عمل خيري أم تجسس مخابراتي!

“الطيب والجلف والصعلوك”

الطاهر المعز

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة العاشرة ـ العدد 2188 )

تقديم

أثناء التدمير الذي تعرض له قطاع غزة، نهاية 2008 وبداية 2009، قال وزير خارجية فرنسا، “برنار كوشنير” ما مفاده : للحكومة الفرنسية عيون وآذان في غزة، تزودها بالأخبار والمعطيات الكافية، رغم الحصار (الذي تشارك فرنسا في تشديده)، وعدم دخول الدبلوماسيين للقطاع المحتل، وأثنى على المنظمات غير الحكومية، الخيرية منها والإنسانية والطبية التي كانت (ولا زالت) مصدرا هاما للأخبار والمعطيات، فهي عبارة عن قاعدة بيانات ضافية… احتجت منظمة طبية فرنسية على تصريح الوزير واعتبرته غير مسؤول “لأنه ينسف مصداقيتها التي اجتهدت لاكتسابها عند الأهالي، ويعرض حياة العاملين في هذه المنظمات للخطر…”.

منطقيا، لا يمكن لأي منظمة إنسانية أو غير حكومية أن تتواجد في أي مكان من العالم (خصوصا في مناطق الحرب والهزات)، دون اتصال دائم بالسفارات، ودون غطاء حكومي، يتدخل عند الضرورة، ويسهل خروج العاملين بها إذا أحسوا بالخطر الخ. في المقابل، لا بد من تقديم خدمات وإرشادات عن طبيعة العمل وفئات السكان “المستفيدة” منه، إضافة إلى تقرير مفصل لكل ممول، على حدة حسب شروطه…برنار كوشنير يعرف عما يتحدث، لأنه أحد مؤسسي منظمة “أطباء بلا حدود” (عام 1971)، وقد كون مجموعة عرفت آنذاك باسم “فرانش دكتورز”. تكونت من أطباء كانوا أجراء في منظمة الصليب الأحمر الدولي، أثناء الحرب الإنفصالية التي قامت في نيجيريا من عام 1967إلى 1970، لكن عدم اتخاذها موقفا علنيا مناهضا للحكومة المركزية، لم يعجبهم، فكونوا مجموعة “مستقلة”.

قاد انفصاليو “بيافرا” الجنرال “أوجوكيو” الذي تزعم جيشا من المرتزقة، بهدف انفصال إلإقليم (في الجنوب، حيث حقول النفط) عن نيجيريا التي كان يرأسها الجنرال “يعقوب غوون”… استعمل الإنفصاليون الدين المسيحي كذريعة، والقبلية (الأثنية) لتاليب المواطنين ضد الحكومة المركزية، وحظوا بمساندة الفاتيكان والكيان الصهيوني والبرتغال الإستعمارية، وجنوب افريقيا العنصرية… كانت شركة “إيلف” الفرنسية تستغل نفط الإقليم، ومولت الإنفصاليين، كما احتضنت مجموعة الأطباء، التي أسست “أطباء بلا حدود” فيما بعد، بحجة “معالجة الجرحى من الجانبين، بحيادية تامة، لأن مهمة الطبيب الأولى هي إنقاذ حياة البشر مهما كانت الأسباب…” كما أعلنت آنذاك، وتحت هذا الغطاء الإنساني تمكنت المجموعة من التنقل واستقصاء الأخبار ومعاينة الوضع على الجانبين، وبذلك لعبت دور الجاسوس الذي لا يطاله التشكيك، خاصة وأنها غلفت لغتها بغلاف إنساني/يساري. “برنار كوشنير” هذا، كثير التعلق بالألقاب والمناصب، واشتهر بعلاقاته الحميمة بالصهاينة والمحافظين الجدد وبمواقفه المساندة للحلف الأطلسي ولاحتلال العراق وتفكيك يوغسلافيا…يبدو أنه كان دائما كذلك، غير أنه عرف كيف يغلف أفكاره وممارساته اليمينية بغلاف يساري/إنساني…

