في خطاب “توازن الردع” المقاوم… عالم يتغير، ومنطقة حبلى، ومعطيات استراتيجية جديدة!

عبداللطيف مهنا

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة العاشرة ـ العدد 2173 )

كل يوم يمر يأتي معه بارهاصات تؤكد بأن المنطقة سوف تشهد بروزاً لمعطيات استراتيجية جديدة ومختلفة. معطيات سوف يكون من شأنها أن تعجل في زوال السائد المعهود وتبشر بمستجد تحولات لها ما بعدها. تحولات لا يمكن عزلها عن أخرى كونية أشمل بدأت تلوح وتلمس لمس اليد. هذا العالم يتغير والمنطقة حبلى بما يمور تحت سطحها الراكد الآسن الخانق. في مقال سابق تحدثنا عن التوتر الصيني الأمريكي. صفقة أسلحة تايوان الأمريكية ورد فعل الصين عليها وعلى استقبال واشنطن للدلاي لاما، الردالقاسي وغير المألوف صينياً، أو الغاضب الحازم المتوعد. وقلنا إنما هو بعض مما يقع لا محالة في سياق تحول قوى كوني قادم ولا راد له، وإن فيه ما هو المتوقع حكماً وقوعه بين مارد صاعد حاذق وعملاق هابط هائج مرتبك. وكنا قد عددنا بعضاً من سمات تآكل أحادية القطبية الأمريكية وبداية إنحدار الإمبراطورية الغائصة في رمال استباقياتها المتحركة، وأشرنا بالمقابل على تحول التنين الأصفر الفتي إلى قوة اقتصادية هي حتى الآن الثانية كونياً وتتجه إلى الأمام، الأمر الذي لزاماً سوف يدفع صاحبها لأن يلتمس بالضرورة دوراً كونياً قيادياً له يوازيها، وأن يسعى لأن يتبوأ مكانة لائقة بمنزلتها المحققة تُحجز له بجدارة بين المتربعين في قمرة إدارة هذا العالم، هذه التي لم تعد في المدى المنظور حكراً على الأمريكي المتسلط عليها والمتغطرس المنفرد بها.

وفي مقال سبقه، تعرضنا لما لاح حينها من أن إسرائيل قد بدأت تدق طبول الحرب، وقلنا أن ذاك الزمان الذي كانت تنعم فيه بالقدرة على شن حرب سريعة ماحقة مؤكدة النتائج ومضمونة الانتصار، أو تتلائم مع تفوقها العسكري واختلال موازينه الخرافية لصالحها، بالإضافة إلى مضمون تدثرها الدائم بغطاء دولي يعصمها من المسائلة ويرفعها فوق كل القوانين والشرائع والضوابط الإنسانية، قد ولى… وولت من ثم معه وإلى غير رجعة قدرتها على ابتلاع المزيد من الأراضي العربية، أو احتلالها مع البقاء فيها. وحيث وصلت قوتها وبالتالي قدرتها على التوسع إلى أقصى حدودها، فقد خلصنا إلى أنها لزاماً سوف تعد إلى العشرة قبل مجرد التفكير الجدي في الإقدام على شن حرب جديدة، لاسيما وهي تعيش كوابيس تجربتي حربيها في 2006 على لبنان و2008 على غزة… قلنا حينها أن إسرائيل لم ولن تشعل حرباً من حروبها إلا بعد حصولها على ضوء أخضر أمريكي، وأن أمريكا الراهن لا تحتمل حرباً مضافةً إلى حروبها الخاسرة في المنطقة… ورجحنا أنها إنما هي بعضاً من عربدة موظفة في حرب نفسية درجوا على شن مثيلاتها، من المتضح أن لها وظيفتها راهناً في سياق جاري الضغوط الغربية على قوى المقاومة ودول الممانعة في المنطقة، وجاري ما يتعلق بمعالجة مسألة البرنامج النووي الإيراني، خصوصاً بعد أن تخلت الإدارة الأوبامية عن ما دعتها سياسة “الإنخراط” حيال إيران وقفلت عائدةً إلى سابق سياسة “الإحتواء” التي درجت عليها سالفاتها الأمريكيات. ودللنا على ما ذهبنا إليه، بخفوت دبيب طبول الحرب الإسرائيلية، وتراجع داقيها عن عنتريات تصريحاتهم المهددة فور سماعهم رداً سورياً جاءهم حازماً ومباشراً، أنكم إن أشعلتم فتيل حرب فلا يمكنكم حصر ساحاتها ولن تنجو منها تجمعاتكم مدناً ومستعمرات.

