المعركة الدائمة في التاريخ: كيف هُزمت الأنثى وتأسست الذكورية

بمناسبة يوم المرأة العالمي:

د. عادل سمارة

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة العاشرة ـ العدد 2186 )

ملاحظة:أُقتطعت هذه الصفحات من الفصل الأول وعنوانه: مقاربات نظرية”، من كتابي: “تأنيث المرأة بين النفي والإلغاء: بالمرأة مبتدأ كل نقد وتخطِّي”، الذي سيصدر قريباً..

ارتكز ما كتبه كلود مياسو (أنثروبولوجيست – عالِم الإنسانيات) في بحثه على تفريق ماركس بين الأرض كموضوع عمل وبين الأرض كأداة أنتاج. وحيث أنَّ الثانية هي الحالة المبحوثة ( كما هي في المجتمعات الزراعية ذاتية الاكتفاء) وأن المجتمع، مُسَيْطَرٌ عليه أو سائد فيه انتاج وإعادة إنتاج الشروط المادية لوجود، لأعضاء الجماعة وللمبنى التنظيمي، وعلاقات الانتاج وتنظيم الجماعة كلها تعتمد على التحكم بوسائل إعادة الانتاج (الاكتفاء والمرأة) وليس على وسائل الانتاج[1].

إذن، الأساس هو إعادة الإنتاج بمصدريه الأرض للإكتفاء، والمرأة للناس. ومن هنا نلقي الضوْء على المسألة المركزية في التاريخ، وهي معادلة من شقين: أولوية المرأة والأرض من جهة وسيطرة الرجل عليهما من جهة ثانية، إمتلاك أداة الانتاج الإكتفائي ووسيلة الإنتاج البيولوجي.

لعل الإنتاج، منذ أبسط تجلياته، اي التقاط عشبة بشكل لاإراديّ، او آلي لسد الجوع، هو الحدث المادي الأبرز والأول بما أنه جاء في سياق حرص الإنسان على البقاء حياً لأطول فترة ممكنة، وهو الاشتباك المقاوم الإنساني الأول لقهر الطبيعة في صراع الإنسان مع الطبيعة.

أما أخطر تطورين نجما عنه فهما:

التطور الأول: تخليق الملكية الخاصة اي انحراف قاطرة التاريخ عن العمل والصراع الإنساني الأبدي والطبيعي، صراع الإنسان مع الطبيعة، انحرافها باتجاه صراع الإنسان مع الإنسان، أي نشوء مستويين من الاستغلال:

* المستوى الأول: تحكم الإنسان الذي تمكن من إنتاج أكثر من حاجته، فاستعاض عن ثقافة الإنتاج من أجل الجماعة بما هو جزء من العشيرة بأن حاول حيازته كفائض، وهو ما فتح له مجال تخليق الأسرة النووية الأولى أي التَشارُك من أعلى، تشارُك المُسَيْطِر، مع المرأة. وهذا الانحراف الذي حاول الفكر البرجوازي ردَّهُ دوماً إلى ما أسماه غريزة الملكية الخاصة. وهو في الحقيقة، ليس سوى نتاج تخلف الوعي الشيوعي البدائي والأَوَّلِيّ في مرحلة الوحشية والشيوعية البدائية، أي عجزه عن حَمْلِ التغير الجديد المتمثل في إنتاج فائض عن الحاجة الفردية. هل المشكلة في هذه “الوفرة النسبية” في الإنتاج كِشِيء لاواعٍ ؟ هل الإنتاج هو الذي جر الإنسان إلى الملكية الخاصة؟، أم عجز الوعي نفسه حينها عن توليد آليات مناسبة لتصريف الفائض عن الحاجة؟ ليست المشكلة في إنتاج الفائض أو في الفائض نفسه، المشكلة تكمن في درجة الوعي الإنساني. هل ما زلنا في نفس أُفُقِ التَّخَلُّف أو التشوه/التشويه الفكري، تشوه الوَعْي؟ المقصود، بأنّ عالم اليوم في ظل رأس المال يَعُجُّ بالمنتجات الفائضة إلى درجة أنَّ الأزمة الاقتصادية في المركز خاصة، ومنذ نصف قرن، وهي تتفاقم، هي أزمة في جانب العرض (Supply-Size Crisis)، أزمة فائض، ومع ذلك هناك أزمة جوع، وتشرُّد وخاصة (اليوم) في المركز الإمبريالي الأول، الولايات المتحدة[2].

* المستوى الثاني: اضطراره لتقديم جزء من هذا الفائض للمؤسسة الكهنوتية الدينية العليا التي ظلت لها سيطرتها كقوة روحية حاكمة تعيش من خلال هذه السيطرة على جزء من فائض عمل الإنسان لتأخذه على شكل فدية أو (tribute) لها بما هي المؤسسة التوسطية التي تقدم له تفسيرات ورؤى ورُقى وتقوم بدور العرَّاف بينه وبين الطبيعة التي تتخذ في هذه الحالة حالة الله.