ظهرت المنظمات “غير الحكومية” بعد ذلك بقوة في جنوب افريقيا، أثناء انتفاضة مدينة القصدير “سويتو”، إثر اغتيال المناضل الشاب “ستيف بيكو”، عام 1976، لكن”المؤتمر الوطني الافريقي” عالج الأمر قبل استفحاله، واشترط الإشراف على عمل هذه المنظمات، وخضوعها لرقابته، وإدارتها من قبل مناضليه ومؤسساته… في بداية عقد الثمانينات من القرن العشرين، كان “برنار كوشنير” من مؤسسي منظمة “أطباء العالم” التي انفصلت عن “أطباء بلا حدود”، وتواجدت المنظمة الجديدة في أفغانستان وافريقيا وأمريكا الوسطى والجنوبية، وفي أوروبا الشرقية، وفي كل مكان فيه حروب، وفتحت عيادات لمعالجة الفقراء في داخل فرنسا أيضا. وهي بطبيعة الحال متواجدة في الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967 (خاصة بعد أوسلو) وفي العراق المحتل وفي لبنان وفي السودان المهدد بالإحتلال والتفتيت… وكل مكان محتل أو تدور فيه حرب بالوكالة أو فرض عليه حصار أمريكي/أوروبي الخ…

عمل إنساني أم نجسس؟

قبل انهيار الإتحاد السوفياتي، وفي أوج الهجوم الإيديولوجي على الشيوعية والإشتراكية (كفكر وكبديل للرأسمالية)، كان التغلغل الأمريكي في أفغانستان، عن طريق “المجاهدين” على اختلاف مشاربهم (بن لادن ومسعود شاة وحكمتيار والجنرال دستم …)، وكان حضور المنظمات “غير الحكومية” (والكنسية) قويا في روسيا نفسها لمساندة “المنشقين” (ومنهم تشارانسكي الذي أصبح فيما بعد وزيرا في حكومة الكيان الصهيوني)، وفي بولندا، لمساندة شق “ليش فاليزا” في نقابة “سوليدارنوشك” (تضامن)، وهو الشق الرجعي واللبرالي داخلها، إلى أن نصبوه رئيسا ومنحوه جائزة نوبل للسلام… بعد انهيار الإتحاد السوفياتي، تكاثرت المنظمات “الإنسانية”، الأمريكية على وجه الخصوص، في بلدان أوروبا الشرقية، ونشطت كثيرا في يوغسلافيا التي مزقها الحلف الأطلسي (حيث بدأ الحديث عن عسكرة العمل الإنساني)، كما في بلدان البلطيق وأوكرانيا وجورجيا، ونظموا الثورات المضادة، التي أعطوها من الألوان الأزرق والبرتقالي… يقول بعض الأمريكيين الذين شاركوا في تنظيم هذه الثورات المضادة أنهم عملوا لمدة لا تقل عن السنتين في المناطق الفقيرة، وضواحي المدن الكبرى والعواصم، تحت غطاء إنساني، وبثوا المذهب البروتستانتي الإنجيلي، في مناطق لا يتواجد بها إلا الأرثودوكس (لكنهم فقراء)، وفتحوا مراكز للعلاج والتدريس وتوزيع الغذاء والملابس الأمريكية المستعملة الخ، حتى اشتد ساعدهم، ونالوا ثقة المواطنين ( اطعم الفم، تستحي العين)… في أوكرانيا كانت لديهم ميزانية ب65 ألف دولار مخصصة لنقل المواطنين، ليتظاهروا ضد الحكومة التي اعتبرتها أمريكا موالية لروسيا، ولا تخدم مصالحها… فخلقوا بذلك عادات سيئة لدى المواطنين، الذين صرح بعضهم، للصحفيين الأجانب، بمناسبة انتخابات منتصف فبراير 2010، بأنهم لن يحضروا الإجتماعات الإنتخابية ولن يصوتوا إلا لمن يعطيهم “أجرتهم”، ولا يعنيهم لون الفائز ولا برنامجه…حاولت أمريكا وبريطانيا القيام بنفس الشيء في إيران مؤخرا، لكنها فشلت، ربما مؤقتا، في إزاحة الجناح الذي يساند الرئيس الحالي، كما فشلت في كوبا، وفي فنزويلا وبوليفيا، رغم محاولاتها العديدة.