في هذا المقال، لا مناص لنا من الإشارة إلى ما تقدم، حيث نحن نجد أنفسنا لا زلنا في ذات السياق ونحن نتعرض إلى الراهن الجاري، أو في تتبعنا لتلكم الإرهاصات التي تحمل لنا بشائر تلكم المتغيرات المشار إليها. هنا سنتعرض فحسب إلى اثنتين: الأولى آخر الصولات الأطلسية في بلاد الأفغان أو ماعرف بعملية “مشترك”، أو الحملة العسكرية الأطلسية وملحقها الأفغاني واسعة النطاق على المقاومة الأفغانية، أو معركة مرجة في إقليم هلمند. والثانية، هو ما نعت بحق بخطاب “توازن الردع”، الذي رسم فيه الأمين العام لحزب الله، قائد المقاومة اللبنانية، السيد حسن نصر الله، خطوطاً حمراً جديدة في الصراع، سوف يتوقف الإسرائيليون أمامها ملياً، فهم الذين يأخذون عادةً ما يقوله نصر الله على أكثر من محمل الجد. بدا مثل هذا واضحاً، من هذا الصمت الثقيل الذي ران عليهم على غير عادة، والتزامهم كبت ردود الأفعال الرسمية من جانبهم حتى الآن، بل والمسارعة إلى فرض التعتيم الإعلامي التام على الخطاب وإغفال ما جاء فيه، وطلب الرقابة العسكرية صاحبة القول الفصل عادة من مراسليهم ومحلليهم “ضبط النفس”، متعللة بأن جزءاً أساسياً من هذا الخطاب هو موجه إلى الداخل الإسرائيلي، وبالتالي ففيه ما يثير الخشية من زيادة حالة “الإحباط والإرباك” في هذا الداخل القلق!

قال لهم: من الآن فصاعداً، سندمر أبنية في تل أبيب مقابل بناء واحد تدمرونه في ضاحية بيروت الجنوبية. وسنضرب مطار بن غوريون إن ضربتم مطار الحريري… واستطرد: ميناء مقابل ميناء، ومصفاة مقابل مصفاة، ومحطة كهرباء مقابل محطة كهرباء، ومصنعاً مقابل مصنع… باختصار، بناكم التحتية مقابل بنانا… هل يمكن عزل هذه الثانية عن سابقتها الأولى… بل وسابقاتها؟!

لقد سبق خطاب “توازن الردع” هذا، كما أسلفنا، الرد السوري الحاسم على طبول الحرب الإسرائيلية التي لم تلبث بعيده أن سكنت، وتصريح الرئيس الإيراني، الذي توقع فيه أن الإسرائيليين يعدون العدة لحرب جديدة هذا الربيع أو الصيف الذي يليه، حيث توعدهم بأن المقاومات ومعها الدول الممانعة سوف “تسحقهم”… بعد ساعات لا أكثر، صرح نتنياهو رئيس الوزراء: إننا “لا نخطط لأي حرب”… وتتالت من ثم التصريحات المتراجعة… قال باراك، وزير الحرب، أنه يرى أن “لا حاجة لحرب أخرى” مع سوريا، وتلاه الداهية الأشر بيريز مهدئاً، أنه “لا يوجد أي نزاع بين إسرائيل ولبنان”! وكان الجنرال الأمريكي مولين قد صرح بعد زيارة لتل أبيب بأن إسرائيل تعهدت بأن لا تهاجم إيران “وحدها”… وكانت جولة أمريكية عمادها وزيرة الخارجية وبعض الجنرالات طاف أصحابها في المنطقة يحرضون ويستحثون فيها أصدقائهم للاحتشاد وراء سياساتهم الإحتوائية للمقاومين والممانعين على السواء… إذاً، لا يمكن فصل هذه عن تلك… ولدينا معطيات إستراتيجية جديدة تعلن عن نفسها، ولدينا ما يخبرنا بأنه ليس من حرب جديدة قد تنشب لن تكون شاملة، بمعنى أنه لم يعد سالف الاستفراد بجبهة واحدة متوفراً للإسرائيليين، والشرارة تطلق نيراناً إن اندلعت فلن يقو أحد على حصر ألسنة لهيبها. ومن الجلي اليوم أن المقاومات والممانعات على السواء قد أفادت من دروس حربي 2006، 2008 أيما إفادة. كما وأن الإسرائيليين والأمريكان أيضاً، قد أخذوا ثمين العبر من دروسها… لكنما نعود فنقول، أنما هم نتاج غزو وتكوين عدوان ولا يعيشون بلا حرب، وحروبهم علينا مستمرة استمرار وجودهم في بلادنا، وإن صمتت مدافعهم إلى حين، فلديهم بدائلها الموازية… مؤامرات لا تنقطع، واغتيالات لا تتوقف، والأخيرة لن يكون آخرها ما جرى في دبي، وحروب نفسية تدار على مدار الساعة وإثارة فتن لا تخمد… بالمناسبة، لم يكن رد الفعل الأوروبي الرسمي، لاسيما البريطاني، على إقدام الإسرائيليين على امتهان حرماتهم وسياداتهم باستخدام جوازات سفرهم لارتكاب جريمة اغتيال الشهيد القائد المبحوح بهذه الميوعة والارتباك إلا لاحتمال تواطئهم في تسهيل ارتكابها. وإلا ما سر لامبالاة الإسرائيليين وعدم خشيتهم البادية من تصاعد ردود فعلهم وتأكيدهم بأنها لن تكون أكثر كثيراً مما هي عليه الآن؟!

