بأن هناك حق في المُتعلِّم لمن انفق على تعليمه. وحتى الآن، نتحدث عن المثقفين والمتعلمين والأكاديميين الجاهزين، بغض النظر اين تعلموا محليا أم في الخارج. هو حديث عَّمن يقودون الرأي العام ويشحنوه ضد المستعمِر، بمعزل عن حضوره العسكري أو الثقافي والاقتصادي والسياسي والنفسي، وهو الأمر الذي كما اشرنا اقلق بريجنسكي. هذا الرجل الذي كان من الذكاء بمكان ليفهم نظرية غرامشي في المثقف ونظرية او ممارسة فرانز فانون[3] وتشي جيفارا، وليدرك أن المثقف/ة إذا ما تم تجنيده، أي تجنيد، بالمال أو بالمنح الدراسية، او بالتوريط الجنسي…الخ سيكون طابوراً خامساً بامتياز.

من إرسال البعثات إلى البحث عن المبعوثين

على الأقل منذ فترة حكم محمد علي في مصر، ألفنا قيام بلدان الشرق بإرسال مبعوثين للتعلُّم في الغرب (وألفنا إرسال رجال الدين مع المبعوثين لرعايتهم فيما يخص أمور دينهم وثقافتهم). كما فعلت ذلك اليابان التي نجت من مصير مصر، فقيل فيها: “لا يابان بعد اليابان”[4]. ترى هل كان يعرف محمد علي ما هي المركزانية الأوروبية، العرقية البيضاء، المصالح البيضاء، الثقافة البيضاء، الحقد الأبيض، أو الغرب والآخرين The West and the Rest? . ليس شرطا وليس بالضرورة. إنما من الواضح أن مصر تحديداً بما هي القطر العربي الأكثر اكتمالا كتشكيلة اجتماعية اقتصادية وبالتالي كمبنى ثقافي، كانت تتعاطى مع الغرب على اساس الندية. وهي ندية لا تنجم قط عن وجود التشكيلة المكتملة وحسب، بل عن وجود قيادة سياسية لها أهدافها ورؤيتها ومشروعها. كانت تلك القيادة بصدد إرسال مبعوثين ليعودوا إلى البلد ومن أجل البلد، وليس ليعودوا ادوات لبلد التعلُّم. وهذا ما حدث حقاً. فلا شك أن لثقافة المجتمعات الأخرى تاثيرها وهو ما قد يقود إلى الانطباع بها إن لم يكن طالب العلم محصّنا من مخاطر فيروس الكمبرادور الثقافي.

يقول أحمد المديني: “حرص عبد الله العروي على إدريس بطل روايته أوراق أن لا يذهب إلى الغرب إلا بعد أن اتضحت ملامح تكوينه المعرفي حيث كان قد اطلع على كبار الفلاسفة أمثال سارتر ونيتشة وديكارت وماركس …موازاة مع حدسه الوطني والقومي” … “سيرحل بنوع من النضج الفكري”.

إنما، هل يكفي النضج الفكري؟ أم وجوب التحامه بالاشتباك الكفاحي؟ وسؤالي الاعتراضي هذا لا يقوم على أرضية الرُهاب/ الفوبيا؟ ولكن حتى لو حصل، ولم لا؟ فالغرب الذي نتحدث عنه ليس فنزويللا ولا صين ماو، ولا الحزب الماركسي-اللينيني (النكسلايت) الذي يشن حرب الغُوار في 14 ولاية هندية، ولا نتحدث عن تحربة نيبال، بل عن المركز الراسمالي الغربي المعولم الذي يعتدي على مختلف بلدان العالم من اقتصادها إلى نظامها السياسي، إلى مخادع البشر. هو المركز بكل دهاليزه ومخابراته وتجسسه واحتجازه للتطور. ومن ينكر هذا، كأنما يستدعي الشك فيه…أمنياً!