والتطور الثاني: المتمثِّل في هزيمة المرأة تاريخياً على يد الرجل (المؤسسة الطبقية/السياسية) والمؤسسة الدينية، في تسخير العامل المادي[3] المتوفر في فرز ثقافة هيمنة الذكورة والدفاع عنها قبل الحريات والأوطان والحضارة وغيرها، فهي السيطرة اللصيقة بالوجود والحياة اليومية بدءاً من الفراش والمطبخ وحتى عتبة البيت انطلاقا إلى مختلف مستويات الفضاءات. وهي المعركة التي لا تزال دائرة حتى اليوم، حيث تركز الصراع بين الناس من البيت إلى الطبقة إلى الدولة إلى الكرة الأرضية بعمومها.

إذن، أسس هذان التطوران لنسق حياة للبشرية بأسرها. وهو نسق تتابع في الجوهر في مختلف التشكيلات الإجتماعية الإقتصادية، وإنْ تَغَيَّرَ في الشكل والمظهر. انتقل الكهنوت إلى الدولة في العراق القديم، وانتقلت دولة العبودية إلى تفككات الإقطاع، والامبراطوريات الشرقية كالعربية الإسلامية التي سادها نمط الانتاج الخراجي، وانتقلت أوروبا إلى الرأسمالية لتحل الدولة العصرية محل الإقطاعات وهيمنة المَلَكية المطلقة، وانتقلت بعض المجتمعات إلى الاشتراكية المحققة، لكنها تفككت عاجزة عن إحداث الاختراق البشري التاريخي الأهم والأجمل. وفي كافة هذه الانتقالات والتحولات الاقتصادية السياسية الثقافية ظلت الملكية الخاصة سلاحا طبقياً يتمُّ القتال من أجله بالنواجذ، وظلت المرأة الجنس المهزوم الذي لا بد منه كي يأوي إليه المحارب من أجل الملكية الخاصة كي يستريح. لكن المهم أنها “هي” وُجِدَتْ من أجل راحته! نعم، المستويين متكاملين وأحدهما مشروط بالآخر. صحيح أن ترابطهما الشكلي يكون أقل في التشكيلات الإجتماعية الإقتصادية الأكثر تصنيعاً، ولكن ترابطهما الفعلي يغدو مؤدلجاً في عصر رأس المال مثلاً، إلى درجة قد لا يَبِينُ معها أن المرأة مأخوذة بسيف الرجل، بينما هي مأخوذة بخطاب الهيمنة الموظَّف لسيف الرجل!

في اشتراط كل منهما للآخر (حيازة الرجل للملكية الخاصة وحيازته للمرأة كملكية خاصة)، سادت إيديولوجيا:

· تقديس الملكية الخاصة.

· تجنيد الفقراء لحروب الأغنياء باسم القوميةِ والأُمَّةِ والدين، وساد تماثلهم من خطاب أسيادهم.

· أما الهدف فهو الربح /التراكم بأي شكل وبأيِّ ثمن وبأعلى قدر ممكن وبما هو ابعد منه.

· إخضاع نصف المجتمع لنصفه الآخر.

· المنافسة[4] التي هي تصفية واحد للآخر دون مواربة منذ عصر العبودية الأولى إلى عصر العبودية المعولم. في المنافسة يَخْلَعُ الرأسمالي قناعه “الحضاري” ويتحول إلى وحش حقيقي. كيف لا، وهنري فورد الجد كان ينافس الرأسماليين الآخرين بتفجيرهم بالديناميت. ومع ذلك تبقى المنافسة مفخرة إيديولوجيي الملكية الخاصة.

يفتح هذا النقاش على مسألة أوسع هي علاقة المرأة بالأرض، أو بالوطن. تجادل كثرة من المنظمات النسوية بالقول إن الوطن هو للرجل وبالتالي فالدفاع عن الوطن هو مهمة الرجل لأنَّ فيه مصلحته. وبعيداً عن أن العدو لا يفهم هذه اللغة، بل سارع إلى استخدام المرأة لكسر الرجل في الحرب (انظر لاحقاً)، هناك مسألة أهم وهي أن المرأة هي الأقرب إلى الأرض من حيث هما أساس الوجود والإنتاج والاستمرار ما يعني وجوب عدم تساوق المرأة مع احتلال الرجل للأرض لأن تركيز هذا الاحتلال يقود في النهاية إلى احتلال المرأة نفسها.

لقد تتبع ماركس وظيفتين للأرض: الأولى كموضوع عمل والثانية كأداة عمل.

ففي مرحلة تطور بسيط لأدوات الإنتاج، حينما كانت طاقة البشر هي الطاقة الوحيدة المتوفرة وحينما كان صنع الأدوات يتطلب على أساس المقارنة استثمارا ضئيلا للعمل يكفيه الشخص بذاته، فإن استعمال الأرض كموضوع عمل لم يكن ليتجاوز تحصيل الضروريات للحياة بواسطته، كما هو حال الصيد والجمع.

وحينما دخل الإنسان مرحلة أعلى في تطور أدوات الانتاج، كما في الزراعة، فإن الإنسان محفوزاً بتوقع الحصول على عائد أكبر، استثمر عمله في الأرض، حيث أصبحت بناء على ذلك أداة عمل.