…والآن، ماذا عن أخبار موقعة مرجة الأفغانية التي دخلت أسبوعها الثاني وتقترب من الثالث ويقولون الآن أنها قد تحتاج شهراً؟!

يكفي أن نشير إلى أن الرئيس باراك أوباما قد عقد مجلساً حربياً قيل أنه لدراسة وتقييم آثار معركة مرجة، وحتى الآن لم يقل لنا أحد بعد ما الذي حققته حملتها العرمرمية الصاخبة؟! أو ما الذي أنجزوه سوى أن طالبان الآن لا زالت تذرع الجبال متنقلة بين ولاية وأخرى وتنفذ غاراتها وفق تكتيكاتها، وهم جل ما حققوه أنهم يجولون ويصولون بين أطلال بعض القرى المهدمة التي فتكوا بأطفالها ونسائها؟!

إن كل ما سمعناه حتى الآن، هو اعتراف قائد القوات البريطانية ب”قدر من المقاومة الشرسة…ولدينا في وسائل الإعلام الدولية أكداس من التحليلات وتوقعات الخبراء، بل وما يجزمون به، بأن خسارة أمريكا وأطلسييها للحرب في أفغانستان، التي تسيطر طالبان على عشرين محافظة من محافظاتها الأربعة والثلاثين، قد غدت من تحصيل الحاصل… أما في العراق، فتصوروا أنهم إذا ما غادروه، وسيغادروه، ما الذي سوف يتبقى لهم بين إطلاله من كل هذا الذي جلبوا أدواته معهم ورتبوه لينوب عنهم في حماية مصالحهم خلال الثمانية أعوام الدموية البشعة التي تلت الغزو؟… لم يعد السؤال هل سيتركون أفغانستان لأهلها، بل كيف سيغادرونها ومتى؟ وهل هذا الخروج سوف يختلف عن مثيله الذي كان في الفيتنام أو الصومال… أو بيروت؟ هل هو المختلف عن خروج السوفييت من هناك؟! قلنا ذات مرة إن استراتيجية أوباما الأفغانية التي أعلنها إنما هي لا تعدو استراتيجية هروب، واليوم نقول، لقد بدأ في تطبيقها… كيف؟!

في الفيتنام سبق أن كانت ذات الإستراتيجية التي نفذت بذات السيناريو… طلب المزيد من القوات… والمزيد… حتى هربوا!

إنها التحولات الكونية، والمعطيات الإستراتيجية الجديدة التي تلوح في منطقتنا، هذه الحبلى بما يمور تحت بادي سطحها المتكلس… التحولات المعجلة في زوال سائدها، هذا الذي بلغ انحطاطاً مريعاً لم يشهده تاريخها المتأخر على الأقل… تلك التحولات التي تبشر بجديد… جديد مهره ليس أكثر من رسم خطوطنا الحمر، والإنطلاق منها في مسير انبعاث إرادة مواجهة ستؤدي حتماً إلى انتصار لابد آت!