استذكر بالمناسبة أني التقيت عام 1986، إن لم تخُنِّي الذاكرة، كاتباً وفيلسوفاً عربياً سورياً في لندن. جلسنا ذات مرة في كافيتريا كلية الدراسات الشرقية والسلافية SOAS وهي إحدى كليات/جامعات جامعة لندن. تحدثنا في أمور عدة، وخلالها، اشار إلى شاب يجلس في الزاوية المقابلة لمكان جلوسنا. كان يلبس الجينز سترة وبنطالاً مطرزة بطُبعٍ فضية وهي التي تلبسها هناك مجموعات الجبهة الوطنية -الفاشية، ويضع في اذنه قرطاً، وقال:

اتعرف ان هذا ابني؟

قلت لا.

قال: تحدثت له عنك، لكنه لم يرغب حتى بالتسليم عليك والحديث معك، إنه يتعلم هنا منذ فترة.

كان حديث الرجل واضحاً بأن إرسال شباب غير محصَّن ثقافيا يمكن ان يقود إلى حالة من تشوه الثقافة وفقدان الهوية وتوليد أشخاص محيَّرين بيت ثقافتين، أو كارهين لأصلهم. لكنني بتُّ أعتقد أن فرص التجنيد لا تتوقف عند طلبة المراحل الجامعية الأولى، فالتجنيد يمكن ان يتم عبر دوائر كاملة في الجامعات ولطلبة الدرسات العليا كذلك طالما رخاوة الدولة قد أفلتت الأكاديميا والثقافة لمن يدفع وهو ما يفسح السبيل للتخارج بألوانه !

تغيرت الأمور منذ محمد علي، وحتى منذ جمال عبد الناصر الذي عمَّم التعليم ليشمل ليس فقط ابناء الطبقة الوسطى بل كافة ابناء الطبقات الشعبية كتعليم مجاني. لم تعد الدول العربية معنية كثيراً بالإنفاق على التعليم، فربما الأفضل للقطرية انتشار الجهل والأميَّة، وهو ما نسمع به مؤخراً عن ارتفاع حاد في الأمية.

وبالمقابل، أخذت الدول الغربية بدءً من الولايات المتحدة إلى الاتحاد الأوروبي من شبه جزيرة إيبريا جنوباً إلى الدول الاسكندنافية شمالاً تغزو الوطن العربي لالتقاط طلبة للدراسات العليا موفرة لهم منحاً دراسية على حسابها وفي أحيان كثيرة تكون المنح محددة في بحث معين على الطالب أن يأخذه أو يفقد فرصة المنحة الدراسية take it or leave it.[5]

وقد استخدمت هذه الدول، لهذه الأغراض، أدواتها الكثيرة المبثوثة في المنطقة، طبعاً بما فيها المناطق المحتلة. وهذه الأدوات مكونة من فريقين:

□ أكاديميون ومثقفون محليون لهم ارتباطاتهم بالدول والأكاديميا الغربية سواء بتخارجهم الثقافي اللبرالي أو بكونهم موظفين فعليين، أو ذوي ارتباطات خاصة أو بناء على حالات طريفة وغريبة هي زواج بعضهم من نساء من هذا البلد أو تلك ليتم إثر ذلك خلق علاقة “صداقة خاصة” بين بلد الزوجة وبين جامعة أو مؤسسة أو بلدية أو غرفة تجارة في الأرض المحتلة!

□ أو فريق آخر أجنبي هي القنصليات والملحقيات الثقافية والجامعات ومنظمات الأنجزة الغربية والمراكز الثقافية…الخ.

وبما أن هذه الأدوات منتشرة في الدول والمواقع الرخوة، بسبب الرخاوة نفسها، فإن بوسعها تحديد الطلبة/ات النابهين[6] والتقاطهم في منح دراسية، كما اشرنا غالباً ما تكون لإجراء دراسات معينة بعناوين معينة.

