من أجلِ حزبٍ شيوعيّ في الأُردن: الأوهام الليبرالية للحزب الشيوعي الأردني

هشام البستاني

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة العاشرة ـ العدد 2181 )

سيقول قائل: ولكن هناك حزب شيوعيّ في الأردن. وسيكون معه كل الحقّ في ملاحظته إن كان العقل يقنع بالظواهر فقط لا بالعمق. لكن المنطق يأبى علينا أن نتوقف عند الاسم كمؤشر على المحتوى.

كان مقال محمد فرج المنشور أمس في عمّان نت (1) واضحاً في نقده لـ”التوفيقية” التي تسيطر على منهج الحزب الشيوعي الأردني. ورغم أن الدياليكتيك الماركسي يدعو الى تعميق التناقضات لأن التقدم لا يحصل بتصالح البنى القديمة المتنازِعة وبالتالي دوامها، بل يكون بتصارع البنى القديمة المتنازِعة وصعود الجديد على أنقاضها، إلا أن الحال لا يبدو كذلك في حزبنا الماركسي اللينيني العتيق.

لم أكن شيوعياً حزبياً في أي مرحلة من مراحل حياتي، لكنني أزعم أنني ماركسي بما يكفي لأقول أن حزباً شيوعياً (بالمعنى الماركسي للكلمة) لم ينشأ بعد في المنطقة. الحزب الشيوعي ليس حزباً سياسياً يتصارع من أجل التمثيل البرلماني (كما هو الأمر في الديمقراطيات البرجوازية)، ولا هو حزب يهدف إلى إدامة وجوده السياسي كإطارٍ ومقرٍّ وأمينٍ عام (كما هو الأمر في الديمقراطيات الأكثر وهمية مثل بلادنا حيث لا أمل بالصراع البرلماني على السلطة). الحزب الشيوعي هو أداة ثوريّة، هو طليعة الطبقة الثوريّة: محفّز الطبقة المستغَلّة التي من مصلحتها قلب نظام الاستغلال وإحلال العدالة الاجتماعية الشاملة بدلاً منها.

وليكون الحزب أداة لطبقة ثورية، عليه أن يقدم مساهمات نظرية جبّارة تتعلق بمن هي الطبقة الثورية (ونحن هنا في القرن الواحد والعشرون)، وكيفية تمليك هذه الطبقة القدرة على وعي ما تتعرض له من استغلال، ورسم برنامج التحرر الطبقي ومشروعه العادل البديل.

بدون أن يكون الحزب أداةً لا غاية، وبدون أن يقدم الحزب أرضيات نظرية يستطيع أن يتحرّك في الواقع من خلالها، وأن يبني مواقفه السياسية عليها، وبدون أن ينطلق الحزب من المفاهيم الماركسية الأساسية في فهم الواقع، فسنكون أمام حزبٍ هو أي شيء آخر سوى كونه حزباً شيوعياً.

سنأخذ مجموعة من الأمثلة المستقاة من مواقف ومقولات الحزب الشيوعي الأردني لنوضّح الصورة:

1) إن مقولات “الإصلاح” و”تعزيز المشاركة السياسية” و”الديمقراطية” و”حقوق الإنسان” (التي يتبناها الحزب الشيوعي الأردني) هي مقولات ليبرالية وليست ماركسية. الماركسية تَنْظُر للأفراد بصفتهم أجزاء في المتحدات الجماعية، وبالتالي فإن كل المقولات الليبرالية حول الحريّة والحقوق لا معنى له في غياب اللامساواة الطبقية (الاقتصادية والاجتماعية والسياسية). الديمقراطية لن تلغي الاستغلال الطبقي (الهند كمثال ساطع، والولايات المتحدة نفسها)، أما تصفية الاستغلال الطبقي فسيحقق الديمقراطية بالضرورة.

2) إن مقولات الصراع داخل المنظومة السياسية/الاقتصادية المهيمنة (التي يتبناها الحزب الشيوعي الأردني)، لا الصراع من أجل تغييرها، هي مقولات الاشتراكيين الديمقراطيين (في أحسن الأحوال) لا الشيوعيين. الملعب السياسي العالمي الآن هو للرأسمالية في المراكز ووكلائها في الأطراف. اللعب في ملعب الرأسمالية ووكلائها يعني ضمناً القبول بالقواعد والمحددات التي يمليها هؤلاء: أي الخسارة مسبقاً. عندما طرحت الماركسية العدالة الاجتماعية بوصفها مشروعاً أممياً يتجاوز الأطر الصغيرة المفتتة وقواعد اللعبة المرتبطة بها، كان بذهنها هذه النقطة بالذات.

