إحتلال اجساد النساء ب مليار دولار!

نساؤنا لتعزيز الأمن القومي الأميركي!

بادية ربيع

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة العاشرة ـ العدد 2183 )

لم يبالغ المفكرون/ات العضويون للطبقات الشعبية حين أكدوا أن أزمة (المولنة Financialization المالية/ الاقتصادية ستدفع الرأسمالية لشراسة غير معهودة وبشكل خاص على الصعيد العالمي، وذلك لأنها ما تزال مهيمنة/مسيطرة على داخل بلدانها، فلا بد للحفاظ على هذه الهيمنة/السيطرة أن تُبقي قبضتها على خناق بلدان العالم الثالث كي يتواصل تدفق دمها في شرايين الاقتصاد الغربي الراسمالي وخاصة الأميركي. إن تراخي قبضة المركز الرأسمالي بسبب الأزمة لم ينتج عن مرونة او دمقرطة بل عن ضعف قسري تتم الاستماتة لوقفه أو رتقه.

في سياق إعادة إحكام القبضة، اختلقت النخب الحاكمة في الولايات المتحدة مجالاً جديداً لا يختلف عن مجال عمل الأنجزة، ولكنه أكثر خبثاً وأسمك غطاءً مما يؤهله للمرور إلى فترة قادمة لا بأس بها، كما أنه يغطي من سيتم استخدامهم/ن لتنفيذ السياسة الأميركية على صعيد عالمي.

مليار دولار أميركي ومن أميركا ضمن مشروع أميركي مغطى بتشريع من الأمم المتحدة لمواجهة تعنيف النساء والبنات. ليس هناك كلام حق كهذا، ولكن ليس هناك باطلاً كهذا أيضاً!!

“…فقد تعهدت حكومة الولايات المتحدة في شباط الماضي، عبر مجلسي الشيوخ والنواب بتخصيص مليار دولار لمواجهة العنف الجنوسي (الجندري) والموجه طبعاً ضد النساء” …” وارتكز هذا القرار على القانون/التشريع الدولي ( I-VAWA ) العنف الدولي ضد النساء حيث أكد السناتور جون كيري ً: ” أن الولايات المتحدة ستمنح أولوية لهذا التشريع ليكون مكوناً اساسياً لسياسة الولايات المتحدة في المساعدات الخارجية”.[1]

ولكن، الولايات المتحدة هي أكثر دولة مدينة في العالم، وهي التي استدانت من الصين وحدها تريليون دولار، ومن صناديق دويلات النفط نفس المقدار (طبعا هذه قد تكون تبرعات، أو خاوة مقابل حماية هذه الأنظمة، وليس حماية النساء من هذه الأنظمة…من يدري؟).

إذن، لِمَ لا يكون هذا السخاء طالما الأموال متدفقة بهذه البساطة؟ ربما. لا ليس الأمر بهذه السهولة ، فراس المال لا يقوم بالتقشيط والنهب ليرمي الفلوس في العبث غير الاستثماري.

هناك عشرات الملايين في الولايات المتحدة بلا مأوى ولا تامين صحي، بعد أزمة المساكن في حين المنازل الجديدة تتشابك الأعشاب على ابوابها!؟ وهناك تعنيف النساء والصبية فيها أكثر من مختلف بلدان العالم، فلماذا توجه وجهها شطر البلدان الأخرى؟

ذلك لأن هذه “المساعدات” موظفة سياسياً كي تخدم السياسة الخارجية للولايات المتحدة، وهي السياسة التي تعتمد الاحتواء أحياناً وتعتمد الاعتداء والاحتلال والتدمير احياناً أخرى. لكن الأهم أنها هي سياسة استعمارية تدخلية استغلالية نهبوية وعدوانية توسعية! أما الآن، فهي تتوسع وتمتد بأكثر من اية مرحلة تاريخية سابقة، تتركز في قطاع المرأة، أي في نصف البشرية لتجنيد نساء العالم في حظيرة المصالح الأميركية تحت أغطية القيم والثقافة الأميركية. وإذا أخذنا بالاعتبار أن البلدان المستهدفة بهذا التدخل الجنسي الأميركي هي محكومة من رجال تابعين للولايات المتحدة وبقية بلدان المركز، نصل للاستنتاج بأن هذه الخطوة ليست سوى مخطط للإطباق المسيطرعلى العالم بأسره ليس اكثر.

