تشيخــوف..حفــاوة جديرة بالتقليد

بسام الهلسه

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة العاشرة ـ العدد 2176 )

ثمة ما يوجب النظر باحترام لاحتفالات التكريم التي تقام إحتفاءاً بذكرى الراحِلين من الرجال والنساء الذين قدموا مساهماتٍ مميزة لأممهم أو للبشرية.

ففي التكريم ما يحمل معاني العرفان والتقدير لصنيعهم من قبل الأجيال اللاحقة، وفيه تنبيه وتأكيد مفيدٌ وضروري لمن يعملون حالياً، بأن اعمالهم لن تضيع سدى حتى لو حُوربت أو لو لم يُلتفت إليها الآن، وفي هذا ما يحضُّهم على المضي فيما هم فيه من أعمال بغض النظر عن النتائج المباشرة.

ورغم أن على الأجيال الجديدة أن تتجاوز أسلافها الماضين، وأن لا تتوقف أسيرة عند حدود معطياتهم، وأن تعمل على تحقيق ذاتها ومنجزاتها بالدرجة الأولى، فإن احتفاءها بهم لا يقلل من قدرها، بل يؤكد مكانتها كأجيالٍ وأمم حية قادرة على التعامل بثقة مع الماضي، تماماً كما تتعامل مع الحاضر وتعد للمستقبل، اللذين هما ميدان إختبارها وتحدِّيها.

* * *

ما دعاني لهذا الحديث هو الاحتفالات التي تقام في روسيا وبلدان أُخرى من العالم بالذكرى المائة والخمسين لمولد القاص والمسرحي الكبير “انطون تشيخوف” الذي ولد في أواخر شهر يناير- كانون الثاني 1860م. فتقديراً من الروس لكاتبهم الكبير أطلقوا على هذا العام “عام تشيخوف”، وباشروا سلسلة طويلة من الفعاليات والأنشطة الثقافية التي تشمل إعادة نشر أعماله التي تضمها مجلدات عديدة، وتقديم عروض جديدة لمسرحياته، وإقامة الندوات للحديث عنه وعن مساهماته، وطباعة كتب وأفلام جديدة تتناول سيرته، وتعميم هذه الفعاليات لتشمل كل فئات الأمة الروسية ومناطقها، ولتمتد إلى عواصم ومدن كثيرة في العالم تعرفُ لتشيخوف مكانته كرائد من رواد القصة القصيرة الكبار في العالم، إلى جانب الأميركي “إدغار ألن بو” والفرنسي “غي دي موباسان”، وهم الأساتذة الذين تتلمذت عليهم أجيال وأجيال؛ وما زالت محسوسة إلى الآن آثارهم الريادية، يعرفها ويعرف قدرها كلُّ من له إهتمام بالقصة القصيرة.

* * *

في الحفاوة بتشيخوف، يؤكد الروس أنهم ليسوا أمة روائيين كبار فقط: تولستوي، ليرمنتوف، تورجنيف، دوستويفسكي، غوركي… وإنما هم أيضاً أُمة مبدعين في الحقول الأدبية والفنية الأخرى: الشعر، المسرح، القصة، النقد، الموسيقا، السينما… والعالَمُ المثقف يعرف -بهذا القدر أو ذاك- أسماء وأعمال مبدعيهم الكبار أمثال: بوشكين، غوغول، ايزنشتاين، تشايكوفسكي، ماياكوفسكي…

وقد كان القرن التاسع عشر، والنصف الأول من القرن العشرين، هما الفترة التي شهدت الولادات الخصبة الروسية في العطاء الأدبي والفني، بفعل النهضة التي باشرها القيصر “بطرس الكبير” في القرن الثامن عشر وتأججت في الثورة الكبرى عام 1917، وبفعل التَّماس متعدد الأشكال والمستويات مع أمم أوروبا الغربية المتفوقة، وما فرضه على روسيا من تحدٍ وصراع اشتبكت فيه تيارات فكرية وسياسية وثقافية واجتماعية متباينة.

في معظم الحالات تميَّز الأدباء الروس بروح نقدية تجاه أوضاع بلادهم المتردية، وإتسموا بحِسٍّ عالٍ من المسؤولية تجاه أمتهم وما تعانيه أغلبيتها من بؤس وتخلف وظلم وقهر، وانحازت أغلبيتهم إلى صفوف الناس البسطاء المهانين، وإلى خيار التغيير والتجديد وآفاقه الواعدة بمستقبل أفضل. بل ان عدداً منهم اشترك فعلاً في جماعات ثورية مقاومة للنظام القيصري ودفعوا ثمن آرائهم ومواقفهم: سجناً ونفياً وإضطهاداً.

وكان “انطون بافلوفتش تشيخوف” واحداً من هؤلاء الذين إصطفوا، في أدبهم وفي مواقفهم، إلى جانب الإنسان العادي البسيط، في معاناته وفي صبواته، ودافعوا عن حقه في حياة كريمة لائقة غير تلك التي فرضها عليه القياصرة والنبلاء والاقطاعيون واضرابهم. وهذا ما رفعه إلى المكانة العالية التي يستحقها لدى الروس، ولدى الأمم الأخرى التي ترفض الظلم وتقف إلى جانب المستضعفين. أما إبداعه في بناء القصة القصيرة الحديثة وتكوين سِماتها وعناصرها الخاصة المميزة، فهو حاضر في الذاكرة رغم ما طرأ على القصة من تحولات وتجديدات. فرغم عمره القصير (توفي في صيف العام 1904م)، إلا أن ما قدمه كبير وكثير.. وهذا ما جعل إحترام الأجيال التالية له، وحفاوتها به، واجِبين.

* * *

بمناسبة “سنة تشيخوف”، نأمل من العرب -دولاً ومؤسسات حكومية وهيئات أهلية- أن يقلدوا الروس في الاحتفاء بعظمائهم، ما داموا مولعين بالتقليد في معظم شؤونهم. فهذا -على كل حال- تقليد مرغوبٌ لا يتعارض، بل يتكامل، مع التجديد المطلوب..

فالأمم التي تستحي من ماضيها، كالأمم التي تتجمَّد عنده، أو الأمم التي تتماها بالآخرين وتسلمهم حاضرها ومستقبلها: تستحق الرثاء لا الاحترام.

:::::

alhalaseh@gmail.com