ديمقراطيون لا يطيقون ندية النساء!

جمال محمد تقي

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة العاشرة ـ العدد 2185 )

من المسلم به ان تحرر المرأة الكامل مثله مثل الانعتاق الطبقي الابدي لا يتحقق الا بالمجتمعات اللاطبقية ـ المشاعية الذكية ـ حيث التسقيط الكامل لقدسية الملكية الخاصة والعائلة الابوية التي جعلت المرأة تعاني من نوعين تاريخيين ومزدوجين من الاضطهاد الاجتماعي، اضطهاد العائلة الابوبة والاضطهاد الطبقي الشامل والذي يستعبد الطبقات التي لا تملك الا قوة عملها المستغلة لانتاج الخيرات المادية وعبر كل انماط التشكيلات الاجتماعية الاقتصادية.

الديمقراطية البرجوازية بفكرها الليبرالي التقليدي عملية موضوعية وضرورية باتجاه اطلاق الحريات الفردية التي تصب بمصلحة استغلال كل الطاقات الكامنة بالافراد رجالا ونساءا واطلاق العنان لكل انواع الاستثمار فيها، فالحاجة لايدي عاملة اضافية نتيجة النمو المهول لمجالات العمل من مواضيع ومواد ووسائل انتاج ومن حاجات تغذيها دفع بالمرأة للدخول وبقوة في مجال العمل والانخراط بكل انواعه تقريبا، وهذا ما فرض شروطا ضرورية لتحول دور المرأة من تابع اقتصادي للرجل الى مشارك في اعالة الاسرة الى جانب دورها في الرعاية البيتية، والذي تعزز فيما بعد نتيجة للنضالات المريرة لحركة الطبقة العاملة ونقاباتها في البلدان الراسمالية الى جانب الحركات النسوية وحركات المساواة المدنية والحقوقية التى انتزعت مكاسبا سياسية وقانونية واجتماعية يصعب تصديقها قبل قرن من الان حيث تحققت وبتراكم مكلف، وما زالت تتحقق شروط الانعتاق من الاشكال التقليدية لاستغلال المرأة والرجل معا. حصلت المرأة على حق التصويت في الانتخابات العامة، حقها باجر مدفوع اثناء الولادة، المساواة امام القانون، حقها في التعليم، حقها في الطلاق غير المشروط، حقها بحضانة اطفالها، حقها في الاجر المتساو مع الرجل لقاء نفس العمل، لا قيود على تقلدها اي منصب تحمل مؤهلاته الخ وما زالت هناك بعض الفوارق في بعض مجالات العمل والاجور وايضا فوارق نفسية تفرضها التركة التاريخية والاجواء غير الانسانية للعمل والاستثمار التي تنظر لجسد المرأة كواحد من مجالات الاستثمار الغريزية والتي تصحي الارث التاريخي في العلاقة المشوهة بين الذكر والانثى، والحقيقة انه حتى الرجل نفسه لم يسلم فهو اليوم ايضا مجالا استثماريا مثله مثل النساء، فالمضاجعة بمقابل تمارس كعمل رسمي تتولاه شركات خاصة للرجال والنساء وعلى حد سواء!

يوم الثامن من اذار نفسه اختير كيوم عالمي للمرأة لانه وفي مطلع القرن العشرين خاضت عاملات النسيج في شيكاغو اضرابا عن العمل للمطالبة بحقوقهن بتقليص ساعات العمل التي كانت ضعف الوقت الحاضر، اضافة لتحسين شروطه، وقد كسر الاضراب بقوة الشرطة التي اطلقت النار على المضربات وراح ضحيته عدد منهن!

في بلداننا التي تعشعش في ميادينها البطالة ويستطيل فيها تخلف البنى التحتية للانتاج الاجتماعي الاقتصادي لم تحقق قضية المراة شيئاً يذكر بالمقارنة مع النهضة التي حققتها المراة في البلدان الراسمالية المتطورة، وانما كانت للحداثة أثر جلي على شرائح نخبوية منها فتشكلت جمعيات نسوية ارتبط قيامها بضرورات العلاقات العامة للارستقراطية الحاكمة وحاشيتها ومع ذلك فكانت نماذج المتعلمات والموهوبات تشكل حافزا لاختراق حاجز المحضور، فالصراع بين دعاة تعليم المرأة وسفورها وبين المتزمتين كان جليا، هذا الزهاوي يقول : اسفري فالحجاب يا ابنت فهر داء في الاجتماع وخيم ـ شقيقته كانت تلاقي تشجيعا منه لتنظيم النشاط النسوي الخيري مع نسوة العائلات صاحبة الحضوة، وعمليا ارتبطت قضية توسع نطاق مشاركة المراة في العمل والحياة العامة بواقع نهوض المد الوطني التحرري الذي اجتاح العالم الثالث ومنه العراق بعد الحرب العالمية الثانية والانتصار على النازية.