الأرض كموضوع عمل هي في حالة كون الانتاج فوري، لحظي ويتم تشارك المنتجين فيه كالصيد. والصيادون طالما يتشاركون في الانتاج الجماعي لا يترتب على ذلك التزامات تبادلية او ولاءات. فالعملية لا يترتب عليها هرمية اجتماعية ولا سلطة مركزية ولا حتى تنظيم أُسرة ممتدة. هذه الوحدة الاجتماعية الأساسية مياوماتية، لكنها غير مستقرة، وليس فيها سوى اهتمام ضئيل لإعادة الانتاج البيولوجي الإجتماعي.

بدوره يربط كلود مياسو “تكون الأسرة بالزراعة حين يبدأ الانسان بزراعة الأرض يتم العمل كفريق يجمعه على الأقل الزراعة وانتظار المحصول وتنظيف الأرض، وهنا تتكون روابط مجتمع المنتجين حيث الكبير فيه ليس مديناً لأيٍّ من الأحياء بل للأسلاف الميتين، بينما كل أعضاء الجماعة مدينين له. هنا يعين الكبير لاستلام وإدارة انتاج شركائه الكبار وبدوره يحاول او يتدبر البذور والغذاء حتى المحصول القادم. هنا يجد المرء بسهولة الأسس المادية والمؤقتة لتكوُّن الأسرة بما هي وحدة انتاج وتماسك والَنَسُب فيها هو الإيديولوجيا، اعطاء الأولوية للعلاقات بين الناس على العلاقات بالأشياء، تواصل الحياة بحيث تخلق ترابط اجتماعي مشخصن، قلق على إعادة الإنتاج، مفاهيم الكبار والصغار، احترام العمر”…ص 100.

والسؤال هنا: هل على أرضية مشاعية الأرض كانت مشاعية الجنس؟ وهل هذه التسمية هي الأصح، أم الأصح مشاعية النساء؟ قد تكون مشاعية النساء متعلقة بطور آخر أعلى، بمعنى اقتراب الإنسان من الملكية الخاصة أو تحديداً هزيمة المرأة على يد الرجل، فبغير هذه الهزيمة لا نستطيع الجزم بأن المشاعية لم تكن متبادلة، وبالتالي، المبادرة أو المبادأة الجنسية من الطرفين.

وقد يجوز لنا الذهاب في الأمر لما هو أبعد من ذلك. فلماذا نربط امتلاك المرأة أو حيازتها بالجنس فقط طالما نحن في مرحلة الملكية الخاصة؟ هنا نعقد اشتباكاً بين ماركس وفرويد. فلماذا لا تكون “حيازة” المرأة بما هي وسيلة إعادة الإنتاج البيولوجي لِرَفْد الرجل بورثة ومساعدين في العملية الإنتاجية بعمومها، فهي التي تنتج المنتجين.

في مساهمة ملموسة لأنثروبولوجيين مثل إيمانويل تيري وموريس جودللير وبيير فيليب ريي، ركز أولئك على قرار الاستعمار الإبقاء على المبنى الاجتماعي للتراكم في المستعمرات، وهو ما اوضحه مياسو في أن هذه العلاقة، تحاول الإمبريالية حصر سكان المستعمرات في إعادة الإنتاج الإنساني الاكتفاء والنساء. وليس في التحكم بوسائل الإنتاج المادي وذلك تسهيلاً لتشغيل قوة عمل رخيصة في المناجم. وهو أيضاً ما يؤكد أن الاستعمار لم يقبل الانتهاء إلى مرحلة أل ما-بعد، أي ما بعد الاستعمار، أو قيام الاستعمار بزرع ألغام فيها، “تلغيمها” بما ينسف استقلالها.

وهذا يتقاطع بالطبع مع احتجاز التطور وإن من مدخل أنثروبولوجي. ولكن دفع هذا التحليل إلى الأمام، يكشف عن أن حصر الاهتمام بالاكتفاء والمرأة هو أمر تكمن فيه ثقافة وإيديولوجيا بطريركية تحصر عالم سيطرة الرجل في المرأة، فلا تعود مجرد أداة انتاج بل ملحقة به، وتصبح إعادة الإنتاج البيولوجي مثابة مصدر دخل حيث يوفر قوة عمل جديدة تدر دخلا، مثل العمال الفلسطينيون في المناطق المحتلة في الخط الأخضر وخاصة قرى الحدود. هذا مثال على دور الاستعمار في الحفاظ على ذكورية المجتمع المستعمَر، وبالطبع رجعيته.

من جهة أُخرى، يختلف التحليل ومن ثم النتائج بين اعتبار أن مؤسسي القرى هم الصيادون، أي ليست القرى من إنشاء المجتمع الزراعي. ففي حالة الصيادين أن يُنسبَ إنشاء القرى للصيادين يعني أنها من تأسيس الرجل! إن الصيد هو في الحقيقة الوسائل العضوية للتشظية الاقتصادية والاجتماعية للجماعة الزراعية. إذا صح التحليل أن القرية نشأت خلال نمط إنتاج الصيد، فما دور المرأة فيها؟

وفي كلا الحالتين، كان نمط الانتاج النَسَبي (القرابي) هو المسيطر على إعادة الإنتاج الإجتماعي فهل يعني هذا أن العامل الاقتصادي ليس المقرر؟

يحاول جودليير حل الموضوع حيث ينسب إلى الرابطة الأُسرية كل من دوري الانتاج والسياسة والإيديولوجيا اي انها تمثل البنيتين التحتية والفوقية، اي تطابق قوى وعلاقات الانتاج (برأيي توحدهما) تطابق الاقتصاد والقرابة. يرى مياسو ان المهم هو السيطرة على المرأة بما هي اداة اعادة الانتاج البيولوجي، وبالتالي تكتمل البنية اي الارض والمرأة.