في هذا الصدد صرح السناتور جون كيري:

” إن المجتمعات التي تشعر المرأة فيها بالأمان، ويتم تمكينها كي تصل لما تصبو إليه، فهذا يحفزها لدفع مجتمعاتها قُدماً، هي مجتمعات أكثر صحة واستقراراً. سيحمي هذا التشريع النساء في مختلف الأماكن، وستكون من نتائجه تقوية للقيم وزيادة في الفعالية مما يجعل الإنفاق فيه مجدياً بحيث يحقق أهداف المساعدات الخارجية الأميركية ويقوي أمننا القومي”

من الواضح أن مقصد كيري بالمتجمعات المستقرة هي المجتمعات الغربية (أوروبا والولايات المتحدة وربما اليابان حيث يتم البغاء هناك “مستقراً” بإشراف القانون وانظمة الحكم في تلكم البلدان. فإلى هناك تُشحن النساء بقوافل للبغاء في الغرب، تجارة بين الشرق والغرب، وهي ما اسموها “غزلاً وجذلاً… فراشات الليل”، فراشات تحرقها الشموع وليس النابالم، أليس هذا أكثر إنسانيةً. فلماذا لا يهتم غربان النهار بهاتيك النسوة!

يجيب على هذا حديث كيري الواضح، وهو تحقيق اهداف السياسة الأميركية وأمن أميركا القومي. هل يكمن أمن أميركا القومي في الحفاظ على أجساد نساء المحيط؟ ألا تؤكد اية قراءة للتوجه الجنسي في الثقافة الأميركية وتوابعها أن هذه الثقافة هي التي حولت المرأة إلى جسد مُباعِدةً بينها وبين دورها الإنساني وإعادة انتاجها للمجتمع، ومباعدة بين جسدها وعقلها، وهي الثقافة التي حولت الكثير من الاتجاهات النسوية من النضال الطبقي الاشتراكي لتحقيق حقوق المرأة في مواجهة الذكورة ولتأكيد أن النوع نوع لا نوعين. نعم حولت النسويات إلى لبرالية الجسد!

نفاق الأدوات

وبدورها، فإن المنظمات غير الربحية قد اصدرت بيانات تدعم هذا التشريع الذي صادق عليه الحزبان الأميركيان، ومن هذه المنظمات أمنستي انترناسيونال، وصندوق يو،أن.دي.بي للنساء، واليونيسيف، ومؤسسة الدفاع عن المرأة على الصعيد العالمي وغيرها. تقول آن.أم.فينيمان المديرة التنفيذية لل يونيسيف:

” يجري كل يوم على صعيد العالم بأسره تعرض النساء والبنات للاغتصاب والاستغلال الجنسي، والاعتداء الجسدي وتذهب هذه الجرائم غالباً دون عقاب. وعليه، فإن هذا التشريع الدولي خطوة هامة للتعاطي مع العنف الجنوسي لحماية حقوق النساء والبنات”

ولكن، كيف ستضمن السيدة فينيمان أن يُطال العقاب “الأميركي” أولئك المجرمين/ات. هل ستقوم الولايات المتحدة مثلاً، بمحاكمة حكام البلدان التابعة لها وهم يمارسون حتى الاغتصاب وليس المتاجرة بالجنس؟ هل بوسع أحد حساب الكم الهائل من المدفوعات النقدية من بلدان الخليج “لشراء” النساء من روسيا وسيرلنكا وحتى من أوروبا طمعا في الشعر الأحمر والجلد البيض؟ من سيحاسب تجار الجلود والمسالخ والأجساد هؤلاء؟ ولكن، ما الأثمن لأميركا “أجساد المعنفات” أم براميل النفط؟ ترى ألا تدرك هذه السيدة هذا؟