3) واستناداً إلى ما سبق، يصبح التنظير لـِ والاستناد على ما يسمى “الشرعية الدولية” و”القانون الدولي” في الخطاب السياسي (وهو ما يقوم به الحزب الشيوعي الأردني) انضماماً الى الجهود الدعائية الليبرالية الكبيرة التي تجعل من تعبيرات القوّة العالمية (القانون والمؤسسة الدولييين) حَكَماً عادلاً (منحازاً بالضرورة للقوة التي أفرزته: أي المنتصرون في الحرب العالمية الثانية – الأعضاء الدائمون في مجلس الأمن).

4) وبناء عليه، لن نستغرب أن يقوم الحزب الشيوعي الأردني بالتواطؤ أولاً ومن ثم السكوت عن مشاركة شقيقه العراقي (فصيل حميد مجيد) بمجلس الحكم العميل الذي أنشأه الاحتلال الأمريكي تحت إمرة بريمر، في رفضٍ واضحٍ لأبجديات الماركسية المعادية حتى العظم للإمبريالية.

5) ولن نستغرب أن يقبل الحزب الشيوعي الأردني بقيام كيان صهيوني استيطاني إحلالي توسعي وظيفي من جهة ارتباطه الكامل بالإمبريالية ومشروعها الهيمني في المنطقة، على الأراضي العربية، وهو ما قبله الحزب عند اعترافه بقرار التقسيم الصادر عن الأمم المتحدة عام 1947 وترويجه، ومن ثم قبوله لقرارات 242 وما تلاها وترويجها، وقبوله لحل الدولتين. وهذأ طبعاً رفضٌ لأبسط أبجديات الماركسية التي لا تقبل بالامبريالية، فكيف بمشروع هيمنة ذي طابع استيطاني احلالي توسعي وظيفي؟

6) كما لن نستغرب أن يقيم الحزب الشيوعي الأردني علاقات “كفاحية” مع حزب يتبنى الهوية الإسرائيلية (هوية الاستعمار الاستيطاني الاحلالي التوسعي الوظيفي)، ويقبل أن يقيم دولته الاستعمارية على أراضٍ عربية محتلة (هي فلسطين المحتلة عام 1948)، هو الحزب الشيوعي الإسرائيلي. وهي مخالفة لأبسط أبجديات الماركسية التي تخبرنا أن أي حزب إسرائيلي هو حزب استعماري بالضرورة، ولو اختبأ خلف اسمٍ شيوعي.

7) ولن نستغرب غياب التحليل الإقتصادي المستند إلى الإقتصاد السياسي الماركسي في الحزب الشيوعي الأردني، فما يطرح في الصفحة الإقتصادية لجريدة الجماهير هو تحليل سطحي لآليات حركة النظام الرأسمالي يفسّره من داخله دون أن يطرح بديله الجذري النقيض. بل ربما سيخجل الرفاق في الحزب من مصطلحات مثل الملكية العامّة (وليست ملكية الدولة) لوسائل الإنتاج، أو خيار الدولة الاشتراكية بوصفها وسيطاً نحو انحلال الدولة الكامل في الشيوعية.

8) وفي القضايا المحلية الراهنة، لن نستغرب أيضاً موقف الحزب الشيوعي الأردني من حل مجلس النواب الأخير، والذي جاء مرتاحاً ومشجّعاً لهذا الحل، وكأن الخلل ليس في البنية السياسية العامة في البلاد، بل هو في إفرازاتها الجانبية. وكأن الحزب يحمّل برلماناً (لا حول ولا قوة له فعلياً) جريرة توجه السلطة السياسية المثابر نحو الليبرالية الجديدة والخصخصة منذ 1989 وحتى الآن (وهو بالمناسبة نفس العام الذي خرج فيه الحزب الشيوعي وبقية الأحزاب إلى العلن برفع الاحكام العرفية واقرار الميثاق الوطني ومن ثم قانون الأحزاب. طبعاً ليست صدفة، بل خدعة الليبرالية الدائمة: التلهّي بديمقراطية وهمية بينما يسير الانقلاب الاقتصادي/الاجتماعي على قدم وساق)، وهو أمر من شأنه تضليل الجماهير لا توعيتهم.

