مهارة فنية أم تسويقية؟

د. ثائر دوري

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة العاشرة ـ العدد 2176 )

خلال عقدي السبعينات والثمانينات تولت دار نشر عربية محترمة ذات سمعة طيبة، وصبغة وطنية. تولت ترجمة و نشر وتسويق أعمال الكاتب البريطاني كولن ولسون إلى درجة أنه لم يبق عربي متعلم أو نصف متعلم في ذاك الوقت لم يقرأ أو يسمع بهذا الكاتب لا بسبب أهميته في بلده، فهو كاتب يكاد يكون مجهولاً في بريطانيا، ولا بسبب ملامسته لقضايانا العربية فهو متفرغ للكتابة الصوفية، وعن الوجود والعدم، وعن السحر والظواهر الخارقة. و تلخص إحدى الصديقات التي تعيش في بريطانيا مفارقة اهتمام العرب بكولن ولسون واهمال الغرب له بالقول:

“…….كولن ولسون لم أقابل بريطانياً مثقفاً يكاد يعرفه، و بالمقابل لم أقابل عربياً مثقفاً أو نصف مثقف لم يقرأه أو لم يسمع به “

ونفس المعنى السابق وجدته على موقع الموسوعة العالمية ويكيبيديا العربية، حيث يقول كاتب سيرته على الموسوعة ” إنه لمن الغريب أن كولن ولسن قد حقق شهرة كبيرة في العالم العربي لأنه لا يكاد يكون معروفا في بلدان أوربية عديدة ولم يعترف به ككاتب جاد أبدا. إتجه بعد كتاباته الأدبية إلى الكتابة عن التصوف والسحر وعالم ما بعد الموت. يصنف كولن ولسن في الغرب بإعتباره كاتبا دجالا.”

ما الذي يفسر انشغال القراء العرب الجاد لعقدين من الزمان بكاتب يكتب عن الماورائيات، وعن الوجود و العدم، وعن تهويمات الحاسة السادسة، وعن عالم العناكب، وعن التصوف والسحر في أمة تستطيع أن تنتج كل يوم مئات الكتاب والخطباء من كتاب الخوارق وهذه الخرافات والمواضيع التي لا تقدم ولا تؤخر! ما الذي يفسر ذلك في أمة تختبر العدم كل يوم، فقنبلة واحدة من دبابة صهيونية أو من طائرة أمريكية، أو رصاصة من قناص صهيوني كافية لتجعلك تختبر العدم وما بعد الحياة بشكل واقعي دون الحاجة لتهويمات كولن ولسون.

لا شيء يفسر هذا الأمر الغريب سوى القدرات التسويقية الهائلة للدار الناشرة، التي استطاعت أن توزع كتب ولسون في كل زاوية من زوايا الوطن العربي فجعلتها في متناول القاريء،كما أن السمعة الطيبة للدار تجعل المستهلك يثق بمنتجاتها فيتعامل مع هذه الكتابات على أنها كتابات جادة ومن عيون الأدب العالمي. الأمر برمته لا يعدو كونه عملية تسويق ذكية تعتمد على شبكة توزيع هائلة تستطيع ايصال الكتاب إلى الجمهور مع ترويج بواسطة شبكة من المثقفين والصحفيين ذوي المصالح المتبادلة مع دار النشر.

عملية تسويق ناجحة استطاعت أن تعيد تشكيل ذائقة الجمهور فأقنعته أن التراب ذهب.

ماذا يحدث إذا اجتمعت تلك القدرة التسويقية الهائلة التي استطاعت اقناع جمهور واسع أن التراب ذهب مع سلعة الجنس. سلعة الجنس التي كانت وما زالت أكبر سلعة تُباع وتبيع غيرها من السلع، وعلى مر العصور، فهي سلعة لا تبور حتى في أوقات الأزمات بل إن الطلب يشتد عليها في تلك الأوقات، كما يحدث في عالم اليوم، فحجم تجارته السنوية بمئات المليارات، وعبره أو عبر الايحاء به تُروج بضاعة بآلاف المليارات من السيارات إلى أدوات الحلاقة والعطور وما بينهما.

هذا المزيج الانفجاري المكون من قدرات تسويقية هائلة مع قدرة الجنس على تسويق نفسه، اجتمع في مجموعة من الروايات التي تنشرها دور نشر بيروتية كبيرة، ومنها الدار التي سبق وسوقت هراء كولن ولسون على أنه فلسفة محترمة. فنتج عن هذا المزيج ظاهرة ما يسمى بالرواية النسائية الجديدة التي حطمت بحجم مبيعاتها كل الأرقام القياسية، فتحولت الكاتبات إلى نجمات بين ليلة و ضحاها.

لكن من يدخل في عجلة الانتاج الرأسمالي عليه أن يدفع الثمن، فكل شيء في عالم رأسمالية اليوم مصصمم ليكون نبوذاً disposable، أي يُستعمل لمرة واحدة ثم يُرمى. ومن ضحايا هذا القانون اليوم روائية سورية.

فهذه الروائية التي تعيش في باريس عملت كتاباً جنسياً أطلقت عليه رواية ونشرته في دار نشر لها قدرات تسويقية هائلة، فجمعت المزيج الإنفجاري : قدرة التسويق مع الجنس، فكانت النتيجة مبيعات هائلة وطبعات متلاحقة من الكتاب، وطارت شهرة الكاتبة عبر الآفاق، ثم تجاوزت حدود المحلية إلى العالمية فوقعت عقوداً لنشر كتابها في أغلب اللغات العالمية الحية (قيل إن العدد بلغ ثلاث عشرة لغة) لتحصد الثروة والشهرة. ويبدو أن هذه الكاتبة لم تفهم قانون الرأسمالية المعاصرة حول استعمال السلع لمرة واحدة ورميها، فجربت أن تعيد الكرة بنص آخر، وكي يجذب الناشر القراء وضع أعلى غلاف الكتاب الجديد تذكيراً للقراء أن كاتبة هذا النص هي كاتبة النص الجنسي الذي كسرت أرقام مبيعاته كل المتوقع، ماذا كانت النتيجة؟ لا شيء فحجم النسخ المبيعة من الكتاب الجديد في معرض بيروت الأخير يكاد يكون معدوداً على أصابع اليدين. لكن ما يعزيها أن كتابها الجنسي السابق ما زال مرغوباً.