مفاوضات ترحيلية…هناك مقاومة والسباق معها

د. عادل سمارة ـ رام الله المحتلة

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة العاشرة ـ العدد 2189 )

لم أكد أتبينُ صوتَها عبر الهاتف:

هل سمعت الخبر؟

– لا

نشرت صحيفة هآرتس الالكترونية اليوم أن الكيان الصهيوني قرر بناء خمسين ألف وحدة سكنية جديدة.

قالوا أمس ألف أو ألف وخمسمائة.

لا، بل خمسينَ ألفاً!

آه يا سيدتي، هذا عصر الفظائع. لم يبق من العمر إلا القليل، ومن السلاح سوى القلم وسيكسرونه. لكن، لن ينكسر العزم.

ما الذي يمكن أن يشغلَكَ عن التفكير في غير هذا الخبر؟ كنت اقرأ في الصوفية ل “هادي العلوي”. تكسر الفهم، وزاغ التفكير أساساً.

كأنهم يشرحون لنا، يسهلون علينا أن نفهمهم، ولكننا لا نريد.

يقولون بوضوح الوقاحة: كل شيء هنا لنا!

فما معنى هذا؟ هل في هذا حد أدنى من اللُبس؟ وهل يوحي بالتفاوض عن بعد أو قرب؟ أو بالروموت كنترول!

يا إلهي؟ متى نفهم؟ ومتى يفهم الحكام العرب؟

من شأن خبر كهذا أن يُخرب أكثر من قنبلة نووية صغيرة، حتى لو كان كاذباً. ولكن لماذا؟

لأنه يأتي في لحظات قرار التفاوض الفلسطيني والعربي الرسميين، وليس فقط لأنه قرار استيطاني. يكررون لنا ما قاله وزير خارجية قطر قبل عشر سنوات: يا فلسطينيين لا مجال لكم إلا أن تنتظروا إحسان أميركا. هل عرف التاريخ قدرة كهذه على استثارة الهمم؟ أهكذا كان وامعتصماه؟

حينما نفكر نحن، مجرد تفكير في التفاوض فنحن نمدهم بقوة معنوية بأن الأرض لهم! وبتدمير نفسي لشعبنا وامتنا.

والأرض لنا، ولكي نثبت ذلك علينا ألا نفاوض.

مفاوضات إلى جانب الاستيطان تعني أن يفكر الضعاف منا بالرحيل. الرحيل الناعم، الانزياح الذاتي.[1] ما الذي يمنع مواطن عادي قلق على حياته من هذا التفكير حين يرى كل دول العرب إلا واحدة توافق على التفاوض غير المباشر. فبأي شيء سيؤمن. ما الذي يقنع مواطناً محلياً أو مغترباً بالاستثمار هنا والمفاوض ينظر إلى جريدة هآرتس ويقرأ الخبر ويقول: الحياة مفاوضات. لا يا سيدي الحياة مقاومة وعندهم الحياة استيطان! العدو يبني عشرات آلاف الوحدات السكنية ورئيس الوزراء الفلسطيني يقول قبل يومين إن النمو الاقتصادي في أراضي السلطة الفلسطينية 7% بالمائة والعام القادم سيكون 10%. يا إلهي، إذن هنا الصين الشعبية، ورفات ماو تسي تونغ!

أصدر التجمع الشعبي لمناهضة التطبيع والمنتدى العربي عريضة عنوانها: الأصل المقاومة وليس التفاوض وعريضة تحدد موقفا من التطبيع.[2] وكنا نرد على عريضة تطالب بالتفاوض بضمانات أميركية، أي عريضة تطبيعية. الذين وقعوا على الاعتماد على عواطف أميركا أكثر من الذين وقعوا على عريضتنا؟ فمن المخطئ؟! الذين مع التفاوض المهرول أكثر! هل أصبح التطبيع هو الأصل؟

وها هو العدو يوقت إعلان الاستيطان الهائل وجون بايدن باشا في رام الله. فأية ضمانات هذه؟ هل يعتقد من لا يوقع هكذا عرائض ماذا يفعل؟ هو ببساطة يعتبر الوطن للعدو ونحن بدو طارئين. هو المثل إذن أيها الناس:

أنام ملء جفوني عن شواردها ويسهر الخصم جرَّاها ويختصمُ

لن تنام عينك يا سيدي!!

هل يدري الذين يلهثون وراء بعض المال، من سلطة التفاوض أنهم بهذا يقنعوها أن هذا الشعب لا يستحق أفضل من هكذا سلطة وهكذا أداء ؟

رحم الله عبد الوهاب البياتي الذي كتب:

مثلي ومثلك يحفرون قبورهم عبر الجدار

مثلي ومثلك مقبلون على انتظار من لا يعود،

…والتافهون يساومون

على رفات نسر صغير

سماه بائعه ضمير!

ولكن هناك مقاومة

حتى وهم يدهنون المشهد بالأسود لا بد للنور أن يتسرب وينبلج. طبعا لا بد أن يقوموا بإخراج للمشهد يدفع الحديد إلى التراخي. أليس هذا عصر الرخاوة ومجدها؟! من ينكر أن أميركا تقوم بترقيع وضعها المالي في وول ستريت ووضعها العسكري في قندهار وتكريت، ترقعه عبر استعادة سيطرتها على الوطن العربي.

إن التحالف الثلاثي للقرن الحادي والعشرين (المركز الإمبريالي، والكمبرادور العربي والكيان الصهيوني) في سباق مع قوى المقاومة والممانعة. هم قلقون أكثر منا رغم المظهر الأنيق لكلينتون وبايدن، وبعض العربان.

هو مؤشر بسيط على حركة التاريخ، أليس كل شيء تاريخاني؟ عام 1948 احتلوا وطناً، وعام 2006 هربوا من جنوب لبنان.

سيدتي لا تبكي.

سنظل نغني للبطولة

ونشد من همم الرجال

والناس أيضا.


[1] كتبت في مجلة “كنعان”، العدد 94، كانون ثان 1999، مقالة بعنوان “الاستيطان: من الطرد للإزاحة فالانزياح الذاتي”، ص ص 87 ـ 101. إلتقيت في ورشة في سلطة النقد الفلسطينية قبل عشر سنوات في نقاش حضره المرحوم د. حيدر عبد الشافي و د. حنان عشراوي، ورغم تباعد المعتقد والسياسة بيني وبينهما أعربا عن الإعجاب بالمقال….ولكنهما استمرا في خطهما!!!

[2] طالع نص العريضة وقائمة الموقعين عليها على الرابط التالي في موقع “كنعان”:

https://kanaanonline.org/?p=2636