في هذه الحالة، تحصل هذه الدول الغربية، وهي بالتأكيد معادية، وإن لم تكن معادية فهي مؤيدة للكيان الصهيوني بلا مواربة ولا حدود، تحصل على باحثين ومفكرين من الجنسين، بأبخس الأثمان. هذا في أحسن الأحوال، بينما يمكن أن يتحول بعض هؤلاء إلى مرتبطين بتلك الدول بدرجات ولأهداف تثير الكثير من الأسئلة والتساؤلات. فالأمور لا تنتهي عند إجراء البحث سواء كان بحثا مستقلاً، او بحثاً أكاديمياً، بل من يدري كيف تمتد العلاقة. فلنأخذ مثلاً، مؤسسة فورد فاونديشن التي هي مرتبطة بال سي.آي إيه، فالمساومة هنا هي بين فرد ودولة[7]؟ فهل هناك أفظع من ميلان هذا الميزان؟ والفرد هو من بيئة دولانية سياسية رخوة وتابعة في الأصل؟ من يستطيع التأكيد بان هذا الباحث لم يتحول إلى كاتب تقارير باسم البحث، أو حتى تقارير سرية[8] وخاصة في الأرض المحتلة حيث تنقسم البلد بين قابضين على الجمر، وبين مغرقين في خلع القيم قوىً وأفراداً!

وحتى بمعزل عن هذا الطالب/الباحث، لنسأل كيف يتصرف استاذ جامعي يرأس برنامجاً في جامعة معينة بتمويل من دولة معينة؟ فهو مطالب بأن يوفر تمويلا للبرنامج بغض النظر عن الوسائل؟ يكتب “بروبوزال- الإسم المحترم للاستجداء”، يترجى ، يكتب تقارير، يرشح طلبة نابهين دون ان يدروا بالمجهول الذاهبين، أو المأخوذين إليه،…الخ. المهم بالنسبة له أن تبقى الدائرة، ان يبقى البرنامج. وهنا، لولا الرخاوة، لما كان تمويل معظم دوائر الجامعات في الأرض المحتلة مثلاً هو عبر تقديم مقترحات تمويل إلى الدول الأجنبية التي هي بين دول المركز الكبرى المعادية لشعبنا وأمتنا أو دول غربية أخرى، هي إدوات لتنفيذ وتمرير سياسات الدول الكبرى والكيان الصهيوني بالطبع.

والحقيقة أن الغرب يضعنا هنا في إشكالية صعبة الحل. فليس بوسعنا اتهام أحد ما بأنه ارتبط هنا أو هناك، فمن يدري!. بل إن مجرد التشكيك هو إشكالية. ولكن كيف يكون لنا تقبُّل الناس كما يصفون ويقدمون أنفسهم ونحن تحت احتلالين: الصهيوني من جهة والدول الغربية (المانحة مالاً وبعثات من جهة ثانية) بل نحن تحت اختراقين!؟

صحيح أن مجرد الاضطرار للتحفظ من تحول افراد إلى خلايا ثقافية نائمة هو أمر مرعب، بل مرعب أكثر أن لا تكون نائمة ولكن غير معروفة. في هذا الصدد كتبت نادية خوست:

“… نقول لا نطالب بذلك، وإنما نطلب فقط من النخب العربية وبالأخص المتطلعين إلى الدعم الغربي بالتدقيق في هذا الدعم وهذه الدعوات، وقبول الرأي المخالف لرأيهم من دون استنفار مسبق للرد على الاتهام بالخيانة قبل أن يتهمهم أحد، بغية مصادرة أي طرح جدي عن الخروقات الإسرائيلية المتكاثرة للثقافة والمثقفين العرب، وتحويلها إلى محض نكايات شخصية، أو تنافس على المنافع ومصادر الرزق، كما جرى في المعركة الأخيرة التي تصدت لها بشجاعة”.

(الكفاح العربي، 12-2-2010 وكنعان ، 18-2- 2010).