اما بعد ثورة 14 تموز وقيام النظام الوطني فقد دخلت قضية المراة فضاءا واسعا فيه الكثير من الايجابيات المرتبطة مع النهضة العامة سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وثقافيا وقانونيا، فالتنمية الاقتصادية ومحو الامية والتعليم المجاني وصدور قانون تقدمي للاحوال الشخصية وكذلك قانون للعمل، وتشجيع المرأة على تولي المناصب الكبيرة وغيرها من المنجزات التي تواصلت بين مد وجزر حتى حصار العراق وتجويعه وعزله عن العالم ولمدة 12 سنة ومن ثم غزوه واحتلاله حيث جرى تخريب كامل لاغلب تراكمات النمو والمكاسب المتحققة وعلى كل الصعد بحيث مست كل افراد المجتمع العراقي بشكل عام والمرأة العراقية بشكل خاص.

ويكفي ان نعيد ما تذكره المنظمات الدولية عن واقع الحال:

ـ حوالي 4 ملايين ارملة ونفس العدد من الايتام؛

ـ نسبة 32 بالمئة من السكان تحت خط الفقر البطالة تصل لحولي 30 بالمئة؛

ـ الامية رجعت وبقوة وهي بين الاناث اضعاف مضاعفة؛

ـ اكثر من مليون ونصف مهجرة في الداخل والخارج تعاني الامرين حتى تدبر شؤون حياتها؛

ـ التدهور الصحي والتشوهات الخلقية للمواليد الجدد.

العنف ضد المرأة ارتفع لمستويات مخيفة وفي اغلب مناطق العراق في الريف والمدينة على حد سواء في كردستان والبصرة وبغداد ووو ناهيك عن الاضرار الجانبية لتجاوزات قوات الاحتلال والميليشيات الطائفية واعمال الاعتقال والقتل العشوائي والاغتصاب والتعذيب التي لحقت بالاف النساء العراقيات، كما حصل في ابو غريب و جريمة اغتصاب وقتل عبير الجنابي وحرقها مع عائلتها وكما يحصل الان في سجن الكاظمية للنساء وكما حصل مع اطوار بهجت، وما خفي كان اعظم!

كما فشلت العملية السياسية في العراق في مكافحة ومعالجة فسادها واميتها وذلك باعتراف الاصدقاء قبل الاعداء فانها فشلت في معالجة اي من المشاكل الخطيرة التي تعاني منها المرأة العراقية، بل كما ان فسادها يتضخم يوما بعد اخر على الرغم من وجود مفوضية للنزاهة ولجان للرقابة المالية والادارية ووجود لجان متخصصة في البرلمان، فان اوضاع المرأة تزداد سوءا على الرغم من وجود وزارة للمرأة ووزارة لحقوق الانسان ووزارة للمهجرين وعلى الرغم من ان 25 بالمئة من اعضاء البرلمان هم من النساء!

من المعروف انه حتى في موضوعة الكوتا النسوية ووجود وزيرات في الحكومة كان هناك نوع من التماهي مع ما يريدة المحتل الامريكي للظهور بمظهر التمدن والاصلاح الاجتماعي الذي كثيرا ما يلاقي صدا عند الراي العام في الداخل الامريكي والاوروبي والذي يبيض ما امكن من سواد الوجه الذي سببه الاحتلال على سمعة امريكا وفقدان مصداقيتها، وهي على كل حال اكسسوارات لا تؤخر او تقدم في صلب ما يجري مثلها مثل غيرها من الاجراءات الشكلية!

رجالات العملية السياسية قوامون على النساء فيها، ان كن سافرات او محجبات، مثلما القائمين على الاحتلال في العراق هم قوامون على العملية السياسية برجالها ونسائها. المضحك المبكي انه ومع تكرار الدورات الانتخابية اخذ ديمقراطيو العراق الجديد يضيقون ذرعا بهذه النسب والقيود الشكلية على جنس المرشحين، فبعضهم يعتبر ظهور النساء المتواصل امام عدسات التلفزيون والاعلام هو نوع من التبرج غير الحميد، وراح يعمل خلف الكواليس لجعل الكوتا النسوية تجتمع لوحدها، اي تكوين برلمان بغرفتين واحدة للنساء واخرى للرجال وتتبادل الغرفتان النتائج من وراء الحجرات، بعضهم يتحرج من وضع صورة زوجته على البوستر الانتخابي الخاص بها فابتدع بدعة تثير السخرية حيث وضع صورته على البوستر وهو يقول : انتخبوا أم سجاد!!؟

هناك عضوات في البرلمان جادات في ان يفعلن شيء ما مقتنعات به وهن قادرات حتى افضل من بعض الاعضاء من الرجال للتصدي لما هن جادات به ولكنهن يكتشفن ان العملية برمتها مهندسة بحيث لا تستطيع اي واحدة منهن ان تقوم بشيء ذي قيمة في برلمان محصص ومفصص ومخصص بين ممثلي طوائف ومذاهب واعراق وطرق صوفية وعشائر. مثل هكذا برلمان لا يسمح بشيء خارج هذه اللعبة، وعليه فان من يحترم نفسه فيه عليه ان يستقيل اما اذا بقي صامتا كحشر مع الناس عيد فانه سيكون كالساكت عن الحق، وللاسف فان ثقافة الاستقالة وتفضيل المصلحة العامة على الانحيازات الطائفية والعرقية والمصالح الشخصية لا تليق بعد بهكذا عملية سياسية غير ديمقراطية لا بالمعنى البرجوازي ولا بالمعنى الوطني التحرري!