إنتخابات إتحاد الكتاب الفلسطينيين: ملاحظة قومية على خطاب شعوبي

د. عادل سمارة، رام الله المحتلة، 12 أيار (مايو) 2005

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة العاشرة ـ العدد 2174 )

ملاحظة من “كنعان”:

بمناسبة إنعقاد مؤتمر الاتحاد العام للكتاب والأدباء الفلسطينيين، يوم 20/2/2010 بمدينة البيرة المحتلة وما جرى فيه، رأينا انه من المفيد ان نستقي بعض العبرة من الماضي القريب.

نعيد اليوم نشر مقالة عادل سمارة والتي كنا قد نشرناها في “كنعان” الالكترونية يوم 12 أيار 2005، والتي تناولت مؤتمر وإنتخابات اتحاد الكتاب الفلسطينيين ـ فرع الداخل ـ الذي عقد آنذاك في رام الله يوم 6 أيار 2005.

* * *

جرت انتخابات اتحاد الكتاب الفلسطينيين – فرع الداخل – يوم 6 أيار 2005 في مدينة رام الله. وهو الاتحاد الذي كنت من مؤسسيه، ومضى على مقاطعتي له اكثر من عشرين عاماً لأجده في أحسن الأحوال كما كان.

وبعيداً عن الحديث في القوائم والكوتا المباشرة وغير المباشرة وعن حصص الداخل والخارج ومختلف الترتيبات السياسية الفصائلية، والترتيبات السياسية البحتة وليس النقابية، أودُّ قول كلمة في أمر لم أتوقعه حيث لفت نظري ذلك التمسك بالتراث الاقليمي الفلسطيني الذي ليس سوى نقطة او حفرة سوداء في سجل منظمة التحرير الفلسطينية.

تحدث اكثر من شخص كتقديم للعملية الانتخابية. ورغم ان تلك الكلمات بروتوكولية ليس أكثر، إلا أن اكثر من واحدة منها تم استغلالها للهجوم على العرب. على العرب عموماً وأحيانا على الانظمة العربية. كان ذلك الهجوم المعلن والمغلف في غير مكانه بالتمام والكمال. ولكن الذين تفوهوا به لم يخرجوا بعد ولم يتجاوزوا تراث م.ت.ف القديم الذي طالما اعتبر ان كل فلسطيني وكل فعل فلسطيني مقدس ومطلق، وأن الخلل والتقصير والخراب والدمار والتخلف والفساد والمساومة والعجز… هو من العرب وللعرب، بل من “أولئك” العرب الذين “لسنا” منهم.

يبدو لي ان هذا النمط من التفكير ليس سوى انعكاسا للشعور بالتقصير والخلل، ليس سوى تغطية على فشل مشروع التحرير وتقزيمه الى الحجم الطبيعي لقوى المقاومة الفلسطينية التي لم ترتق قامتها عن الحصول على أكثر من حكم ذاتي. وهو ما يتأكد كل يوم بعيدا عن الخطب الرنانة والظواهر الصوتية التي لا تحتاج الى مكبرات الصوت. ها نحن تحت حكم ذاتي، وعاصمته رام الله. وليس الزعم ب “عاصمتها القدس الشريف” سوى فذلكة وترديداً لكلام مجرد كلام.

لولا الشعور بالعجز والتقصير، لما كان من معنى لاستغلال كل لحظة للهجوم على العرب، ولا سيما التلميح ضد سوريا. فهل معركتنا مع العرب وسوريا؟ كما نعرف معركتنا مع الكيان الصهيوني والطبقات الحاكمة في امريكا وبريطاينا وسائر الغرب الراسمالي. فكيف لنا ان نهاجم سوريا والعرب الآخرين في حين ان شمعون بيرس هو الذي يراقب مثقفينا ويرسم لهم حدود الكتابة عن الكيان الصهيوني؟ كيف لنا ان نصور الخلل والخذلان من سوريا والعرب بينما ديفيد بيرس القنصل الاميركي العام في القدس يتربع على صفحات صحفنا الرئيسية ليشرح لنا كيف نعامل المرأة وكيف نتدقرط، ولا يبقى عليه إلا ان يقول لنا كيف نتصرف ليلة الزفاف!

لم يدفعنا العرب إلى أوسلو، بل إندفعنا اليها بعشق محموم وموبوء. ولم تدفعنا سوريا الى أوسلو. صحيح ان الشارع العربي لم يفعل ما يجب ان يفعله كواجب قومي. ولكن ورطة أوسلو “هدَّت حيل” عرب كثيرين. ناهيك عن ان الانظمة العربية تقف لذبح كل من يحاول الشعور بإنسانيته في الوطن العربي، فكيف لهذا ان يتمكن من خدمة المشروع القومي وفي القلب منه القضية الفلسطينية. لكن هؤلاء العرب التطبيعيين، يقيمون “افضل” العلاقات مع السلطة بل مع القيادات الفلسطينة عامة. فهل يُلاموا وحدهم؟

لقد تمتعت الاقليمية والقطرية بعدة عقود من الترويج والتسويق لها. ويبدو أنه آن الأوان لدفن هذا النتَنْ. ويجب أن تكون البداية من الارض المحتلة، لا أن تكون الارض المحتلة مفرخة جديدة لما بدأ العرب يغادرونه ويلقون به خلفهم كبعض أوساخ الماضي.

لقد اعتاد الكثير من الكتّاب والمثقفين الفلسطينيين على الاستقواء بالضعف. فهم يعانقون الكتّاب والمثقفين الصهاينة ويعترفون بالكيان الصهيوني ويزعمون ان هذه علامة قوة ثقافية وفكرية. وهم يمارسون التطبيع ويعتبرون ذلك حداثة، او ما بعد حداثة في العلاقات الثقافية! حبذا لو يتمكنوا من “إسقاط هذين الَحدِثينْ الاكبر والاصغر”. أي الإقرار باحتلال 1948 واحتلال 1967.

إذا كانت هناك من مهمة للكتاب، أيُّ كُتَّاب، فهي الحفاظ على الذاكرة، وإنارة الطريق للأيام المقبلة، والانحياز عضويا للاكثرية الشعبية وللمساحة القومية العربية، ولعالم أوسع ولكن خارج رأسمالية الكمبرادور الفلسطيني والعربي وخارج راسمالية الحرب والعولمة. فمن الجريمة ان نقول للجيل الشاب كلاماً إقليمياً ضيق الأُفق حتى لو خدم هذا التجهيل في التغطية على هرولة الكثيرين منا.

كان يمكن لاتحاد الكتاب أن يقول للناس، قررنا نحن الكتاب في الارض المحتلة ان نكون نموذجاً للفلسطينيين والعرب على مقاطعة منتجات ومؤسسات وقنصليات الكيان الصهيوني والولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا والغرب الرأسمالي عامة اللذين يحتلون فلسطين والعراق. قررنا ان نقول لكل سيدة عربية أن بوسعها مقاطعة هؤلاء ببساطة لأنه وإن كان بوسع الاستعمار ان يحتل بلدي، وأن يرغمني على الشغل في مناجمه، فهو لا يستطيع إرغامي على شراء منتجاته. قررنا ان نكون نموذجاً ضد الاستهلاكية كي لا نقدم لمنتجات جبهة الاعداء ثمنا للرصاص الذي يقتلون به شعبنا في فلسطين والعراق. بهذا يمكن ان يكون اتحاد الكتاب “غابة البنادق” الحقيقية.