كارل بولاني بعكس ماركس يركز على التداول وليس على الإنتاج[5]، وبالطبع عجز بولاني، برأي مياسو، عن التقاط علاقتهما العضوية. لكن مياسو لم يناقش فيما إذا توصل بولاني إلى التساؤل: هل تمَّ تبادل المرأة ضمن أولوية التبادل لديه؟. لأن إجابة هذا السؤال تحدد مدى عمق تحليله. لعل عمق تحليل ماركس كامن في أنه تتبع وظيفتين للأرض: كونها “موضوع عمل” و”أداة عمل”، وهذا ما عزز تحليله لأولوية الإنتاج وليس التداول، هذا مع العلم أنّه في الحالتين هناك طبقة مسيطرة، لأنَّ الذي يكشف الاستغلال أو جذر الاستغلال ونسغه التحتي هو الإنتاج وليس التبادل.

فيما يخص الإنتقال إلى النظام الأبوي وخاصة اقترانه بزيادة الإنتاج وبالملكية الخاصة، فالسؤال هو: لماذا تمكن الرجل من هزيمة المرأة هكذا؟ هل كانت المرأة خارج نطاق العملية الإنتاجية قبل ذلك بكثير مما سهل هزيمتها؟ ألم تكن تعمل قبل ذلك؟ وإذا كانت تعمل لماذا هزمت مرة وإلى الأبد، لماذا كانت هزيمتها تحصيل حاصل. ما هو نمط الإنتاج ومن ثم علاقات الإنتاج التي كانت سائدة آنذاك. هذا يفتح نقاشاً على كامل خط الأمومة ومجتمعات الأمومة، ويطرح من جديد مسألة الإختلاف الجسدي الذي كلما كانت وسائل الإنتاج متخلفة أي تحتاج قوة جسدية أكثر كلما كان ذلك لصالح الذكر. وهل يمكن الاستخلاص من هذا أنه كلما تطور العمل وارتقى إلى اعتبار المعلومة / المعرفة قيمة ومن ثم سلطة هو تعزيز لسلطة الرجل؟ وأنه بارتقاء الإنتاج إلى المستوى المعرفي تصبح المساواة ضرورة حتمية؟ وهل يعني هذا أن العمل الجسدي للمرأة يقوي موقفها كي لا يتمكن الرجل من تحويلها الى مجرد وعاء جنسي، لاحظ، يقوي موقفها، ولا ينهي المشكلة، وهذا ما نراه في المجتمعات الفلاحية حيث مشاركة المرأة في العمل الزراعي، ولكن بقيادة الرجل. ولكن، طالما اصبح العمل بمعظمه، وأهمه وأجداهُ، معلوماتياً عقلياً، لماذا لا يتوازى مع ذلك تطور وضع المرأة مساواتياً؟

لنسلم جدلاً أن ابتداء تقسيم العمل الإجتماعي قام على اساس العمر والنوع،؛ العمر مقرون بتطور قوة الإنسان الجسدية، والجنس مقرون بتفارق قوة الجسد على اساس النوع،. ألا يسمح لنا هذا برؤية مرحلة وسطى قبل الهزيمة كان يختلط فيها المنتجون ذكوراً وإناثاً؟ فرُبَّ قائل يقول: ان الإلتقاط كان بمقدور كل من المرأة والرجل. ألم تكن المرأة قادرة، ولو بدرجة اقل على الصيد؟ لذا يبقى السؤال: ما سبب حسم الملكية للرجل، ألا يمكن ان تكون هناك نساء مالكات؟ هناك في التاريخ مرحلة وسطى حيث كان كليهما ينتج مستقلاً عن التبعية للآخر؟ نعم هي قادرة على الصيد وغيره. ليس بعيداً ذلك الوقت الذي كانت المرأة في القرية الفلسطينية المحتلة في خمسينات القرن العشرين تحمل على رأسها حزمة كبيرة من الحطب بحيث كان قليل من الرجال يستطيع حملها. كيف تطورت بنيتها الجسدية لحمل هذا الثقل، وكيف تأنثت بحيث تخشى أي رجل!

سواء كانت هناك مرحلة وسطى، وسواء تمكننا من تحديد دقيق لآليات الهزيمة، ورغم وجود شبه إجماع على ارتباط القمر والزراعة والقرية بالمرأة (رايلي كافلين 2002)، وهذه، تؤيد قدرتها ودورها الإنتاجي، بل التأسيسي في التطور الاجتماعي، فهذه قد تفيد كخلفيات لتقدير دور المرأة، ولكنها جميعاً مقدمات للحد من الذكورة وليس لإلغاء هيمنتها. وهذا ما يهمنا إلقاء الضوء عليه.

