العنف المشروع في الدراما السينمائية

كلاديس مطر

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة العاشرة ـ العدد 2187 )

(1)

العنف المشروع في الدراما السينمائية:

تجميل العمى

انتبه العلماء في بداية القرن التاسع عشر الى ظاهرة لم يتبينوا تفسيرا لها الى هذا اليوم[1] وهو “انه اذا وضعت مجموعة متسلسلة من الصور وحركتها بطريقة متتابعة فان الإنسان يراها او يتخيلها تتحرك”. سميت هذه النظرية الشاذة بـ “ثبات النظر”. ومعناها ان العين تبقى على الصورة التي تراها لمدة لا تزيد عن جزء من الثانية حتى بعد اختفاء الصورة. وهذا البقاء للصورة لجزء من الثانية يدعى ” الصورة الايجابية “، وهو مبدأ الصور المتحركة. والمطب الذي وجد العقل نفسه فيه امام هذه الصورة هو انها تتحرك بسرعة و تتوالى بحيث يعجز عن تحليل ما يجري بالضبط، وهكذا فان ابسط شيء ان يعتقد بان الصورة تتحرك.

فلو رأينا مشهدا لرجل يضرب امرأة لمدة 30 ثانية في فيلم، فهذا يعني ان هناك 24 صورة لهذه الحركة في كل ثانية؛ أي أن هناك 720 صورة معكوسة على الشاشة الواحدة تلو الأخرى بواسطة آلة العرض الضوئية، وبين كل صورة وأخرى هناك جزء من الثانية من الظلمة.

فإذا كانت عبارة “صباح الخير” تحتاج من 20 إلى 22 صورة يحرك فيها الممثل شفتيه، فان الصفعة تحتاج الى أكثر بكثير ومع ذلك يطلق على هذه الصورة بلغة تقنية التصوير “الصورة الايجابية”.

لكن الأمر يتجاوز حقا ذلك بكثير فما هو ايجابي تقنيا قد يكون سلبيا ودراميا، وشتان بين ميل التقنية للكمال الفني وبين الميول الخفية للخطاب الدرامي. فالصفعة الناجحة فنيا هي فشل درامي الا اذا كان توظيفها مدروسا، مع أني اشك في إمكانية استخلاص دروس عن مساوئ العنف من خلال مشاهد يتجلى فيها بكل تفاصيله.

لكن الكتاب لهم وجهة نظر أخرى تماما، فتحت عنوان “الدراما الواقعية او الدراما في خدمة الواقع او.. او.. الخ” أعيدت مشاهد العنف بمبالغة أكبر المرة تلو الأخرى بدافع الوعظ، لتتحول الشاشات السينمائية و التلفزيونية الى “مدرسة” حقيقية لهذا العنف. و لا داعي لكي نذكر دور العنف في الدراما السينمائية الأمريكية في الترويج له لدرجة ان بيانات الأمم المتحدة اعترفت بان ثمانين بالمائه من النساء غير الناجيات من العنف يقتلن على أيدي اقرب الناس اليهن، مستلهمين كل ما تبيحه لهم الدراما العنيفة التي تبث حولهم ليل نهار.

والملفت في عنف هذه الأفلام الغربية أن العقدة فيها “تصمم من خلال قالب انتقامي” وهو قالب معروف جدا لمن احترف الكتابة لتلك السينما، حيث يأخذ الشخص القانون بيده ويقرر الانتقام للذين أحبوه من الذين ظلموه او الذين اغتصبوا حقه او بيته.. الخ..

انه عنف باسم القانون وهو الرائج في الأفلام الغربية بشكل كبير لدرجة ظهر البطل القومي فوق ركام هذا النوع القانوني والمشروع من العنف، الأمر الذي يشي بخطورة الدراما على الحس الإنساني للفرد و المجتمع أكان سلبا او إيجابا.