وحديث خوست جاء للتحذير من الجوائز التي مُنحت لكتاب عرب معروفين. وأعتقد ان خطورة هذا لا تنحصر في تورط هؤلاء أو بعضهم عن وعي أو خبث، او صدفة بنشر أعمالهم إلى جانب صهاينة، بل الأخطر ان منح هذه الجوائز للمعروفين سوف يجتذب الكتاب الناشئين نحو الشهرة، فيدخلوا مطاهر التطبيع كما لو كانت أكاليل الغار. بل هي مثابة إغراء وإغواء للناشئين بالتخارج؟ فالعين إذن على القادم. ثم، أليست اكثر الجوائز نفاقاً جائزة نوبل؟ ألم تُمنح لنجيب محفوظ، رغم أن قدره الأدبي محفوظ لدينا، لأنه ايد كامب ديفيد؟ وها هي في عنق أوباما الغارق في الدم! هذا الغرب اللبرالي والحضاري الذي يرمي الجوائز شمالاً ويميناً ومنه بريطانيا، التي رفضت منح الشيح إمام عام 1985 تأشيرة دخول إلى لندن ولم نحصل له عليها إلا بعد عراك ثلاثة اشهر. وهي التي أخفت أوراق القاتل الحقيقي لناجي العلي. أليس هؤلاء مثقفين يستحقون جوائز!

إن المشكلة ابعد بكثير من مخاطر العلاقة بالصهيوني الذي اشارت إليه خوست على حق. فالدول الغربية تقوم بنفس الدور وأخطر لأن فرص المناورة لديها أوسع، مما يوجب التنبه إلى هذا.

صحيح أن الاتهام بالخيانة امر صعب ومعقد، وليس هذا شأن مبحث كهذا. لكن السؤال الأهم هو: من يُتابع هؤلاء ومن يدري؟

لعل المهم والمؤسف في هذا الصدد أن هذه الارتباطات ناجمة عن سياسة الانفتاح متعدد الوجوه. كل شيء مفتوح ومنفتح للغرب، لا أحد يراقب أحداً، نحن حالة ثوب من الثقوب، كل فرد يتفاوض ويساوم البعثات الثقافية والأكاديمية الغربية بمفرده كما أشرنا ! فما طبيعة النتائج التي نتوقعها بعد ذلك؟ أليس اقلها أن هذا الغرب سوف يتمكن، بل هو تمكن من بناء طوابير مثقفين على هواه[9]؟

دعنا نعود لمقياس اشرنا إليه أعلاه قد يسمح بشكوكنا، وهو أن ما يُنفق على الطالب في العلم هو جزء من الثروة القومية، وبالتالي عليه ان يسدد جزءاً من هذا الدَيْن بأن يعمل للبلد. فماذا عن هذا الذي أُنفق عليه من دول المركز أميركا، الاتحاد الأوروبي، أو اية دولة غربية أخرى بما فيها الحكومات غير الحكومية كأدوات في خدمة استراتيجية الولايات المتحدة في الوطن العربي وهي النرويج[10] والدانمارك والسويد كذلك. ما الذي يضمن أن أحد شروط الإنفاق على تعليمه هو القبول بمساومة ما مع فورد فاونديشن أو يو اس إيد على سبيل المثال؟ أو هل يشعر ان عليه الاحتفاظ بولاء للدولة التي أنفقت على تعليمه؟ ما هي حدود هذا الولاء؟ هل هو عرفان بالجميل، هل هو ولاء ثقافي، فكري سياسي مخابراتي؟ من يدري؟ أليس من يملك الثروة بقادر، ولو إلى درجة ما على التحكم بالمستفيد منها؟ والأهم: لماذا يهتم هذا المستعمِر العدو بتعليمنا؟ وهو كرأسمالي، هل يمكن أن لا يستثمر العلاقة هذه؟ من يرفض هذه التساؤلات يؤكد جهله برأس المال وبالاستعمار وبمجمل النظام العالمي. والخطورة ليست فيه وحسب بل على من يستمعون له!