وبالمقابل، ” كان ظهور الرموز الذكورية انعكاساً لسلطان الرجال. ومما له دلالة أن المدن قد اعطتنا ملوكنا الأوائل. لقد كان رجال هذه المدن في الحقيقة هم الذين خلقوا النظام الملكي. أما القرى في العصرين الحجري والحديث فلم يكن لها قادة ثابتون دائمون. وبالرغم من أنه في حالة الظروف الطارئة كان يعين بعض الرجال أو ينتخبون لفترة زمنية مؤقتة لشغل المناصب الكبرى، فإن هذه القرى كانت عادة ديمقراطية للغاية[6]“.

وإذا ما صح أن القرية كانت انثوية السيادة، فإن الديمقراطية هي وليدة المرأة، أو هناك ديمقراطية وليدة المرأة قبل الملكية الخاصة! وهذا يسمح لنا القول إن الديمقراطية جرى احتلالها ذكورياً ايضاً وصيغت مع سيطرة الرجل، أو لأجلها تحديداً، ضمن مسار أوصلها إلى ذكورية رأس المال، ديمقراطيتهم! فالدولة حامية الملكية الخاصة. وعدو الدولة هي المرأة، وإذا كان الأمر على هذا النحو، يكون من المفترض بل والضروري أن تكون المرأة عدوة لهذه الدولة و”ديمقراطيتها” حتى اليوم، وهو الأمر الذي يبرر نقدنا للمرأة النسذكورية. لكنها لم تفعل ذلك كما نعرف حتى اليوم! هل هذا جزء او امتداد ضروري للهزيمة الكبرى؟ هذه نظرة تدفع باتجاه تخليد وتبرير عبودية المرأة. ولكن، لو لم تُهزم المرأة، ألم يكن ممكناً للإنسان بناء حضارة؟ هذا يفتح على قراءة في فرويد (لاحقاً).

بدوره، أشار انجلزإلى أن النظام العشائري كان ديمقراطياً، لكن هذه الديمقراطية انحسرت مع تطور نظم الإنتاج وملكية الرجل لوسائل الإنتاج. فهل هذا تأكيد على ميلنا لأمومية الديمقراطية؟

وطالما أن المجتمعات البدائية كانت متحررة جنسياً، فهل يؤكد هذا ارتباط الديمقراطية بالأم، بالمرأة؟ وهل يمكن تجميع هذه الخيوط لتكوين نظرة ما .

يرى انجلز أنَّ من مآثر باخوفن انه أول من اكتشف مرحلة حق الأم. وسلطة المرأة الإقتصادية في العشيرة، تلك السلطة التي أعطتها الأهمية والإحترام الديني. والسؤال هو: ما معنى سلطة المرأة الإقتصادية؟ وإذا كانت لها سلطة إقتصادية، فلماذا تفككت؟ كيف حصل، وتفككت ببساطة أمام سلطة الرجل؟ هذا يعيدنا إلى نقاش مناخات الهزيمة الكبرى.

كما تفيد كثرة من البحوث في المجتمعات المشاعية البدائية بأن المرأة ظلت هي كمرأة أولا وجنس ثانيا مركز كافة تطورات علاقة الجنسين، أي أن البشرية انشغلت بهذه المسألة ولم تحلها حتى الآن. وفي هذا درجة عالية من الدِّقَّة. إنما أود الزعم بأن الأمر فيه الجنس والرغبة، ولكن ليس هو الجنس والرغبة كما يرى فرويد. هناك حاجة الحِمى والاحتماء المعنوي والروحي لدى شريك، أقصد بمعنى النوع وليس الزواج فقط، الذي يُلقي الإنسان لديه بهموم الحياة بدءاً من أصغرها وصولاً إلى حرصه على البقاء والأبدية، علاقة حياة وليست علاقة كسب ونفع فما بالك بعلاقة تنافس التملك والحيازة؟! هل يعني هذا أنَّ مجتمعاً بلا ملكية خاصة أولاً، مُشبعة فيه الحاجات الأساسية بكرامة ثانياً، راقٍ فكرياً ثالثاً، ومتقدم تقنياً رابعاً، يمكنه حلَّ الموضوع أو الإشكالية؟ حتى قبيل الدخول إلى الشيوعية؟ إن قصدية القول إنَّ المجتمع وليس الدولة هي الهامة هنا لخلق تواصل بين الشيوعية البدائية والشيوعية التي يؤسسها الإنسان بوعي، وبالقفز على لغم الدولة بدءاً من دولة حمو رابي وصولا إلى دولة جورج بوش التي تقود حمى الإمبراطورية إلى قص أنيابها.

يبدو أن للحماية والاحتماء، والشعور بالأمان، الحاجة للأمان منذ الإنسان الأول المحتمي من الطبيعة إلى الاحتماء من ارتفاع الأسعار العالمي اليوم، دورها او مساهمتها في العلاقة بين الذكر والأنثى، وهي التي بدأت أخذ مجرى هزيمة المرأة حينما انتقل الإنسان إلى الملكية الخاصة، حيث انتقل احتماء الرجل الروحي عند المرأة، إلى مأ اسماه إنجلز فديتها نفسها للرجل ليحميها من غوائل الرجال الآخرين. والاحتماء هنا لا يشت عن ولا يفتقر إلى جوهر مادي، فالوجود الفيزيائي للإنسان هو أساس الوجود، ومن ثم المصلحة المادية/الجسد والحياة، قبل الملكية الخاصة أسبق منها، وباق بعدها.

