حفلة قتل تنكرية متعددة الجنسيات!

عبداللطيف مهنا

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة العاشرة ـ العدد 2179 )

حفلة قتل تنكرية موسادية متعددة الجنسيات خضبت تراب دبي بالدم الفلسطيني قبل شهر. لازالت أصدائها وذيولها وتداعياتها تتوالى. أما أسرارها، بل قل فضائحها، فهي ما تتكشف أكثر فأكثر مع صبيحة كل يوم. حتى الآن تم الكشف عن وجه ستة وعشرين قاتلاً مقنعاً من روادها، ويتم التحقيق في أمر اثنين آخرين يضافا لهم. إذن، لدينا، ونقول مرة أخرى حتى الآن، سبعة وعشرون جواز سفر غربي المصدر والهوية والسيادة، يختبئ من خلفه سبعة وعشرون مجرماً محترفاً ينتمون لفرقة موت إسرائيلية اسمها “كيدون”، لعلها، وفق ما تشي به مصادرهم، وما تبديه استقراءات توجهاتهم بعد التحولات الاستراتيجية مؤخراً في المنطقة، ليست سوى طليعة فرق قتل أوسع نطاقاً سوف تنوب مستقبلاً في مهامها الدموية عن جيش اسقط في يده بعد أن وصلت قوته الهائلة وقدراته المتفوقة، وأدواته الأحدث والأكثر تطوراً في عالم القتل مداها، فبلغت بالتالي حدودها ولا من مزيد… أسقط في يده، ذلك عندما اصطدمت آلته الجهنمية السادرة، والمستظلة بحماية الغرب بكامله، بصمود شعب عنيد، ورفض أمة قُهرت وغُيّبت ولم تستسلم، اسهما في بعث إرادة مواجهة تستند إلى تراث مقاومة تليد وتحظى باسناد ممانعة تنتعش، وصولاً إلى ارهاصات ردع مقاوم بدأت أيامه تهل.

إنها الحرب ذاتها تتواصل، وهو الصراع ذاته، هذا الذي يتوهم المتوهمون أنه قد خبى أواره، يحتدم. وهو إذ طرأ على جولاته المتلاحقة تحول فرضته معطيات استراتيجية مستجدة تندرج تحت عنوان المقاومة، فقد أخذ من جانبهم منحى ليس بالجديد لديهم، وإنما المستجد لجهة اعتماده أسلوباً بديلاً إن عزّ عليهم شن معهود حروبهم العدوانية السالفة… حرب بديلة شعارها الذي أطلق إعلامهم عليه “ليبدأوا بالخوف”!!!

قلنا، حفلة تنكرية موسادية متعددة الجنسيات غربية الوجه إسرائيلية الإيقاعات، لأن لا أحد اليوم لا داخل إسرائيل ولا خارجها، إن لم يقل هذا فهو لم يقل بما هو خلافه، ولأن وقائعها لم تكن يوماً إلا اختصاص إسرائيلي… اثنى عشر جوازاً بريطانياً، ستة إيرلندية، أربعة فرنسية، ثلاثة استرالية، وواحد ألماني… وبطاقات ائتمان أمريكية ممهورة بتوقيع “ميتابنك” النيويوركي، وشرائح هواتف وقاعدة إدارة عمليات نمساوية… ونقول، متعددة الجنسيات، لأن أبطالها، توزعوا بين حامل للجنسية الإسرائيلية، ومن لا يحملها، ومن يحمل بالإضافة إليها جنسية البلد صاحب قناع تنكره أو جواز سفره… ولأنهم قدموا من ستة دول أوروبية، زيورخ، روما، باريس، فرانكفورت، ميلانو، دسلدورف، بالإضافة إلى هونغ كونغ… وعندما غادروا في مجموعات ثمان عادوا أدراجهم فيمم غالبهم صوب أوروبا التي قدموا منها.

… حفلة قتل تنكرية متعددة الجنسيات. وجه إسرائيلي بأقنعة أوروبية ملوثة بالدم، ليس من الصعب وصفها بالغربية لأن من تلطخت جوازات سفرهم بالدم وأسهمت أقنعتهم في إنجازها تصرفوا حتى الآن بطريقة يكاد المريب أن يقول خذوني… فكانوا، والحالة هذه، وحتى يتكشف المستور في حكم المشارك… كيف؟!