الحق هناك فرق جوهري و كبير بين الكاتب الروائي و”كاتب الشاشة او screenwriter ” فالأخير يجب ان يتمتع بخيال وحس بصري قوي، وان يكون بارعا في صياغة المشاهد المقنعة. فإذا كتب الروائي العبارة التالية “كان احمد يقتل زوجته كل يوم” فإنها قد لا تترك في نفسنا الأثر الذي تتركه صورة الزوجه وهي تتعرض للضرب من قبل زوجها، تارة بالسوط وتارة أخرى بقبضة يده، ومرات برميها بأثاث المنزل وهي تركض من هنا إلى هناك، وتصرخ، والدماء تسيل منها وثيابها مقطعة والدموع تملأ عينيها.

1– حين تعيد الدراما انتاج الهوية

ومشكلة الدراما البصرية هي في كونها قادرة من خلال خطابها على (إنتاج الهوية – هوية الذات والمجتمع – وعلى إعادة إنتاجها من جديد) فروايات القرن الثامن عشر والكتب المسلكية الأخرى – كما ترى الناقدة الأمريكية نانسي ارمسترونغ – هي التي انتجت الفرد الحديث.

“والفرد الحديث هو شخص يُنظر إليه على أن هويته وقيمته تنبعان من المشاعر الشخصية وخصائصها، بدلا من أن تنبعا من مكانة هذه الشخصية داخل الهرم الاجتماعي. ويساند هذا التصور عن الهوية في الوقت الحاضر الأفلام والتلفزيون ودائرة واسعة من الخطابات، حيث تخبرنا السيناريوهات ما يعنيه أن تكون شخصا ؛ رجلا كنت ام امرأة”.[2]

ان الدراما “تتحاور” مع المشاهد بطرق تستدعي كثيرا من التماهي مع شخصياتها واحداثها. والتماهي هو الذي يخلق الهوية ” . اننا “نكون ما نحن عليه عن طريق التماهي مع الأشخاص الذين نقرأ عنهم ونستمع إليهم ونشاهدهم. اننا نتكون من خلالهم كثيرا. وإذا كان المتلقي يتمتع بخصائص الشخصية العنيفة القمعية فانه يكفي ان يرى صفعة حتى تزهر الدنيا حوله ويتسمم الباقي من العالم.

إن آلية التماهي خطيرة جدا بل هي الأخطر على الإطلاق، وهي بين يدي كتابنا ومصورينا وممثلينا مخرجينا السينمائيين، وديعة بحاجة إلى حكمة الدنيا للتعامل معها.

فالهوية التي تتشكل عن طريق التماهي هي هوية مصطنعة بقدر ما لأنها تشكلت انطلاقا من الإبهار الذي تستحضره الكتابة الدرامية للمشهد وللشخصية، وضع المتلقي تحت تأثيرها. ولقد عانت صديقة لي من هذه الورطة، عندما قرأت رواية ولم تشاهد مشهدا تمثيليا. لقد قرأت راوية “احدى عشر دقيقة” لباولو كويلهو بكثير من الاندماج والشغف، وهي رواية تدور حول امرأة تتطور شيئا فشيئا فتصبح عاهرة بدافع الظروف. ولقد كانت الكتابة جيدة والدوافع الدرامية مكتملة والشخصية مرسومة بدقة وجمالية عاليتين، جملت العمى امام ناظريها، لدرجة شعرت بينها وبين نفسها بمبررات هذه المهنة كما قالت لي ضمن سياق معين من الظروف، الأمر الذي أيقظني على خطورة الكلمة مرة ثانية. اذا الهوية التي تتشكل بالتماهي، هي إخفاق بدرجة ما، بل إنها هوية غير مكتملة لا توصل صاحبها الى السعادة التي يصل إليها عندما يكون مستقرا في هوية من صنع خبراته واجتهاداته الفكرية والشخصية الخاصة. وهكذا فان “الانا” الانسانية اليوم لا تتكون بحرية في عالم أصبحت فيه الدراما غير المدروسة جزءا من تصورنا عن العالم بل هي في اغلب الأحيان هذا التصور بالذات. فاذا كان الإعلام المرئي يحدد لنا نمطية اللباس والطعام والاعتبارات الاجتماعية للكثير من الفعاليات الإنسانية، وحتى طريقة الكلام والتوجهات، يمكننا ان نفهم الى أي درجة تحمل هذه الهوية غربة عن “الذات الواعية الحقيقة” للفرد.