في البلدان المحتلة مثل العراق، تسربت من حين لآخر أخبار عن هوية بعض الرهائن، أو القتلى، إذ تمت تصفية ضباط مخابرات من أسبانيا (قبل انسحاب جيشها) ومن إيطاليا، واحتجز عدد من المتواجدين تحت غطاء العمل الصحفي أو العمل الإنساني، وكانت بعض المؤشرات تدل على قيامهم بمهام أخرى غير معلنة… في أفغانستان، تمت تصفية أمريكيين أو أوروبيين أو كنديين…قدمتهم وسائل الإعلام كمدنيين، يعملون في مجالات لا علاقة لها بالجيش، وظهر فيما بعد أنهم ضباط مخابرات من “سي آي إي” مثلا… في العراق، كان الصحافيون ملازمين لدبابات الجيش الأمريكي، ويرون الحرب من منظارهم، ولم يضمن الجيش الأمريكي سلامة من لم يرافق جنوده من الصحافيين، وقام بتصفية صحافيين عرب وغير عرب… وقع احتجاز صحفيين فرنسيين، في وقت طلبت فيه الحكومة الفرنسية منهم الخروج من العراق، وأعلنت وسائل الإعلام التي يعملون بها أنها لم تكلفهم بمهمة تغطية ما يجري هناك، ومع ذلك فإن التضامن المعلن معهم يتعدى الدفاع عن زملاء المهنة، بل بلغ درجة التجنيد القصوى المشابهة لحالات الطوارئ…

من بين المحتجزين الفرنسيين، كانت صحفية اسمها “فلورانس أوبناس”، تعمل بصحيفة “ليبيراسيون” اليومية الفرنسية، التي أسسها “جون بول سارتر”، مع مجموعة من “يساريين” سابقين (وكانت محسوبة على “اليسارالإجتماعي” قبل أكثر من ثلاثة عقود)، ولم توفدها صحيفتها، بل كانت متواجدة في العراق، لأسباب أخرى، لم يعلن عنها أبدا… تم اختطافها في نواحي بغداد، ومن يوم احتجازها إلى يوم خروجها من العراق، كانت كل نشرات الأخبار، في كل وسائل الإعلام الفرنسية تفتتح بخبر أحتجازها وعدد الأيام التي قضتها رهينة، وكذا فعلت الصحف المكتوبة ومواقع الإنترنت، وأصبح الدفاع عنها عامل “وحدة قومية”… كانت هذه الصحفية تملك شبكة علاقات واسعة جدا، وقامت بتحقيقات صحفية ذات نوعية جيدة، كما اهتمت بوضعية المهاجرين وأبنائهم، والكادحين، والمهمشين والفقراء والفئات المستغلة (بفتح الغين) والمضطهدة والمقموعة، في فرنسا… تضامن معها أثناء احتجازها كثير من الصحفيين والمثقفين العرب، خاصة في المغرب العربي، وقاموا بحملة، ما قاموا بمثلها تنديدا باغتيال زملائهم في العراق أو احتجاز زميلهم (سامي الحاج) في غوانتنامو، أو سجن زميل آخر في أسبانيا، ولا احتجاجا على سجن زملاء عديدين لهم في الوطن العربي الخ…كانت الحملة التي قامت بها الحكومة الفرنسية والصحافيون ومالكوا الصحف ومجلس النواب والبلديات والأحزاب (يمينها ويسارها) كثيفة جدا ومستمرة… بعد إطلاق سراحها وخروجها من العراق، واستجوابها من قبل المخابرات، كالمعتاد، لم تصرح بأي شيء، ولم تعط أي سبب لتواجدها في العراق المحتل، وهي التي لم يعرف عنها اهتمامها بما يجري في هذه المنطقة من العالم، ظاهريا على الأقل، إذ لم تتناول مقالاتها الصحفية العراق أو فلسطين أو لبنان…

بعد غياب طويل، وإثر العدوان الأخير على غزة، ودم شهدائها لم يجف بعد، وفي فترة تكاثرت فيها الدعوات لمقاطعة الكيان الصهيوني، ظهرت السيدة “فلورانس أوبناس” على صفحات الجرائد، تتوسط أحد القادة الصهاينة في فرنسا، ووالد الجندي الصهيوني جلعاد شاليط الذي احتجزته المقاومة، عندما كان يقوم بمهمة عسكرية عدوانية في غزة، وأعلنت عن تأسيس لجنة مساندة له، تناضل من أجل إطلاق سراحه و”تحريره”، تترأسها السيدة “فلورانس أوبناس” بنفسها (وهي التي دافع عنها عرب كثر)، باعتبارها رهينة سابقة… أما اللاجئون والاسرى الفلسطينيون (أكثر من 11 ألف) والخاضعون للإحتلال، فهم من طينة “الأجلاف” العرب الذين احتجزوها، واحتجزوا الجندي الصهيوني، وهما من طينة الأوروبيين “الطيبين”، الذي احتلوا بلادنا وأرضنا، لأن “من واجب الأمم المتحضرة أن تنشر الحضارة والتقدم لدى المجموعات المتخلفة”، كما قال رئيس المجلس الفرنسي، “جول فيري” عام 1881، لتبرير احتلال تونس، وكما قال القائد المؤسس للصهيونية، “ثيودور هرتزل” أن تأسيس دولة اليهود في المشرق العربي هو بمثابة بناء جدار حضاري، غربي، يعزل الهمج العرب (الأجلاف) عن أوروبا المتحضرة…

