عن وهم اسمه محمد البرادعي

د. ثائر دوري

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة العاشرة ـ العدد 2173 )

تجارة الوهم أكثر انواع التجارة ربحاً وأقلها رأسمالاً وتكلفة ، فكل ما تحتاجه شخصاً يملك قلباً قوياً ، وضميراً معدوماً .

والوهم بضاعة يمكن بيعها في كل الأماكن وفي كل المهن و لكل الأشخاص . يمكن أن يتاجر بها السياسيون ، والأطباء ، والمهندسون ، وبائعو الجملة و المفرق ، والمقبلون على الزواج ، والخارجون منه ، والأصحاء ، والمرضى ، والصغار والكبار ، والذكور ، والإناث . والوهم قد يبيعه الشخص لنفسه فيما يسمى بخداع النفس “أعلل النفس بالآمال ..” وقد يشتريه الشخص من غيره . وقد يكون بيع الوهم مقنوناً كحال بطاقات اليانصيب ، وقد يكون ممنوعاً كبيع المخدرات . وهناك أشخاص ، بل دول ، بل أنظمة اجتماعية متخصصة ببيع الأوهام كحال النظام العالمي الرأسمالي القائم على وهم إمكانية الصعود الاجتماعي من طبقة لأخرى . كما أن زعيمة النظام الولايات المتحدة تعتبر تجارة الوهم جزءاً من قوتها الناعمة ، فمن الوهم المسمى “الحلم الأمريكي” الذي باعته هوليوود لعشرات السنين وجنت منه مليارات الدولارات ، ودمرت به الاتحاد السوفيتي ومنظومته قبل أن تكتشف الشعوب بعد الأزمة الاقتصادية العالمية أنها كانت تشتري مخدراً لا وجود له على أرض الواقع ، إلى الوهم المسمى “رامبو” الذي اكتشف العالم أجمع في العراق أن عضلاته منفوخة بالسليكون ولا قيمة لها أمام الإرادة الإنسانية المصممة على نيل حريتها . لكن آلة صناعة الأوهام الأمريكية رغم كل النكبات التي أصيبت بها منذ عام 2003 وحتى اليوم لا تتوقف عن العمل فهي تصنع وهماً وراء الآخر .

تجارة الوهم ككل تجارة تحتاج إلى بائع ومشتري ، فالمشتري طرف أساسي في دائرة بيع الوهم ولولا اقباله على هذه السلعة لانهارت تجارة الوهم . والإقبال على تجارة الوهم يزداد في الأوضاع الميؤوس منها ، فالتعلق بالأوهام يشتد مع اشتداد الأزمة وكلما كانت الأزمة أكثر استفحالاً ولا حل لها انتشرت الحلول السحرية وبشكل أسرع . فمنسوب الأوهام يرتفع مع اشتداد الأزمات واستعصائها. ومن المؤسف أن ترى أناس أذكياء ناجحون مهنياً يتحولون أمام سطوة الأوهام إلى أطفال صغار ، فتراهم ينتظرون بابا نويل الذي سيخرج من المدخنة حاملاً هدية العيد . أو يقتنعون ويقنعون الآخرين أن السماء ستمطر ذهباً ، وأن العنقاء طائر حقيقي . فها هو شخص ذكي وروائي حساس استطاع في اعماله أن يشخص أمراض المجتمع المصري ، وكذلك صحفية ناجحة نراهم يتعلقون بوهم رجل اسمه محمد البرادعي ، ويقدمونه للناس على أنه الرجل القادم من بين الغمام ليشفي الأبرص ويجعل المشلول يمشي والأعمى يبصر ، وليحيي العظام وهي رميم !

محمد البرادعي رجل ترأس منظمة دولية هامة ، وكلمة دولية لا يعني أنها تابعة لكل دول العالم ، بل هي تخفيف لكلمة أمريكية ، فمنظمة الطاقة الذرية مثلها مثل مجلس الأمن ، مؤسسة دولية تملكها الولايات المتحدة وشركائها ، فالرجل كان يعمل عند الولايات المتحدة وشركائها ، ولم يعرف عنه روح التمرد فقد أدار المؤسسة كما أراد مجلس ادارتها الغربي إذ كان يشهر سلاح التفتيش على المنشآت النووية عندما يطلب الغرب ذلك ، كما فعل في حالات ليبيا والعراق وايران وكوريا الشمالية وسوريا ، أو كان يصمت صمت القبور ويصبح أعمى أصم أبكم عندما يطلب الغرب منه ذلك كما في حالة الملف النووي الصهيوني . وحتى عندما كان الملف العراقي على صفيح ساخن ، ومجلس الإدارة الغربي منقسم على نفسه فضل الرجل البقاء على مسافة من الشركاء الغربيين ، فلم يقترب من معارضي الحرب مثل الفرنسيين والألمان ، ولم يبتعد كثيراً عن دعاة الحرب ، الأمريكيين والبريطانيين ، فكان يعطي كل طرف الحجج التي تدعم موقفه ، مبقياً على خطوطه مفتوحة مع طرفي مجلس الإدارة دون أن يغيب عن باله ولو للحظة واحدة أن الولايات المتحدة هي الشريك الأكبر ، وبالتالي فرضاها هو الأهم ، ومقارنة محمد بهانز بليكس السويدي ، أي غير العربي وغير المسلم ، والذي كان في موقع مشابه لموقعه . هذه المقارنة ليست في صالح السيد البرادعي . وتقديراً لمواقفه كلها وتفانيه في خدمة الشركة التي يديرها فقد كافأه مجلس الإدارة بتعويض نهاية خدمة كبير وهو جائزة نوبل .

كان السيد البرادعي موظفاً مخلصاً لمجلس الإدارة الذي يدير مؤسسته ويدير العالم ، نعني الغرب ، وعلى رأسه الولايات المتحدة ، ولا أعتقد أن السيد البرادعي يتخيل لنفسه دوراً آخر غير هذا الدور ، دور مدير مؤسسة تابعة للغرب . فقد قضى حياة مهنية ناجحة بالمعايير الغربية ، وبمعايير النجاح المادي والمهني ، دون أن يعني ذلك أنها ناجحة من الزاوية الأخلاقية ومن زاوية الإنتماء القومي والديني والإنساني . رجل بهذه المواصفات لماذا نتوقع منه أن يدير مصر إذا وصل لحكمها بطريقة مختلفة ؟

هل أزمة مصر هي أزمة حكم شخص أو أسرة، حتى يعني استبدال الشخص أو الأسرة أن الأمور باتت تسير على ما يرام ؟ هل أزمة مصر أنها لا تدار بطريقة تابعة للغرب حتى نأتي بمدير غربي ناجح كالسيد البرادعي !

مصر مريضة بكامب ديفيد ، وبتبعيتها للنظام العالمي . مصر مريضة بالشيء الوحيد الذي يعرف محمد البرادعي فعله . فهل يكون الحل على طريقة “داوها بالتي كانت هي الداء”.

أيها الروائي الكبير وأيتها الصحافية الناجحة كفاكما تعلقاً وبيعاً للأوهام (لاحظ أن تاجر الوهم قد ينزلق ليجربه). وابحثوا عن حلول جدية لمشاكل مصر . كفاكم بيعاً لمخدر اسمه محمد البرادعي.