هذا هو الفرق بين الكتابة الروائية وتلك المعدة “للشاشة”. وهذا هو الفرق في الأثر الذي تتركه لدى المتلقي او المشاهد.

حتى الإحصائيات المرعبة والدراسات المدججة بالبيانات المخيفة، التي تعدها الامم المتحدة والمنظمات الاهلية.. الخ عن العنف لا تلعب هذا الدور على الإطلاق الذي تلعبه الصورة المتحركة على الشاشة.

واذا وبعد كل هذا الا يجدر بالفنان ان ينتبه لكل كلمة يقولها؟ ولكل فعل يقوم به على الشاشة..؟! أوليس من الضروري ان يكون لهذا الفنان مشروع ثقافي حقا فيتجنب الترويج للعنف والمخدرات والقيم الهشة والحياة المستهترة في افلامه؟!!

2- حين تجمل الدراما العمى

الحق ان الدراما السيئة هي تلك التي تعمد الى “تجميل العمى” أي تجميل دافع العنف وإلباسه مظهرا براقا. ان الدافع هو ما يحرك كل إنسان في هذه الدنيا. فنحن نقوم بكل شيء وبأي شيء بسبب الدافع تجاهه، نأكل لأننا نجوع ونتعلم لأننا بحاجة إلى العلم ونعمل لكي نحيا.. الخ.

فاذا كتبنا عن رجل يمارس العنف تجاه امرأة له علاقة ما بها، فان من ابسط مقومات القصة الروائية او الدرامية السينمائية هو ان نعثر على الدافع او المبرر لذلك، وهكذا تولد “المشروعية” من اب الدافع وأم الفكرة.

لهذا تصور المرأة في الدراما العربية ككائن سطحي، حتى لو قرر الكاتب ان يجعل منها رئيسة حزب او حاكمة. انها راقصة وام هامشية منشغلة بالدعاء للاولاد وخائنة ولاهية ومحرضة على العبث وحائكة الشرك للرجال. انها ضعيفة وهشة في أنوثتها وعدم اكتراثها وجهلها هو المبرر الدرامي للعنف تجاهها.

أيضا هناك أمران آخران تأخذهما الدراما العربية بعين الاعتبار لكونهما الحجج الشرعية الخفية والعلنية لتجميل هذا العمي وهما “رغبات السوق والربح المادي”. والحق ان العلاقة تبادلية بين هذين الحدين، فلا ربح مادي خارج رغبات السوق، وبالعكس نجد أن رغبات السوق هي التي تجلب الربح المادي بحسب نظرية حماة الدراما البصرية المعاصرة.

(2)

العنف المشروع في الدراما السينمائية:

التجليات

يكمن العنف المستتر في أصول وقواعد الحياة الفنية السينمائية. انه يتجلى في:

أولا: حصول الرجل على النصيب الأكبر من الأدوار الرئيسية والمؤثرة وجدانيا.