والفدية في التاريخ البشري معروفة لدى أمم كثيرة. بدءاً بفتاة النيل التي تتزوج النيل عرفاناً بخيره للجميع، وصولاً إلى فدية المرأة في الهند لنفسها بعد زوجها، بغض النظر عن الجدل في هذا الأمر، وهذه فدية تذهب لما هو ابعد من فرضية إنجلز التي تقترن بالأحياء، وحتى فدية إسماعيل بكبش عرفاناً لله.

لا يمكن قراءة الملكية الخاصة حيث بدأت كما نقرؤها حيث تطورت. فقيام روكفلر بلغم منافسيه في نهايات القرن التاسع عشر، وقيام الرأسمالية الأميركية-البريطانية في حقبة العولمة بذبح شعب العراق باسم دمقرطته، بل من أجل نِفْطِه، لا يمكن مقارنة شدتها وحتى اسباب التمسك بها، بمحاولة الإنسان القديم الإمساك بحيازةٍ ما اتقاءً لغوائل الموت من الندرة. صحيح أنه كان انانياً بحمايته لنفسه فقط، ولكن اساس الحدث هو الضرورة والندرة وليس فلسفة الملكية الخاصة التي كرسها جون لوك.

وجدلنا هنا أساساً بشأن تعديل النزعة واجتثاثها، اي عدم القبول بفرضية غريزة التملك. ومن هنا جواز الاعتقاد بأنَّ الملكية الخاصة هي التي دفعت باتجاه الزواج الأحادي، أي ليست الطبيعة البشرية بل نزعة الملكية الخاصة.

إذا صح تحليل إنجلز أن المرأة فدت نفسها لتحرر نفسها من مشاعية الرجال كي تكتسب الحق في أن تكون زوجة لرجل واحد، (انجلز، أصل العائلة والملكية الخاصة والدولة، موسكو دار التقدم/ 1975، 50-61) فهذا من جهة يعزز الاعتقاد بان المرأة ليست تلك الغواية والأفعى والعنف الجنسي الذي لا يُحدُّ، ويعني ثانياً انها ليست مسيطرة اقتصادياً، كما انه إن حصل وفدت نفسها فهي قد وضعت نفسها تحت اضطهاد أبدي ربما كالمستجير من الرمضاء بالنارِ. وإذا ما فعلت المرأة هذا الفداء، فهو يعني انها كانت قد أُخضعت وهُزمت قبل هذا القرار، وكانت بدايات الهزيمة في تحويلها إلى أداة جنس وليس إلى شريكة بالاختيار مما يعني أن قرار الفداء جاء بعد هزيمة.

إذا صح هذا، فمعناه ان الزواج الجماعي كان اضطهاداً مفروضاً عليها، فلم يكن ذلك اختياراً، وإن كان الجنس اختياراً، فليس بهذه الجماعية، والمهم أنها ليست شبقة إلى الحد الذي تصل إليه خيالات الذكوريين. وهنا يكون الزواج الأحادي هو تحرير للجسد من الاغتصاب الجنسي الجماعي او المتعدد، ليصبح لفرد محدد، ليس شرطاً أن يسخِّر هو نفسه لها بنفس القدر!

في سياق احتماء المرأة/حمايتها، تبرعها … أين يمكننا وضع او رؤية تقديم الجسد العاري قربانا جنسيا لدى الديانات القديمة: ” …باعتباره أمراً مقدساً … فالبغايا في المعابد القديمة اللواتي كن يقدمن أجسادهن قرباناً من أجل الكهنة حيناً ومن أجل الترويح عن الحجاج حينا آخر، لم يكن الجنس في عقولهن مرتبطاً بالتحريم بقدر ما كان “عملا يعتبر جزءاً من التوليفة الاجتماعية والمعرفية والثقافية لتلك الحضارة … وهكذا ارتفع من موقع الإثم إلى موقع التقديس والقبول. بعد ذلك ، تطور هذا المفهوم أكثر، لتخرج البغي من المعبد وتدخل الى أرفع القصور كمحظية… لقد خرج مفهوم الجنس بمعناه الأكثر روحية من عباءة الإثارة الأدنى مرتبة، لينطلق في افق اكثر فهماً لدوره وخصوصيته ولموقع المرأة كأنثى فيه، وعلى نفس الخط الموازي ، ولكن بشكل معاكس، بدأ الجنس من تقديس المرأة وعبادتها كما هو الحال في البوذية، … لينتهي لاحقاً الى مرتبة اكثر ريبة وتحفظاً عندما اصبح مكانه متدنيا بفعل التصنيف الديني والثقافي للمجتمع[7]“.

