كوتا م.ت.ف لا انتخابات اتحاد كتَّاب… من أجل اتحاد آخر لكتَّاب آخرين

د. عادل سمارة ـ رام الله المحتلة

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة العاشرة ـ العدد 2176 )

“ما قيمة سلاح لا يشتبك، وما قيمة وعي لا ينتقد، وما قيمة فكر لا يلتصق بالمعاناة، وما قيمة امرىءٍ لا يغضب لوطنه بينما تصيح الأرض واللغة وامعتصماه”.

أعدنا في “كنعان” الالكترونية، العدد 2173 الصادر قبل يومين، نشر مقالة كتبتها عن اتحاد الكتاب في الضفة والقطاع منذ خمس سنوات، وكنت أنتقد فيها اداء الكتاب المحليين في المستوى السياسي قبل تلك الفترة ولا سيما في كارثة وفضيحة التطبيع. وقد أجزت لنفسي ذلك حينها، وقبلها والآن بما أنا عضو ومؤسس لاتحادي الصحفيين والكتاب. لقد علمتنا الحياة بل التحديات، أنه بالنقد وحده، بالنقد المشتبك تتجدد الإنسانية فكراً واجتماعاً وإنتاجاً. والحديث النقدي هو الذي يعيش. لذا، وللأسف والمرارة، حين قرأت تلك المقالة المكتوبة قبل خمس سنوات، شعرت كأنها كتبت اليوم وعن شخوص اليوم.

خمس سنوات لا تكفي للقبض على لحظة السقوط. لا بد من رجعة إلى الوراء أعمق، إلى لحظة النشوء في النصف الأول من سبعينات القرن العشرين حين كنا وحدنا في مواجهة الكيان الصهيوني الإشكنازي. كانت م.ت.ف مشغولة في تجهيز نفسها للاستسلام لأوسلو عبر دولة النرويج التي لعبت في تلك اللحظة دور “القِوادة” للمشروع الإمبرالي/الصهيوني. لم تكن قيادة م.ت.ف قد تنبهت بعد إلى وجوب احتواء المثقفين المحليين. عندها، او لذا، كنا نحن نَبْتاً بَرِّياً، ولا أجمل بالطبع.

في تلك الفترة من غفلتهم عنا، أنشأنا من الصفر، المسرح المقاوم[1]، واتحاد الكتاب والصحفيين، وانفقنا على كل شيىء مما لدينا وهو أقل القليل. لكن غقلتهم لم تدم. نعم، كانوا يجهزون أنفسهم للدخول في بطن العدو. لذا كان عليهم اختراق النبت البري ببذور مهجَّنة لا علاقة لها بالبيئة، وذلك تماماً كما تقضي الشركات الزراعية الكبرى على الزراعة الطبيعية في المحيط بإدخال أنواع أو منتجات أنواع ذات قدرة إغراق للسوق هائلة.

بدأ الطوفان التمويلي مع الربع الأخير من سبعينات القرن الماضي، اي لم يمهلونا طويلاً. وعبر ذلك سقط من سقط وصمد من صمد. ويكفي للباحث الحاذق أن يقرأ اسماء من كانوا في الحركة الثقافية آنذاك، ليجد العديد منهم في الحركة الأوسلوية اليوم، بين مفاوض في مدريد، وآخر في أوسلو وسفير ووزير ونائب وقائد وعقيد ووكيل وزارة… مما يسمى بالجنسين طبعاً.

ماذا يفعل الزمَّار إذن، لمن يعزف وهو يعمل بالأجرة؟ لمن يدفع. فطالما هو زمَّار لا موسيقي، وطالما هو متكسب لا فنان، فيجب أن ينخَّ لشروط حامل كيس المال.

من المذنب إذن، الزمار أم حامل كيس المال؟

نعم، المعصية مشتركة، لكن من يرتزق هو المذنب بحق نفسه وحق مهمته. فما أن بدا تدفق المال السياسي، مال التسوية حتى نخَّ الكثيرون/ات. وأصبحت الهيئة الإدارية وخاصة رئاستها في الاتحادين لمن يحمل كيس المال. ومن حينها حتى قبل ايام خلت، لم يتغير شيئ.