بادئ ذي بدء، كان من تصرف إسرائيل ما يعكس أمرين هما: أولاً، ذات التصرف الذي يعقب عادة ارتكابها لكل جريمة مشابهة من مسلسل جرائمها الاغتيالية المعهودة منذ أن أوجدوها غدراً وتآمراً واغتصاباً وعنوة وبالدم ذات يوم في بلادنا… لم تنف ولم تؤكد مسؤوليتها، إلى جانب ما كشف عنه أسلوب تنفيذ جريمتها، وحيث فاخرت في البدء مواربةً باقترافها.

وثانياً، عندما تمكنت شرطة دبي من كشف تفاصيل الجريمة وجوهاً وأقنعة، تصرف الإسرائيليون بما أخبر كل من يهمه الأمر بأنه لا أحد في إسرائيل يخشى من أزمة إسرائيلية أوروبية، وحتى كان من يقول منهم: وما الجديد في الأمر؟!!

كان كل ما يشغلهم، أو شغل إعلامهم طيلة شهر أعقب الجريمة، هو فشل الموساد في إدراك مدى التطور ومستوى تلك المهارة التي يتمتع بها الأمن في دبي اللذين مكناه من كشف مرتكبي الجريمة بسرعة شهدوا أنها غير مسبوقة… شغلتهم فحسب الفضيحة!

أصحاب مصادر الأقنعة الملطخة بالدم الفلسطيني هم أيضاً تصرفوا وفق سالف المعهود عنهم، لم يكن منهم سوى المتوقع حيال أمر أقدم عليه ربيبهم المتنكر، الذي اختلقوه ذات يوم ورعوه وحموه وتستروا على فعائله ودعموها، وهاهم يقنّعوه ويقنّعوها بأقنعتهم التي تقطر الآن دماً… للحق نقول، لقد شعروا باستياء كتموه ولم يعبّروا عنه، جل ما فعلوه لم يزد عن استدعاء سفير القتلة للاستفسار… مع الأخذ بعين الاعتبار، بريطانيا، صاحبة الأقنعة الأكثر استخداماً في الجريمة، لازالت “تنتظر التعاون الكامل مع إسرائيل”، وإيرلندا زادت قليلاً فأعلنت “غضبتها”، واستراليا، قالت أنها لن “تتساهل” في الأمر، وساركوزي وحده قال أنه يدين “جريمة القتل” وصمت!

كان هذا منهم وهم فرادى، أما مجتمعون، فعندما تداعى الاتحاد الأوروبي لمناقشة الأمر أرسلت لهم إسرائيل أفيغدور ليبرمان فكان أن تأدبوا كثيراً مقابل فظاظته المعهودة، وأصدروا بياناً باهتاً جاء بعد خلافات، شجبوا فيه استخدام جوازات سفرهم وليس الجريمة… وتجاهلوا ذكر المجرم!

قالت لهم إسرائيل لفلفوا الجريمة كعهدكم بمثل هذا سابقاً فلفلفوها، أو حاولوا هذا رسمياً، لكنها لم تتلفلف بعد شعبياً، ولعل في هذا سر الشجب الأوروبي الخجول… في بروكسل قال لهم ليبرمان عبر صحفييهم ساخراً: “يبدوا أنكم ترون أفلاماً جيمس بوندية أكثر من اللازم” وعاد أدراجه ببيانهم غانماً، بعد أن علق عليه مباهياً بأنه لا أحد منهم يربط إسرائيل بعملية الإغتيال!!!

حفلة دبي الدموية التنكرية متعددة الجنسيات الغربية الأقنعة كشفت عن مكتشف قديم جديد من بين أوجهه حقيقتان:

واحدتهما: أن الشهيد المبحوح لم يكن الأول ولن يكون الأخير في مسلسل قادة فلسطينيين وعرب اغتالتهم أو ستغتالهم فرق الموت الإسرائيلية… القائمة طويلة، القادة الثلاثة في بيروت… أبو جهاد، ماجد أبو شرار، الشيخ عباس الموسوي،الشيخ أحمد ياسين، أبو على مصطفى، والدكتور الرنتيسي… والعلماء العرب… وقبلهم وبعدهم وو، والقائمة طويلة ومعروفة… ومسلسلهم الدموي طويل، وسيطول ما بقيت إسرائيل موجودة وفلسطين غير محررة…

وثانيتهما، أن كل من يأمل في أن تؤدي عملية استخدام جوازات السفر الغربية وتلطيخها بالدم العربي إلى ما هو أكثر من شجب الاستخدام وليس الجريمة وتجاهل ذكر المجرم هو واهم، أو هو، على جاري تشبيه ليبرمان، يشاهد أفلام خيال غربي أكثر من اللازم!!!