حتى هنا، فالمرأة هي الطرف الذي يبحث عن القَبول به! فما يرفعها إلى القصور كمحظية، ليس سوى تقديم الجسد قرباناً سواء للكهنة أو للحجاج، الذين يحجون إلى المعابد. ومن يدري لماذا ؟ لا يكون هؤلاء الحجاج تجاراً، وبالتالي، هي تتقرب من السلطتين الدينية والاقتصادية معاً، وهذا يزيد من خضوعها وإخضاعها. المهم أن جواز سفر البغي “صاحبة الحب الحُرّ” هو السلطات! أما النهاية كما ترى كلاديس مطر، فهي مأسسة السيطرة على المرأة كجسد وكائن ضمن السياق الثقافي والاجتماعي.

إنما يبرزهنا السؤال: هل كان بوسع المرأة ممارسة الحب الأحادي اختياراً، الحب الحر دون الخضوع ل “حرية الحب” اي سماح مؤسسة للحب بأن يُمارَسْ؟ أم أن الرجل استخدم الملكية الخاصة ليحوله إلى زواج؟ ولكن ما هو أساسه؟ هل أساسه هو كونها خارج استقلالية ناتجة عن انعزالها عن دائرة الانتاج؟ ومن هذا نَوَّدُ الوصول أو التوصل إلى: هل يعني هذا أن عالم اليوم يمكنه توفير هذه الحماية للمرأة دون ان تضطر “لأن تفدي” نفسها لرجل واحد الذي اصبح مع الزمن “فارس الأحلام” القادم على صهوة جواد ابيض، أو رجل المال الذي يشتريها بالمال نفسه، أو صاحب القوامة…الخ! وهذا يعني ماذا تختار المرأة لو توفر لها الوضع المثالي أي: 1) زواج من سيَّد، 2) إباحية، 3) انفتاح وخيار حر، أي حب أحادي …؟

لماذا هي المعركة الأطول في التاريخ؟ لأنها لم تنته بعد ولا يوجد ما يوحي بذلك قريباً، ولأن المرأة تقاوم حتى اللحظة بمعزل عن الأدوات والرؤى.

من تأنيث المرأة إلى تفوق الرجل وسيطرته، يمتد الخط الناظم لذلك في نمط الإنتاج السائد، ونمط الإنتاج كمقولة مجردة، ولكنها قوية الحضور والتأثير، تتجلى في تجسدها في مدى -درجة- تطور قوى وعلاقات الإنتاج من جهة، وجدلهما معاً من جهة ثانية وفي النهاية الحيازة وشكل التوزيع. لا شك أن اساس الإشكال كان في الوقوع تحت ضرورة الملكية الخاصة للحفاظ على الحياة، لضمان تلبية الحاجات لأطول وقت ممكن. ولكن هذه الضرورة المادية أخذت أو عكست تجلياتها في خطاب تفاقَم باضطراد حتى العصر الحالي وجوهره تطويع الإنتاج للملكية الخاصة بغض النظر عن الجدل الدائم بين مَنْ الذي يقودُ مَنْ في التحليل الأخير، قوى أم علاقات الإنتاج. وهذا يفتح على سؤال ابعد: ما الأمر الذي يكمن وراء خطاب الملكية الخاصة لا سيما في عصر الوفرة، هل هو تخلف الوعي، والبنية الفكرية، أم المصلحة الفردية في الطبقة، والطبقية عامة؟ وهي المصلحة التي تقع آثارها على المرأة اكثر. ولعل هذا السبب هو نفسه الذي لا يسمح لنا باغتفار إيدولوجيا الملكية الخاصة، التي في عصر الوعي البشري تصبح جريمتها أكثر خطراً.

تجسدت بدايات هزيمة الأم الإقتصادية مع التحول في مبنى القبيلة نفسها، تحول ملكية القطعان من القبيلة إلى الأسرة، من الجماعة إلى الوحدة الأصغر، وزيادة الحيوانات المدجنة وزيادتها بسرعة أعلى من سرعة زيادة أفراد الأسرة، أي تنامٍ في الثروة وتفكك في الجماعة. على ضَوْء هذه التطورات، لفت انجلز إلى بروز الحاجة إلى مزيد من الأفراد للعناية بأمر القطعان، وأصبح ممكناً أن يشغل الأسرى هذا الدور. وقد يعني هذا أن الأسرى اصبحو يُقسمون على الأسر بعد القبيلة كما ملكية القطعان. المهم ان هذه الثروات الجديدة المملوكة من العائلة كانت سببا في تحطيم المجتمع المؤسس على عائلة مكونة من فردين وقبائل منتسبة إلى الأم … حيث كان الأقارب من جهة الأم هم الذين يرثون. وعندما ازدادت الثروة المملوكة من الرجل اعطته وضعا اكثر اهمية من المرأة داخل العائلة. وأصبح يميل إلى توجيه النظام التقليدي للوراثة لمصلحة اولاده. ولكن ذلك كان مستحيلا في ظل الإنتساب للأم. فكان لا بدَّ من تغيير النظام حتى يتمكن من توريث اولاده. هنا ينتهي انجلز للقول: “إن إنهاء الإنتساب للأم كان الهزيمة التاريخية العالمية للجنس النسائي. فقد سيطر الرجل على السلطة في المنزل أيضاً، وقلّ شأن المرأة. وأصبحت عبدة لشهوة الرجل، وآلة لتربية الأطفال[8]“. لكن، بناء على تحليل إنجلز، لماذا كانت القبائل تتصارع، تأسر وتؤسر؟ هل كان الدافع وراء ذلك الندرة، وإشباع الحاجة وبالتالي قرار العدوانية؟ أم أن مرحلة وسيطة بين الملكية الاندماجية الجماعية وبين الملكية الخاصة كانت آنذاك، اي حينما بدأ الصراع بين القبائل،وهو الصراع الذي، حسب إنجلز، كان من نتائجه سيطرة الذكورة لحماية حيازته من التسرب إلى ابناء الأم غير المحصورين في أبٍ واحد يريد الحفاظ على حيازته. هذا يعني بالطبع أن سيطرة الأمومة هي امتداد وهي الحفاظ على العلاقات المشاعية، بينما سيطرة الأب هي بداية الملكية الخاصة.