مسؤولية من هذا؟

ليس إلا السلطة السياسية هي المسؤولة عن رعاياها. وعليه، حين تكون السلطة رخوة، لا تلعب دور المتابع، بل المحدِّد للعلاقة بين المواطن والأجنبي سواء دولة، مؤسسة أنجزة، مؤسسة اكاديميا، مؤسسة ثقافية..الخ. حين تغيب المتابعة، وحين لا تكون العلاقة عبر مؤسسة وطنية توفر فرص التعليم المجاني محلياً، وتحدد اية علاقة تعليمية بالأجنبي لتكون من خلال مجلس خبراء يعملون ضمنها، وترشح هي المبعثين، في غياب هذه كلها ينفلت المواطنون كل على هواه! ويصبح المجتمع سوقاً مفتوحة لمن يشتري من البضاعة المعروضة للبيع، كل شيء للبيع؟

في حالة مناطق الحكم الذاتي، ما من دولة أوروبية، حتى بُغاث أوروبا -أقصد دول اوروبا الشرقية- إلا ولها ممثلية في المناطق المحتلة، وخاصة في رام الله “موئل” التطبيع والمطبعين”. كل ممثلية أو مركز ثقافي أو منظمة أنجزة تتواصل مع المواطنين بحرية تامة. تقدم منحاً وتخلق صداقات وتقيم حفلات…الخ. حتى الدنمارك[11] التي لم يجف حبر الاحتجاج على الإساءة التي تمت فيها ضد الرسول الكريم تقيم لها مركزا ثقافيا وتتم إقامة لجان صداقة معها.

قد يقول البعض إذا كانت السلطة رخوة في هذا السياق، فإن على منظمات المجتمع المدني أن تتابع هذه الأمور وتضبطها. وهذا بالطبع قول متفائل، لأن هذه المنظمات ليست موجودة هنا بشكل حقيقي من جهة، ولأن ما يُفترض أنها منظمات مجتمع مدني هي نفسها مخترقة من منظمات المجتمع المدني الغربية التي تمثل مصالح حكوماتها، والقِوادة للهيمنة داخل بلدانها والسيطرة في الخارج، لتلك الحكومات. والاختراق يصل إلى الجامعات كليات وأفراداً، وإلى المنظمات السياسية والكثير من النقابات والاتحادات المهنية والنسائية…الخ

ولكن، لماذا السلطة وحدها؟ أليس من واجب الحركات السياسية متابعة أمور كهذه؟ أليست القوى السياسية هي حكومات الظل؟ أليس أمن الأكاديمي والمثقف وطالب الدراسات العليا هامَّاً كأمن عضو الحزب نفسه؟ ولكن، الرخاوة كما يبدو تطال هؤلاء كذلك، وهذا ما يتطلب التفكير والعمل على “التنمية بالحماية الشعبية” ، الحماية الشعبية للثقافة ايضاً. بصدد هذه الرخاوة، تجد على مكاتب قيادات حزبية كبيرة في الأرض المحتلة دعوات لحضور: “يوم الاستقلال الأميركي، عيد جلوس ملكة بريطانيا، احتفال في أوسلو بتوقيع اتفاقية اوسلو، وهناك كما كتب صحافي صهيوني عن كاتب فلسطيني وسيم حضر حفلة تطبيع: “كان لا يناقش بل يعرض ازيائه”…!