لقد اثرنا احتجاجات كثيرة، وكتبنا اكثر، ولكن كما كتب ذو الإصبع العدواني قبل قرون طويلة، أطول من قرون الوعل:

وإذا المنية أنشبت أظفارها ألفيت كل تميمة لا تنفعُ

كان ما كتبناه من نقد في غير مرحلته، ودون قالبة قانونية للوعي والتنظيم، كان مثابة رُقىً وتعاويذ وتمائم صادقة مخلصة ودافئ، لكنها، لم تطرد الجن. كان ولا يزال للمال بريقه. فمن يؤمن بالعملة والدولة لا تتجاوز إنسانيته مرحلة تسليع البشر، وسيسعد بأن يُباع ويُشرى، بل يبيع نفسه.

إن لم تخنَّي الذاكرة، التقينا عام 1978 في منزل مأمون السيد وكان رئيس تحرير صحيفة الفجر، بعد أن جرى طردنا نحن الكادر الماركسي والشيوعي منها طرداً شاملاً عام 1977، وحضر اللقاء أكرم هنية عن فتح وعبد اللطيف غيث عن الشعبية وبشير البرغوثي عن الحزب الشيوعي (قبل تغيير اسمه) وأنا عن نفسي ولا أذكر البقية. كان اللقاء لتوزيع مقاعد رابطة الصحافيين. ملخص القول أن بادر أكرم هنية بأخذ الرئاسة له كممثل لفتح. وافق الجميع واعترضت أنا لوجوب توزيع المقاعد حسب الكفاءة. فقال اكرم : هل ستكون كاثوليكي أكثر من البابا؟ قلت أنا البابا، ومن أراد فليكن كاثوليكاً خلفي. لم أستقيل، ولكني غادرت الاتحاد.

لكنه صار نهجاً، ومنذ تلك الفترة رسى نظام كوتا منظمة التحرير. الرئاسة في كل مؤسسة (الكتاب والصحفيين…الخ) لفتح وبعض المكاسب لأنصارها أي القوى الأخرى. ومن حينها حتى 2005 حيث كتبت المقالة المشار إليها أعلاه.

قيل لي ثلاثة أعوام بأن هناك دماء جديدة، وستكون هناك مواقف جديدة. وكان مما شجعني آنذاك ما وصل إليه حال ابنة النرويج -إتفاقية أوسلو. وقلت لنفسي، لماذا لا تقرأ الموقف مجدداً، فكل شيء يتحول كما كتب أميلكار كابرال ذات يوم قبل استشهاده.

ولكن، من حينها وحتى اليوم، غرقت المناطق المحتلة في طوفان التطبيع بمستوياته وطبعاته، فكان التنسيق الثقافي مع مثقفي الكيان وقادة فكره الصهيوني، وكان مجيىء مثقفين ومثقفات وفنانين ومغنين ومهندسين وأطباء عرب إلى الأرض المحتلة إما مباشرة عبر الإذن/الخاتم الصهيوني أو لا مباشرة عبر حصول مؤسسات سلطة الحكم الذاتي على أذونات لهم، ومنهم إبراهيم نصر الله وإلهام المدفعي وغيرهما من المعروفين والمجهولين، ثم جاء الموسيقار الصهيوني برينباوم ليدنس القصر الثقافي برام الله مقابل أن يدفع بعض المال أجرة لاستخدام فرقته الهجينة من صهاينة عرب وصهاينة يهود، ذلك المكان.

وبالمقابل، أرجو أن أكون مخطئاً، لم يصدر عن اتحاد الكتاب ولا اتحاد الصحفيين اي بيان يرفض هذا التطبيع الثقافي المقيت كما لم يصدر اي بيان كهذا عن القوى الوطنية ربما باستثناء حزب البعث وحده. بل إن إحدى مؤسات الثقافة والأدب قد استقبلت “جحافل” ً من المثقفين/المطبعين العرب!