ويضيف مصدر الخبر:

…ستنفق هذه الأموال في 10-20 بلداً يصل فيها العنف ضد النساء والبنات درجة هائلة… وإذا ما أقر هذا التشريع فإن حكومة الولايات المتحدة سوف ترد على العنف ضد النساء في مناطق الصراع المسلح مثل الاغتصاب السابق عام 1994 أثناء الإبادة في رواندا، أو الاغتصاب الجماعي الذي ما زال يحصل في الحرب الأهلية الدائرة حتى الآن في جمهورية الكونغو الديمقراطية

لم يوضح الخبر من هي هذه البلدان العشرة أو العشرين؟ وما هو مقياس “ريختر” الجنسي الذي يكشف المواقع الجغرافية لأعنف هزات الأجساد! لكن مصدر الخبر وهو مؤسسة/منظمة نسوية لم يكن من الذكاء والدهاء بمكان مناسب ولا مكانة مناسبة فقدَّم امثلة إما تنمُّ عن وقاحة أو جهل أو اضطرار بأوامر السادة. أمثلة حقيقية، ولكنها بعيدة عن جرائم الولايات المتحدة الجنسية سواء من النظام أو المجتمع المدني او الأفراد. ناهيك عن أن الولايات المتحدة هي خالقة معظم أماكن الصراع المسلَّح، فهل ستقاتل نفسها، أم ستقوم بتأطير وترتيب البغاء هناك ليكونبغاء غربياً، بدل البغاء الحلال!.

ما حصل في رواندا كان حقيقياً، ولكن ما من أحد يقول أن فرنسا وبلجيكا والولايات المتحدة كان بوسعهن منع هذه المذابح ولم تحرك قواتهن ساكناً. أما في الكونغو، بلد الحرب الأهلية المستدامة، فقد ذكر ذلك، في مذكراته، الشهيد الأممي إرنستو تشي جيفارا منذ عام 1965 اثناء نضاله في الكونغو وكيف كان المقاتلون الأفارقة بقيادة لورانس ديزييه كابيلا، يغادرون مواقع القتال ذاهبين إلى ممارسة الدعارة.

لكن مصدر الخبر، وأمنستي المحترمة واليونيفيم الأكثر إجلالاً لم تتفوه قط ببنت شفة عن قيام حكومة وجيش والمجتمع المدني والأفراد الأميركيين خاصة بإشاعة الاغتصاب لنساء العراق والصبية والرجال على حد سواء، وهواغتصاب يتم حتى اللحظة وعلى مدار الساعة؟ والعراق أوضح وأقرب الأمثلة وأكثرها عياناً.

والدرس المستفاد من هذا أن الولايات المتحدة مدرسة في مختلف الجرائم ضد الإنسانية. إلا أن الأكثر جرائمية منها هي تلك المؤسسات والمثقفون في المركز والمحيط على حد سواء الذين/اللواتي يروجون للثقافة الأميركية التي هي ثقافة العمالة الاقتصادية لراس المال. أما الخزي الأكبر فهو للمؤسسات والمنظمات الدولية التي تزعم حقوق الإنسان وتتمول من اميركا، وتنافق وتكذب لتغطي على جرائم هذا البلد “العظيم”!

ما من أحد قال مثلاً، أن نساء البيت الأبيض كنَّ يقدن الاغتصاب في العراق؟ ألم ترَ ذلك السيدة كونداليزا رايس؟ ألا تراه السيدة كلينتون؟ هذه سمراء وتلك بيضاء، ما الفرق؟ أليس غض الطرف عن البغاء …بغاءً أحطُّ!!


[1] الخبر عن:

Source: IPS Gender Wire, newsletter@ipsnews.net

TERRAVIVA, Beijing+15 CSW 54 New York. 1-12 March 2010