هل كانت السيدة “فلورانس أوبناس” صهيونية من زمان، أم تم تجنيدها حديثا؟ على أي حال، لقد اختارت الوقت الذي تكاثر فيه نقد “دولة اليهود”، لتعلن عن مساندتها لها…

قبل حوالي 3 سنوات، في التشاد، استغلت “منظمة خيرية” فرنسية (غير معروفة آنذاك) الحملة الإعلامية الأمريكية/الفرنسية ضد حكومة السودان، والتهديدات بالتدخل العسكري، خصوصا في إقليم “دارفور” الغني بالنفط والمعادن، على الحدود التشادية السودانية، لتختطف أكثر من مائة طفل تشادي، بدعوى أنهم أيتام سودانيون، تم اغتيال أولياء أمورهم من قبل “القبائل العربية” المتهمجة (الأجلاف) في دارفور، من الجهة السودانية… وفي الحقيقة فإن هذه “المنظمة الإنسانية، غير الحكومية” كانت تلقت أموالا كثيرة من قبل أناس محرومين من الإنجاب، لتبني هؤلاء الأطفال “المساكين، الأيتام”، كما حظيت بتغطية، ومباركة وزارة الخارجية الفرنسية (برنار كوشنير) والجيش الفرنسي المتواجد في التشاد، والمخابرات الفرنسية…أي أن العملية هي عملية استعلامات، لا علاقة لها بالعواطف النبيلة إزاء الأطفال “اليتامى”، لكنها قدمت للرأي العام على أساس أنها عملية إنسانية، لإنقاذ ضحايا النظام السوداني الهمجي، المهدد بمجلس الأمن وبمحكمة الجنايات الدولية وبانفصال في الجنوب والشمال والغرب، وب”معارضين” اتخذوا من الصهاينة اصدقاء وحلفاء لهم، وفتحوا لهم مكتبا في تل أبيب الخ… كانت العملية إذأ جزءا من السياسة الخارجية الفرنسية الرسمية، وتمت تعبئة الراي العام ووسائل الإعلام للدفاع عن هذا النوع من العمليات المخابراتية، شرط تلافي بعض “الأخطاء”، حتى تظهر كعمليات إنسانية، هدفها إنقاذ الأبرياء من ضحايا العرب الهمج…وتدخلت الدولة الفرنسية بمؤسساتها، ورئيسها ووزير خارجيتها، فضغطت على قضاة التشاد وعلى رئيس دولتهم، لإطلاق سراح من ألقي عليهم القبض، وإعادتهم إلى فرنسا، على متن طائرة خاصة… استعملت فرنسا أيضا “المنظمات غير الحكومية” واستعانت بالصهاينة (مدربي جيش كولومبيا)، لإطلاق سراح “إنغريد بيتنكور” (وريثة الشركة المعولمة “لوريال”)، التي كان يحتجزها ثوار كولومبيا…