وحتى حينما أنشئنا “جبهة المثقفين قبل عام أو يزيد، وهي ” التي ماتت لأن المثقفين/ات موتى” وكنا ثلة صغيرة من النساء والرجال، وكان أول امتحان لهذه الجبهة هو اغتصاب برينباوم للقصر الثقافي، وتدخل أحد مكاتب سلطة الحكم الذاتي لتأكيد السماح لبيرنباوم وتأجيره المكان (وهذا مثبت في محضر اجتماع لمجلس بلدية رام الله الذي وافقت أكثرية ضئيلة فيه على التأجير). وحينما تكاتبت مع مجلس البلدية بهذا الخصوص حيث نقدت موقف الموافقين على التأجير بشدة، تخلى معظم الذكور عن موقفي مما دفع الموافقين على التأجير بجعل ذلك نافذاً. كما ان معظم ممثلي القوى الوطنية وافقت على التأجير. وعلى اية حال، لم يكن كانت تجربة التصدي لصهيوني بيرنباوم هي اشتباك مع المطبعين، وليست مجرد مناهضة للتطبيع.

واليوم، ها قد عادت الكوتا، قبل عدة ايام، كما عودتنا لتقود اتحاد الكتاب هذا، باسم قائمة الوحدة الوطنية! كما هي حال اتحاد الصحفيين. فما الجديد الذي يعده لنا الجدد؟

وبكلمة موجزة، هل سيدور الاتحاد على محوره السابق، بين مطبعين وصامتين عنهم؟ أم ستقوم الهيئة الجديدة للاتحاد باتخاذ بعض الخطى الضرورية مثل:

الأولى: شجب الصمت السابق عن التطبيع، أي النقد الذاتي بأثر رجعي.

والثانية: الاعتذار لاتحاد الكتاب العرب واتحاد الكتاب الفلسطيني في الخارج عن التطبيع الذي تم والتطبيع الذي سُكت عنه.

والثالثة: التصدي للتطبيع بوضوح وعلانية، كائناً من كان من يقود التطبيع، والمشاركة الفعلية وليس البلاغية إلى جانب التجمع الشعبي لمناهضة التطبيع ولجنة مناهضة التطبيع الأكاديمي، وكافة الأنشطة المناهضة للتطبيع.

ما قيمة سلاح لا يشتبك، وما قيمة وعي لا ينتقد، وما قيمة فكر لا يلتصق بالمعاناة، وما قيمة امرىءٍ لا يغضب لوطنه بينما تصيح الأرض واللغة وامعتصماه.

بدون مواقف واضحة وحدِّية كهذه، يصبح لا بد من تشكيل اتحاد كتاب فلسطيني/عربي في الأرض المحتلة فمن لم يقف ضد التطبيع لا يمثل الثقافة ولا الوعي ولا العمل، بل هو العنوان الضخم لاستدخال الهزيمة.


[1] كان المسرح آنذاك ثلاث فئات: مسرح المقاومة والمسرح التجاري والمسرح التابع لبلدية القدس المحتلة كمسرح تابع للعدو. انظر مقالة عادل سماره: “تجربة المسرح المحلي” في مجلة البيادر الأدبي العدد الأول السنة الأولى آذار 1976 ص ص 47-54 وكذلك، عادل سمارة: “مسرح المناطق المحتلة وآفاق التحول من مسرح مقاوم إلى مسرح قومي”، في كتاب المهرجان الوطني الأول للأدب الفلسطيني في الأرض المحتلة، 15-18 آب 1981، إصدار جمعية الملتقى الفكري العربي – القدس “دائرة الكتاب”، ص ص 80-92. وكما اعلم لم يعد في الفضة الغربية اليوم سوى مسرح التطبيع الذي يتلقف المطبعين/المطبعات العرب والمحليين!!!