أما المرحلة الثالثة فهي المرحلة العليا للبربرية، عصر المدنية، حيث ساد الزواج الأحادي، عصر العائلة التي تنجب أطفالا غير مشكوك في أبوتهم كي يرثوا ثروة أبيهم، وفي هذه الأسرة اصبح الزوج هو الذي يحل الرابطة الزوجية وحده[9]. المهم هنا أن الحرص على نقاء الأطفال هو من أجل الحفاظ على الملكية الخاصة بما هي الأهم، وهم وإن حازوها أو ورثوها فذلك كي يقوم الرجل بالمراكمة[10] وراكم يا موسى أنت والأنبياء

(Accumulate Moses you and the profits).

______


[1] From reproduction to Production A Marxist approach to Economic Anthropology, Cluade Meillassoux,

[2] خلال زيارتي للولايات المتحدة في شهر تشرين ثاني (نوفمبر) 2009، استمعت لحديث أشخاص يعملون في قطاع العقارات. يقول أُولئك إنَّ المنازل التي عجز المواطنون الأميركيون في الريف عن دفع أقساطها هي فارغة وتتشابك الأعشاء على أبوابها، وأن سكانها (اصحابها) القدامى يقيمون في خيام أو معسكرات قديمة للجيش.

[3] يعرض الواقع أو العامل المادي دوماً مخارج متنوعة للتعاطي معه من خلالها. فالواقع لا ينحصر لصالح طبقة، ولا يعرض نفسه للإنسان كمغاليق لا يمكن التحكم بها. وعليه، فالصراع الطبقي وتطوراته هي التي تحدد آلية استخدام هذا الواقع.

[4] عملت في برنامج التطوير الصناعي في برنامج الأمم المتحدة الإنمائي بالقدس (1991-1993)، وتقدم آنذاك رجل أعمال صغير بطلب شراء مصنع صغير مستعمل من تركيا لتصنيع بضاعة ما. وكان أحد كبار رجال الأعمال عضو في مجلس أمناء القسم ويملك مصنعاً كبيراً لنفس البضاعة والذي حين علم عن طلب الصغير، قال لي: سَأَفْرُمُه! وكان لنا جدل طويل. أما هذا صاحب المفرمة فاصبح وزيراً في سلطة الحكم الذاتي الفلسطيني! هذه هي المنافسة وهذا مستقبل الأغنياء.

[5] في تشابه في التفارق، ركز أرجيري إيمانويل على البتادل اللامتكافىء (Unequal Exchange)، في حين ركز سمير أمين على التطور اللامتكافئ (Unequal Development).

[6] كافلين رايلي، علاقة القرابة بالمرأة، والمدينة بالرجل في مجلة أمكنة، العدد 4، آب 2002، ص 257

[7] انظر كلاديس مطر، “تأخير الغروب، التقديس والتأثيم، بحث في ازدواجية بنية العقل النسوي العربي”، دار التكوين ، دمشق 2009: 111-12

[8] فريديرك إنجلز، أصل نظم الأسرة والدولة والملكية الخاصة دار الفارابي ،47.

[9] فريديرك إنجلز، أصل نظم الأسرة والدولة والملكية الخاصة دار الفارابي 54. تجدر الإشارة أنّه ليس المقصود هنا التراكم الأولي الذي تحدث عنه ماركس والمرتبط اساساً ببدء هيمنة نمط الانتاج الرأسمالي لا سيما في الحقبة التجارية وخاصة في اسبانيا والربتغال . كان ذلك في نهاية القرن الخامس عشر وما بعد، هذا التراكم هو تحويل النقود إلى راسمال، أما في داخل أوروبا فقد اخذ شكل تحويل الفلاحين قسرا إلى عمالاً، أي فصل المنتجين عن وسائل الإنتاج.

[10] ليس المقصود بالتراكم في تلك المرحلة نفس المعنى المتقدم الذي أسماه ماركس بالتراكم الأولي الذي يرتبط اساساً ببدء هيمنة نمط الانتاج الرأسمالي لا سيما في الحقبة التجارية وخاصة في اسبانيا والبرتغال . كان ذلك في نهاية القرن الخامس عشر وما بعد، هذا التراكم هو تحويل النقود إلى راسمال، أما في داخل أوروبا فقد اخذ شكل تحويل الفلاحين قسرا إلى عمالاً، أي فصل المنتجين عن وسائل الإنتاج.