وشهد شاهد من أهلها

في الثالث والعشرين من نوفمبر 2009، تم اختطاف رجل فرنسي يدعى “بيير كامات”، في منزل بمدينة “تيدارميني”، شمال شرق مالي، وهي مدينة متوأمة مع المدينة التي ينحدر منها هذا الفرنسي. بعد بضعة أيام تبنت “القاعدة بالمغرب الإسلامي” عملية الإختطاف وطالبت بإطلاق سراح 4 من أعضائها، مسجونين في مالي. قدمت وسائل الإعلام الفرنسية السيد “بيير كامات”، الذي يتردد كثيرا على مالي منذ 1995، بصفته رئيسا للجنة توأمة بين مدينة “جيراردمير” الفرنسية و”تيدارميني” المالية، المتاخمة للصحراء (وقد استقر بها منذ أكثر من سنة)، وهو أيضا مؤسس ورئيس جمعية “إيكار”، التي تسعى لعلاج المالاريا، عن طريق نبتة يزرعها ويقوم برعايتها في منطقة شمال شرقي “مالي”، وهو متقاعد ويبلغ من العمر 61 سنة… تمكن من خلق شبكة واسعة من العلاقات، ويعرف المنطقة بكل دقة، لكثرة ما تجول فيها… يوم 23 فبراير أطلق سراحة، وجاء الرئيس الفرنسي “نيكولا ساركوزي” خصيصا للقائه، بينما كان في زيارة لرواندا، ولم تكن زيارته لمالي في البرنامج. حضر اللقاء وزير الخارجية وكاهية الوزير (كاتب دولة) المكلف بالتعاون الدولي، وعقد الأربعة ندوة صحفية في باماكو، عاصمة مالي… ضغطت فرنسا على حكومة مالي لإطلاق سراح من طالبت بهم “القاعدة” (أصيلي بوركينا فاسو وموريتانيا والجزائر)، ففعلت، مما أغضب الجزائر وموريتانيا اللتان استدعتا سفيريهما في باماكو، خصوصا وأن مالي أعطت تسهيلات للجيش الأمريكي، في إطار “أفريكوم”، مما عمق الخلاف مع الجزائر…لا يهم الحكومة الفرنسية إلا إطلاق سراح مواطنها، حتى لو ثبت أن من طالبت بهم “القاعدة” إرهابيون فعلا…تساءلت بعض مواقع الأنترنت الفرنسية عن حقيقة هذا الرجل الذي ذهب الرئيس الفرنسي للقائه، وحول برنامج زيارته لبلدان أجنبية من أجل لقائه، بحظور وزير الخارجية ونائب وزير التعاون الخارجي… وأشارت بعض الصحف إلى أن العمل الإنساني استعمل كغطاء لنشاط ذي صبغة تجسسية، في منطقة حساسة من مالي، قريبا من الصحراء، تعتبر بمثابة القاعدة الخلفية للجماعات الإسلامية المسلحة الجزائرية، وربما لغيرها أيضا…وهي كذلك منطقة غنية بالمعادن… استشهدت بعض الصحف، وكذلك وكالتا رويترز وأسوشياتد براس، بملخص لإحدى جلسات لجنة الدفاع والشؤون العسكرية بمجلس النواب الفرنسي، يوم 27/01/10، وتحتوي على سؤال وجهه أحد النواب إلى السيد “برنار باجوليت”، منسق الإستعلامات لدى رئاسة الجمهورية، حول ضباط المخابرات الفرنسية المحتجزين في الخارج… تضمنت الإجابة ما مفاده أن عددهم ثمانية: إثنان في أفغانستان، وواحد في الصومال وواحد في مالي (ذكر اسم بيير كامات) وأربعة في السودان… تم تأويل الإجابة على أنهم كلهم جواسيس، وهذا احتمال قريب جدا للواقع، خصوصا وأن المجيب ضابط تجسس محنك، عمل سفيرا في دمشق عام 1986 ، وكان مفاوضا من أجل إطلاق سراح رهائل فرنسيين محتجزين في لبنان، ثم كان سفيرا في بغداد، عند احتجاز 3 صحافيين فرنسيين، على دفعتين (منهم فلورانس أوبناس، التي ورد ذكرها سابقا) كما كان أيضا سفيرا في الجزائر وعمان… وراجت عديد الأخبار عن مصادر “غير مأذونة” تفيد أن جمعية “إيكار”، التي أسسها السيد بيير كامات، مسجلة فعلا منذ 15 سنة، لكن لا نشاط لها ولا أي أثر لجلسة عمومية أو أعضاء، أوتقرير أو موقع أنترنت، ولا أثر لما توصلت إليه من نتائج بخصوص “النبتة السحرية” التي ادعت أنها تقوم بزراعتها لاستخراج عقاقير تعالج المالاريا… فهي مجرد غطاء لاعمال تجسس في منطقة حساسة تتطلب تواجدا مستمرا لجمع الأخبار والمعلومات، وأحسن غطاء هو العمل الإنساني، الخيري الذي لا ينتظر صاحبه “جزاءا ولا شكورا”.