ثانيا:تشويه صورة المرأة في الدراما، بحيث يأخذ الجنس والإثارة اللفظية والجسدية القسم الأكبر من دورها وحصرها في ادوار الزوجة الخائنة، او تاجرة المخدرات، او فتاة الليل.. الخ وهناك الكثير من الدراسات التي قام بها مركز بحوث الإعلام بجامعة القاهرة، تبين ان 72 % من الشخصيات النسائية السينمائية كانت تحمل ملامح مادية سلبية، كشرب الخمر وتجميل الكبائر واستخدام الألفاظ النابية، ضمن تراكيب ساخرة كوميدية تساعد على رواجها السريع وإظهار مفاتن الجسد بطرق مبالغ فيها، وتجميل السقوط. ان مثل هذا التصوير لكينونة المرأة يعتبر من أكثر أنواع العنف الدرامي المشروع انتشارا وتأثيرا ومشاهدة.

ثالثا: تجنب الدراما السينمائية مناقشة موضوع الشرف بعمق، وهو من المواضيع الأساسية في مجتمعنا العربي الذي يبرر العنف ضد المرأة. فالمعالجة الدرامية لهذا الموضوع لم تستطع ولم ترد حقا ان تفصل بين شرف الرجل وسلوك المراة، لخوفها من أن تفتح الباب على مصراعيه لهز معتقدات المجتمع الدينية والوجدانية، هذه المعتقدات الشفهية في اغلبها والتي لبست ثوب المقدسات مع الوقت.

إن الشرف والكرامة يكمنان بالعمق في احترام قوانين الطبيعة، وليس السخرية منها، وفي تبني موقف شفاف من العالم و الحياة والبشر مجتمعين، وليس في الإسراع بإخفاء ركبة امرأة بانت عن غير قصد.

يبدو ان حقيقة المرأة هي أكثر وجعا من أن تحتملها أية دراما سينمائية.

رابعا:الترويج للنماذج النسائية الهشة والمتداعية في رقتها، باعتبارها نموذجا للأنثى او “للأنوثة” كما يجب ان تكون. ان لقب مثل “سيدة الشاشة العربية” يقابله لقب مضمون “البطل القومي” الذي صورته السينما الغربية. كلاهما نموذج للاحتذاء بشكل او بآخر. انهما ايقونة عصريهما بدرجة امتياز.

لقد حملت الفنانة فاتن حمامة هذا اللقب بجدارة لقدراتها التمثيلية، وهذه حقيقة موضوعية. حملته لانها من رائدات النساء اللواتي واظبن عبر تاريخهن، على تطوير أدائها الدرامي والالتزام بنوعية الأدوار النظيفة والخالية من شوائب الإسفاف الجنسي الجسدي واللفظي، وهذا أمر يحسب لها حقا من ناحية خلو أدوارها من عناصر “رغبات السوق والربح المادي”، لكنها بالمقابل وبما قدمته من ادوار البنت الضعيفة المغلوبة على أمرها التي تتعرض دائما للظلم والعدوان والتجني، ضعضعت من صورة المرأة القوية المقتدرة والحرة، وروجت للهشاشة والرقة السلبيتين والمحرضتين على العنف ضدها. لقد أصبحت هذه الصفات “نموذجا” للمرأة المكتملة الأنوثة، النجمة ولاحقا سيدة الشاشة.

خلال فترة افلام الصبا والشباب لم تلعب فاتن حمامة أفلاما تستحق التوقف او التأمل عندها، واقتصرت الأدوار على شخصية الفتاة المرحة الذكية و الحلوة التي تضفي بهجة على ما حولها، مثل افلام (نور من السماء، الملاك الأبيض، المليونيرة الصغيرة، كانت ملاكاً.. الخ). بعد ذلك دخلت فاتن حمامة مرحلة الأفلام الرومانسية فبرعت في شخصية العاشقة او المحبة التي هي ضحية لأوضاع معيشية واجتماعية خانقة، او تعاني من فوارق طبقية مع من تحب. في هذه المرحلة جسدت فاتن حمامة شخصية ابنة العشرين الرقيقة المغلوبة على أمرها والتي أقصى ما تتطلع إليه هو حبيب تعيش في كنفه كزوج. من بين أفلام تلك المرحلة اذكر (وداعاً ياغرامي، سلوا قلبي، خلود، إرحم دموعي، أيامنا الحلوة، حب ودموع، حتى نلتقي، بين الأطلال.. الخ).