هذه بعض أمثلة توضّح لا ماركسيّة الأرضيات والمقولات السياسية للحزب الشيوعي الأردني، وهي ليست مقتصرة عليه بالمناسبة، بل تتبناها أكثر الأحزاب الشيوعية في المنطقة العربية والعالم، الأمر الذي استدعى حصول انشقاقات وظهور تنظيمات جديدة تتمسك بماركسيّتها بدلاً من إعادة تدوير الليبرالية تحت يافطة يسارية.

كنّا نظن أنه بدخول حزب الشغيلة (الأكثر جذرية بقليل) إلى الحزب الشيوعي تحت ضغط قانون الأحزاب الأردني الجديد (ها هي وحدة الشيوعيين تتم بضغط الحكومة!)، سيكون فاتحة لمخاضٍ فكريٍّ سياسيٍّ يعيد إنتاج الحزب ويدفعه ولو قليلاً باتجاه الماركسية، لكن جاذبية الوجود السياسي كانت أقوى على ما يبدو، فالموقع أهم من الموقف، والوجود أهم من القضية، والذات أهم من الموضوع. حزبٌ ماركسيّ لينينيّ أداة التثقيف فيه جريدته! حزبٌ ماركسيّ لينينيّ ليس فيه مدرسةٌ فكرية للكادر! حزبٌ ماركسيّ لينينيّ لا يُنظّر، وبالتالي تصدُر توجهاته السياسية بلا أرضيّات نظريّة! حزبٌ ماركسيّ لينينيّ يدعو إلى “الإصلاح السياسي والاقتصادي” على الطريقة الليبرالية! حزبٌ ماركسيّ لينينيّ يحارب النّقد ويخاف منه! هذه ليست ماركسيّة يا رفاق.

لهذا تحوّل الحزب الشيوعي الأردني إلى مكانٍ لاستقطاب الشباب ذوي الميول اليسارية، وطردهم بعد ذلك (بالانشقاق أو الاستقالة أو التهيئة النفسية) نحو يسار الأردن أولاً (اليسار الاجتماعي الأردني والمبادرة الوطنية الأردنية) (2) الذي يستكمل الحلقة المفرغة عبر تعزيز الهويّة القُطرية والتنظير لإمكانية انجاز التحرر الوطني داخل هذا الإطار الذي صممه الاستعمار ليكون، وبالضرورة، غير قابل للتحرر (نعود مرّة أخرى لنتذكر أمميّة المشروع الماركسي). ؤبالمناسبة، فقد تحالف الحزب الشيوعي الأردني مع هذا اليسار القُطري في عدة مواقع مثل نقابة الأطبّاء ومنتدى الفكر الاشتراكي، مما يدلل أن الحلقة المفرغة المتشكلة من الأطر اليسارية الرسمية المختلفة تشمل الجميع.

أنا من الميّالين للقول بأن حزباً شيوعيّاً لم يظهر بعد في الأردن والمنطقة العربية. كانت هناك محاولاتٌ تأثّرت كثيراً بحركات التحرر الوطني من الاستعمار، وتأثّرت أكثر بالسياسة السوفيتية (بل وكانت تابعة لها)، هذه المحاولات لم تنضج وجنحت باتجاه الليبرالية في غياب الإنتاج النظري، وغياب المعلّم السوفيتي.

بين الحين والآخر، تظهر محاولات من داخل الحزب لدفعه نحو الماركسية، غالباً ما تكون محاولات شابّة، مثل تلك التي يحاولها محمد فرج الذي لم ييأس -حتى الآن-، والتي تستند إلى مراجعة وإعادة إنتاج المواقف السياسية للحزب بما يتفق والماركسية، ودفع الحزب نحو النظريّة كأرضية ضرورية لإنتاج الموقف السياسي. ولأن الشباب في الحزب أقليّة جداً، ولأن الشباب المتمكن فكرياً أقل من هؤلاء، فغالباً ما تبوء محاولاتهم بالفشل. هذا الفشل الذي سيجرّ مصيراً مأساوياً، لأن هذه المحاولات هي أنفاس الإنعاش لهيكلٍ هرمٍ يعاني احتضاراته الأخيرة بسبب ضعفه المعرفي وسوء اختياراته السياسية.

(1) أصوات شيوعية تغرّد خارج الحزب: http://ammannet.net/look/article.tpl?IdLanguage=18&IdPublication=3&NrArticle=39540&NrIssue=5&NrSection=1

(2) أنظر: الأوهام القطرية لليسار الاجتماعي الأردني على الرابط: http://www.shabeeba.org/index.php?option=com_content&task=view&id=257&Itemid=1

واليسار الأردني برعاية حكومية على الرابط:

http://www.dctcrs.org/s6025.htm