خلاصة

أظهر اغتيال “محمود المبحوح” مؤخرا في دبي، خطورة الكيان الصهيوني والإمبريالية على كل عربي يعارض مخططات الإمبريالية والصهيونية، والقتلة لا يحملون دائما بزة عسكرية ورشاش “عوزي” أو “أم 16″، بل يظهرون أحيانا في شكل شقراء جميلة “مل قلبها ليالي الضباب” (من قصيدة مغربية يغنيها عبد الهادي بالخياط بعنوان القمر الأحمر)، جاءت لتتأمل طلوع وغروب الشمس عندنا، وقد يكون في شكل سائح مسالم، جاء يقضي بضعة أيام مشمسة في بلادنا…أو مستقر فيها بعد سن التقاعد، ويتعلم العربية، “حبا في العرب”، أو موظف في “منظمة غير حكومية”، تساعد الفقراء أوالمرضى أوالنساء أو اللواطين أوالأطفال الخ… فالمغرب وتونس ومصر والأردن، ولبنان (وغيرها) مفتوحة على مصراعيها، وبأسعار زهيدة للسائحين الأوروبيين، وكل الصهاينة جاؤوا إلى فلسطين بجواز أمريكي أو أوروبي، ولهم كلهم جنسية أخرى إلى جانب “الإسرائيلية”، لذا فهم مرحب بهم في البلدان العربية، دون تأشيرة…

أظهرت كذلك بعض الإغتيالات التي حصلت في روما وباريس ولندن، منذ الستينات، تشابك أجهزة المخابرات الصهيونية مع نظيرتها الأوروبية، وأظهرت اغتيالات الكوادر الفلسطينية في لبنان أن المثقفين المعارضين لاغتصاب فلسطين (مثلا)، موجودون على قائمة الإغتيال (قائمة غولدا مائير مثلا)، وعملية جمع المعلومات عنهم (تحركاتهم، عاداتهم، أوقات تنقلاتهم ومسالكها) تتم عن طريق أناس قريبين منهم، لا يرتدون بزة عسكرية ولا يحملون رشاشا… تكاثرت “المنظمات غير الحكومية” في فلسطين المحتلة والعراق المحتل والسودان المهدد… وهي في معظمها (إن لم تكن كلها) مكاتب خلفية لمخابرات بلدانها أو البلدان التي تمولها، والأمثلة التي ذكرناها تعتبر غيضا من فيض، وهي مجرد أمثلة قليلة.

في الجزائر، أثناء سنوات الحرب الأهلية، تكاثر المبشرون الإنجيليون في المناطق المحرومة، (راجع أعلاه ما ذكرناه عن أوكرانيا وجورجيا)، وقاموا بتسهيل الحصول على تأشيرات للعمل أو الدراسة في أمريكا وانجلترا واستراليا وأوروبا، وتقديم منح دراسية وفتحوا مراكز معالجة وأماكن عبادة بروتستانتية، إنجيلية… ولما قننت الدولة (بعد فوات الأوان) أماكن العبادة والترويج للديانات في الفضاء العام، قامت الدنيا ولم تقعد بعد، بتهمة التضييق على الحريات الدينية، الشيء الحاصل فعلا في أوروبا ضد المسلمين، دون أن يحرك أحد ساكنا… وتحرك الفاتيكان بقوة ضد الحكومة الجزائرية، وهو الذي فرط في تراثنا المسيحي العربي في فلسطين، ولم يدافع عن حرية العبادة لغير اليهود (الأغيار) في بيت لحم والقدس…

من حقنا أن نحتاط وأن نطرح التساؤلات المشروعة عن دور هؤلاء “الطيبين” الذين يتوافدون زمن الأزمات لمساعدتنا على تحمل الإحتلال، وإبعادنا عن كل ما يمت بصلة للمقاومة، كيفما كان شكلها: مقاومة مسلحة أو ثقافية أو سياسية الخ. لا يجب أن ننسى دور الأنظمة العربية التي أرادت لنا أن نقدس كل ما يأتي من “المركز”، بما في ذلك الجواسيس، وتسببت في تجويع وإذلال مواطنيها، الذين جاءت المنظمات الحكومية لإطعامهم ومعالجتهم…

ملاحظة: العنوان الفرعي للمقالة “الطيب والجلف والصعلوك”، هو ترجمة لفيلم “وستارن سباقيتي”، أي أفلام رعاة البقر التي أخرجها إيطاليون في السبعينات، وهو من إخراج “سرجيو ليوني”، الذي اشتهرت أفلامه بموسيقاها التصويرية المميزة… الطيب هو الأوروبي الأبيض المتجه نحو الغرب الأمريكي لاستكمال استعمار البلاد، والجلف هو الساكن الأصلي للبلاد أي الهندي المقاوم الدي يحاول عرقلة تقدم قوافل المستعمرين المحتلين لأرضه، والصعلوك هو الذي لا يترك الأمور تسير كما أرادها القائد الإستعماري، بل يعارض قراراته ويفرض عليه معارك جانبية…