وهكذا، ما تولد عن الرخاوة هي حالة لا أحد يسائل أحداً، ولا أحد يحاسب أحداً. هل يمكن لمن يتمول من دولة ما، سلطة أو مؤسسة مدنية، أن ينتقد اختراقها لجامعة أو التقاطها لفرد كعميل ثقافي، كاتب تقارير مثلاً، أو “باحث” طبقاً لمفردات الالتواء؟

خلاصة القول، لا بد من مرجعية وطنية علمية ثقافية أكاديمية لتمول الجامعات ومنح المبعثين إلى الخارج، بدل أن يمولهما الأجنبي. ولتنسق العلاقة بالأجنبي، على الأقل كما كانت ايام محمد علي. ليس شرطاً أن تحدد هذه المرجعية موضوع البحث الأكاديمي ولا حتى التخصص، وإن كان هذا مفضَّلا النقاش فيه بين المتخصص والمرجعية، ولكن على الأقل أن تتابع هذه المرجعية وترتب علاقات رعاياها من المثقفين والأكاديميين والمؤسسات الأكاديمية بالأجنبي. ولماذا لا يكون هذا اختصاص مجلس التعليم العالي في الأرض المحتلة الذي من شروطه لقبول الشهادات أن يكون طالب الدراسات العليا قد تواجد في الجامعة لفترة حد ادنى معينة.

أختم بما كنت قرأته في الصحف البريطانية أن رؤساء الجامعات هناك، يقدمون تقاريراً دورية عن الطلبة في جامعاتهم إلى المخابرات البريطانية، ولا سيما الطلبة الأجانب. فهل يمنع هذا استخدام طلبة أجانب في تقديم تقارير عن بعضهم البعض، وأبحاثٍ عن أوطانهم هذا ناهيك عن عودتهم كدعاة للثقافة الغربية الرأسمالية/ثقافة السوق؟ أما وهذه الأمور رمادية إلى هذا الحد، فإن السؤال الصعب هو: هل يمكن للمقاومة[12]/العمل الثوري المشتبك في حالتنا أن تفتح ابوابها لهؤلاء كما تفعل الوظائف الرسمية والمدنية والأكاديمية؟ سؤال حساس، أما الإجابة عليه بالنفي فتحقق خطة بريجنسكي!


[1] هذا ما أشار إليه د. عبد الستار أعلاه بتورط الجامعات العربية في التطبيع نظراً لتراخي الدول القطرية، واشارت إليه خوست من مدخل آخر، في المصدر أعلاه، ب : ” تستغل مؤسسات خارجية هذه اللحظة التي يتراجع فيها دور الدولة في دعم الثقافة، وتقود فيها المؤسسات الثقافية شخصيات غير جذابة، ويتدنى فيها أجر الإنتاج الثقافي، ويغيب دورالثقافة كحصن في الدفاع الوطني، ويصور هيجان السوق وانحسار مشاريع التنمية أن الثقافة لم تعد ضرورية لزمن الاستثمار. تتقدم تلك المؤسسات الخارجية لصناعة نخبة ثقافية بعيدة عن الصراع العربي الإسرائيلي “

[2] يحضرني هنا عنوان كتاب فرنسيس ساوندرز “من يدفع للزمَّار”، الصادر بالعربية 2002، وهو كتاب غاية في القيمة حيث يكشف اساليب الغرب الراسمالي في تجنيد المثقفين (في بلدان العالم الثالث خاصة والحركات الشيوعية الحقيقية عامة) بالوانهم ضد الدول الاشتراكية السابقة وضد شعوبهم. وأعتقد أن وضع هذا الكتاب في قائمة التعليم المدرسي والجامعي هو تربية على وتأسيس للمقاومة لدى أمم المحيط باسرها، وخاصة الأمة العربية وبالأخص حالة المناطق المحتلة المخردقة بشراء الباحثين وطالبي الدراسات العليا.

[3] انظر بهذا الصدد دراسة عادل سمارة: “إدوارد سعيد بين ديالكتيك النص والطبقة، يغطيه النقد وتحرجه السياسة ويحاصره الاقتصاد السياسي”، في كنعان العدد 140 كانو ثاني 2010 ص ص 84-140.

[4] هذه مقولة مقصود بها أن اليابان وحدها خارج أوروبا هي التي انتقلت إلى الراسمالية دون أن يدمر تجربتها المركز الغربي العدواني بالمصلحة والثقافة والفطرة. لكن كاتب هذه السطور يجادل هنا، بأن الهدف كان “لا أوروبا بعد اوروبا” رغم نجاة اليابان، في حين لم تنجً مصر.