بعد ذلك تخرج فاتن حمامة من ادوار الفتاة – الملاك لتدخل الأدوار البكائية او الكربلائية كما اسميتها، ومرة ثانية تجسد شخصية الفتاة المسكينة التي تصارع أقدارها التي هي عاجزة بسبب هشاشتها وضعف حيلتها عن تجاوزها. حتى الانتصار للخير في آخر الفيلم لا يكون بمجهودها الشخصي وانما في اغلب الوقت بتدخل من العناية الإلهية والصدفة، او لان الخير يجب أن ينتصر في النهاية فينتشلها معه وينتشل الشخصية كلها. ان عدم التدقيق في الأدوار السلبية او السيئة لتلك المرحلة وهي كانت مرحلة انتشار بالنسبة لها، قد فتح الطريق لتشكل صورة او أيقونة الفتاة الهشة المعذبة التي هي أرضية جيدة لتلقي كل أنواع العنف والقمع من “الآخر”. وبالرغم من دور الشريرة في فيلم (لا أنام) والفدائية (الله معنا) والمتحررة ( الطريق المسدود) التي قامت بها لاحقا، الا ان هذه الافلام شكلت حالة استثنائية في حياتها الفنية، مذكرين بالمثل القائل “زهرة لا تصنع ربيعا”.

اما في فترة لاحقة فقد دخلت فاتن حمامة مرحلة الأفلام التي عالجت فيها مشاكل الأسرة المصرية مثل (ست البيت، كل بيت له راجل، إمبراطورية ميم، أريد حلاً). وبالرغم من انها اثارت مواضيع هامة من خلالها، مثل الحرية وقوانين الأحوال الشخصية التي تتعلق بالطلاق، الا انها بقيت ذلك النموذج الهش والضعيف الذي يعاني امام متاريس الاعتبارات الاجتماعية والقانونية والدينية. حتى فيلم (افواه وارانب) الذي اثار ضجة حوله يمكننا ان نرجعه الى قصة حب اربكتها الفوارق الطبقية..

اما الفترة التي بدأت منذ مطلع الستينات و حتى يومنا هذا والتي يمكن ان نطلق عليها مرحلة النضج الفني، فقد بقيت طبيعة فاتن الرقيقة طاغية بشكل او آخر على الشخصيات النسائية التي كانتها. ان تحول فاتن حمامة الى ايقونة في تاريخ السينما المصرية قد روج لنموذجها الرومانسي الرقيق. والحق انها لم تقدم حقا شيئا ذا قمية الى “البنت المصرية” في اتون جهنمها الخاص او في حرملك احلامها. فبالرغم من تاريخها السينمائي الطويل (اكثر من 100 فيلم) تطالعنا الاحصائيات عن ارقام مذهلة عن العنف ضد النساء في منطقتنا العربية. وليست فاتن حمامة بطبيعة الامر مسؤولة عنها و لكن من الخطأ ان يتحول نموذج الفتاة الهشة الضعيفة العاجزة الى ايقونة انثوية او مثال بشكل ما. ان مثل هذه النماذج تماما هي من تتلقى صفعات العنف اليومي المشروع.