[5] من اللافت أن منظمات الأنجزة التي تتغطى بتسميات عديدة مثل الديمقراطية والتنمية وتعميم هاتين وغيرهما، تنشر إعلانات عن عشرات بل مئات المنح البحثية والدراسية وطباعة أطروحات…الخ ولا يدري المرء لماذا تُدفع لهؤلاء كل هذه المبالغ الوفيرة؟ فميزانية أنجزة كهذه اضخم من ميزانية وزارة!!

[6] هذا التعبير للصديق د. اسماعيل ناشف.

[7] هذه المساومة بين فرد ودولة عظمى، أو حتى دولة صغرى كالدنمارك مثلا، تذكرني بقصيدة الراحل د. عبد اللطيف عقل: “عبد الهادي يصارع دولة عظمى“!

[8] انظر كتاب “من يدفع للزمار” المشار إليه أعلاه.

[9] كلما تخيلت هذا التفاوض بين فرد يحتاج المنحة ويستهويه لقب (د)، ويحلم بالمال الوفير، وبين فريق من الساسة والأكاديميين والمخابرات الذين يمثلون دولة كاميركا، أو دولة عميلة لأميركا، لا تحضرني سوى غرفة التحقيق في المخابرات. ولكن الفارق بين الحالتين ليس فارقاً وحسب بل فالقاً! في غرفة التحقيق أنت في اشتبالك مع العدو، وفي غرفة المساومة الأكاديمية، أنت تترجى، وأنت تتقلَّب في أحضانهم، فمن الذي…!

[10] أما النرويج فما تزال ترعى مؤتمرات من توليدات أوسلو (هزات ارتدادية) مع مثقفين/ات فلسطينيين وعرب، وتنفق على برنامج دراسات ماجستير في جامعات محلية. والنرويج ليست أكثر من دولة قاعدة للسياسة الأميركية في المنطقة ولا سيما في فلسطين. إن الدراسة التي قامت بها منظمة الأنجزة النرويجية (فافو)هي التي وفرت قاعدة البيانات الشاملة عن المجتمع الفلسطيني في الضفة والقطاع لمن صنعوا اوسلو، وقد شارك عدد كبير من المحليين الذين عملوا في إنجاز هذه الدراسة شاركوا في محادثات مدريد ـ أوسلو وواصلوا العلاقة مع النرويج. فإذا كان هؤلاء قد واصلوا، لماذا لا يُواصل غيرهم؟ . ومع ذلك لم يسمع بعد اي صوت يطالب بنقد وكشف دور النرويج. (صدرت هذه الدراسة بالإنجليزية ومن ثم بالعربية عن مؤسسة الدراسات الفلسطينية، “المجتمع الفلسطيني في غزة والضفة الغربية والقدس العربية: بحث في الأوضاع الحياتية، 1994. وتؤكد مقدمة لها كتبها تيري رود لارسن أنه أجريت بإشراف وزارة الخارجية النرويجية، وتمويل مشترك مع فورد فاونديشن وأنها استغرقت خمسة أعوام وحظيت بقبول من السلطات الإسرائيلية…الخ.

[11] قبل ايام حضر إلى مكتبي المحاضر الدنماركي سونا هاوجبولي من جامعة كوبنهاجن متخصص في الدراسات الإقليمية وتفاعل الثقافات. جاء يسألني عن شعبية ناجي العلي وهل كانت اقوى إبان حياته او بعد اغتياله! تحدثنا، وفي النهاية قلت له: هل الاسكندنافيون آتون! أم إنهم هنا بقوة!

[12] خلال الانتفاضة الأولى دخل أحد خريجي التعليم الممنوح من المركز الإمبريالي إلى صفوف إحدى منظمات المقاومة، لكنه انتهى مع فريق كوبنهاجن!