اما الفنانة سناء جميل والتي تعتبر ادائيا برأي العديد من النقاد، متفوقة على اغلب فنانات السينما والمسرح، فلم تتحول الى ايقونة او الى سيدة لاي شاشة، فتركيبها الجسدي الميال للخشونة، وابتعاد نمطيتها عن الهشاشة والرقة اقصاها عن الالقاب ربما. كما ان الادوار التي قامت بها عبر تاريخها الطويل والشخصيات التي جسدتها لم تشِ باي ضعف او قلة حيلة، و هكذا فان الراي العام والمجتمع ككل يبدو وكانه قد حسم امره تماما بالنسبة للنموذج الانثوي الامثل: انه النموذج المهيء لنوبات العنف الطارئة والمنظمة المشروعة منها وتلك غير المشروعة. الم يتغزل العرب بالعيون المنكسرة والخفيضة.. الم تكتب القصائد عن حمرة الخجل والحياء من دون مبرر، الم يشيدوا بالمراة “اللا حس او صوت لها”، وتلك “اللي لها تم يأكل ما الها تم يحكي”، أي المراة الصامتة المتحملة !! الم تمدح الأمثال “الدابة السريعة و المرأة المطيعة” ! واذا كيف ستتحول امرأة مثقلة بالموهبة والبعد الثقافي مثل سناء جميل الى سيدة الشاشة او نموذج يحتذى.

لنعترف ان مشكلتنا كعرب، وهو ما يهمنا هنا، وهذا لا ينفي ان مجتمعات اخرى بما فيها تلك التي تدعي الديمقراطية الزائفة، ليست مع بنود القوانين التي تروج وتسهل العنف، وانما مع مفهوم “القانون” بالذات الذي لا يعتبر نابعا حقا من الحالة المثلى للبقاء الانساني. انه كما نستعمله ونتعامل معه اليوم كعرب مفهوم مقدس غير قابل للتطوير او الاجتهاد او لاعادة النظر. انه “ستاتيك” أي شيء من دون كتلة، من دون طول موجة ومن دون زمن، ولا يملك حيزا او موقعا..انه غير متحرك.[3] هذا هو مفهوم الستاتيك وهذا هو تعريف الصفر.

لا يمكن القضاء على العنف ضد المرأة من دون تغييرات جذرية في الوعي الشعبي والجمعي تتجلى في الفعل الواعي وصولاً الى القرار السياسي والارادة السياسية على أعلى مستوى. اما التعبير عن هذه الإرادة، وإدانة هذا العنف فيكون بطرق شتى من بينها “التشريع، وخطط العمل الوطني، وتخصيص الموارد الكافية، وبذل الجهود للتغلب على الإفلات من العقاب، عقاب يشهده الناس، وايجاد بيئة مؤاتيه للأداء الفعال للمنظمات غير الحكومية[4] التي تعمل على هذا الموضوع والتعاون معها”.[5]

على المجتمعات والشعوب بقواها الحية والواعية ان تناضل من أجل حقوقها ومطالبها، ومن هنا يتوجب على الدول والحكومات ان تؤدي واجبها تجاه حقوق الإنسان، وان تنظم علاقات القوى بين المراة والرجل، وكل نظم التبعية الاخرى المرتبطة بها، وان يكون تعاونها علنيا وشفافا مع منظمات المجتمع المدني النابعة من قوى مجتمعاتنا الحقيقية والتي تعبر عن تطلعاتها وزخم نضالاتها بعيداً عن التمويل الاجنبي والاستقواء أو الارتباط به، والتي تعارض هذا العنف، ان تتطلع ولو لمرة واحدة في وجه هذا الكائن الذي اسمه المرأة والذي كان يوما يرف مع كلمة الله فوق المياه الأولى.


[1] الكتابة السينمائية على الطريقة الأمريكية – دراسة مقارنة بقلم جورج دايفيد – منشورات وزارة الثقافة السورية – المؤسسة العامة للسينما – دمشق 2004، ص: 9

[2] النظرية الادبية – جوناثان كالر – ترجمة رشاد عبد القادر ( منشورات وزارة الثقافة السورية – دمشق ) ص: 137

[3] Technical Dictionary by L.R. Hubbard – New Era Publication ApS – Copenhagen, page 405.

[4] انظر ملاحظاتي لاحقاً حول عمل هذه المنظمات.

[5] تقرير الامين العام – دراسة متعمقة بشان جميع اشكال العنف ضد المراة – 2006 ص 31 .