لمن صوت الامريكان في الانتخابات العراقية؟

جمال محمد تقي

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة العاشرة ـ العدد 2190 )

ليس من السهل الاجابة على السؤال خاصة اذا عرفنا ان التصويت الامريكي لن يكون خاضعا للعبة صناديق مفوضية الانتخابات ولا للاجراءات التي قامت بها هيئة المساءلة والعدالة ولا لتعقيدات العد والفرز المملة ولا للتجاذبات المارثونية والتي قد تستغرق اشهرا طويلة حتى يتم التوافق فيها على شكل الحكومة القادمة. يمكننا الاستعانة بمثال التصويت الامريكي في الانتخابات الافغانية كدليل وقرين لما يجري في العراق اخذين بنظر الاعتبار الفوارق بين الحالتين، لقد اجلوا انتخابات البرلمان الافغاني انتظارا لتسويات قادمة مع اطراف مهمة بدون توافقها لا يكون الانسحاب الامريكي من افغانستان موفقا وتم تبرير ذاك التأجيل بعدم توفر الاموال الازمة لتمويل العملية الانتخابية، اما الانتخابات الرئاسية فارادوها أن بطريقة التنافس على تنفيذ الاجندة الاصلاحية التي بدونها لا يمكن تخفيض سقف الخسائر المادية والبشرية للقوات المشاركة في حرب افغانستان. وفعلا كان التنافس شديدا بين عبدالله عبد الله وحامد قرضاي وكل منهم قدم ما عنده وحاول ان يقنع الجميع بصلاحيته لاصلاح ما يمكن اصلاحه، اضافة الى اظهار جديته على تنفيذ الاستراتيجية الجديدة الداعية للمصالحة الوطنية وتحديدا مع طالبان والحزب الاسلامي والعمل على اشراكهم بالحكم وتصفية القضايا العالقة بما فيها مسألة العلاقة بالقاعدة، وكان الامريكان غير متشائمين من التجاذبات التي وصلت حد المقاطعة بين طرفي المنافسة الانتخابية على منصب الرئاسة في افغانستان، بل اعتبروها تجليا من تجليات التحول الديمقراطي الذي يسلط الاضواء على الصورة الجديدة لافغانستان المتحولة للديمقراطية بفضل الحرب الامريكية، التصويت الامريكي يتسع ليشمل الحالة كلها باتجاه ينسجم مع الهدف الاشمل، فالعملية السياسية افغانية كانت ام عراقية هي بيت للطاعة من خلاله فقط يمكن التأهل للعب الادوار اما خارجه فلن يكون هناك غير المتمردين، وهؤلاء خارج نطاق التغطية الامريكية التي لن تنجز مهمتها الا بانجاز صيغة ما لحسم موقفهم، اما مع او ضد، وللحالتين هناك توجه وسياسة وعمليات!

المقاومة الافغانية ـ طالبان والحزب الاسلامي بقيادة حكمتيار ـ يرفضون الاعتراف بقرضاي ويرفضون بيت الطاعة الامريكي ويقاتلون من اجل فرض عملية سياسية معاكسة عنوانها الاساس هو طرد الوجود الاجنبي من البلاد، وما زال الصراع سجالا بين الطرفين. في العراق ايضا كل الائتلافات والكيانات الداخلة في بيت الطاعة الامريكي ـ العملية السياسية ـ كلها من طينة قرضاي وبرلمانه مضافا لها حالة مميزة هي الصحوات ـ السنية وربما الشيعية لاحقا ـ وهنا تجري محاولة لتعميم تجربة الصحوات على افغانستان لاضعاف حواضن المقاومة فيها كما الحال في العراق والذي نجحوا فيه وبحدود ساهمت بمنحهم فرص اكبر للمناورة ومنها الانسحاب الثقيل والظاهر مع الابقاء على النفوذ والوصاية غير الظاهرة، المقاومة العراقية كيفت نفسها بسياسة معاكسة تستثمر بها الغياب المتدرج للتواجد الثقيل لجحافل المحتلين وسيرها باتجاه خلق صحوات معاكسة حتى في بيت الطاعة نفسه وهذا ما سنلحظ تداعياته الملموسة بعد الانسحاب الامريكي المعلن في ايلول القادم!

ذات القوى والائتلافات وما فرخته من كتل جديدة ـ الائتلاف الشيعي والسني والكردي والليبرالي التابع واليساري الانتهازي + الصحوات ـ هي ذاتها بلحمها وشحمها من تتنافس على حصة الاسد في العملية برمتها اليوم، انهم انفسهم من جاء مع المحتل ومن اشترك بالانتخابات الاولى ومن كان واجهة للحكم منذ مجلسه الاول وحتى حكومة المالكي. فالائتلاف الوطني مكون من جماعة الحكيم والجلبي والفضيلة وبقايا التيار الصدري مع تطعيم باجنحة من الصحوات، وتحالف دولة القانون مكون من حزب الدعوة والمستقلين المطعمين بالصحوات. اما تحالف العراقية ـ علاوي والهاشمي والمطلك فهوخليط عابر للطائفية والقومية وفيه مسامات قابلة للتحول ولكنها اسيرة لذات التوجهات التي يفرضها بيت الطاعة الامريكي، والتحالف الكردي ـ البارزاني والطالباني والشيوعيين الاكراد ـ هو ذاته لكنه هذه المرة يدخل بعد ان فرخ تيارا منافسا له ـ قائمة التغيير ـ وهو ومع ايجابية كسر القاعدة لكنه ايضا ابن بار لبيت الطاعة الامريكي، الحزب الاسلامي العربي والاسلاميين الاكراد جميعا يتنافسون على توزيع الوظائف في البيت الكبير. وهنا لا غرابة بان يصوت الامريكان للجميع وكل بحسب دوره وثقله، حتى التنافس الايراني والارتباطات المباشرة لبعضهم باجندتها فان الامريكان لا يعتبرونها خطا احمرا ما دامت لا تهيض هذه الاطراف للخروج على بيت الطاعة. وهنا قد يقول قائل ان الانسحاب الامريكي وما سيرافقه من تغول ايراني داخل العراق قد يؤدي لخروج قوي على بيت الطاعة الامريكي فكيف يستقيم الامر؟

نقول ان الامريكان قد اسسوا لبيت طاعة في العراق الخروج عليه سيؤدي حتما لتقسيمه وان حصل فانه يقرب هدفا امريكيا كان بعيدا وان لم يحصل فسيبقى وضع العراق بحاجة دائمة لضمانات امريكية تكفل استمراره على ما هو عليه، وبالتزامن مع النهج الامريكي لاحتواء ايران فان التمدد الايراني جنوب العراق في حالة انشطاره العملي الى ثلاثة كيانات سيكون وبالا على ايران ذاتها اي سيجعلها بتصادم مباشر مع العراقيين، وهذا ما لا يضر بالامريكان خاصة وانهم يكونوا قد سحبوا قطعاتهم الثقيلة التي تهدد ايران بالنيل منها في اي مواجهة محتملة، هذا الوضع سيوفر للامريكان قدرة اكبر على التحرك من بعيد وهي الحاضرة حتى لو ابتعدت باتجاه العراق وايران معا!

الانتخابات العراقية مثل نظيرتها الافغانية تتميز بفقدان تأثيرها الفعلي على المواطن المصوت فيها. فحدود الانتخاب محصورة بطاعتها، وليس مهما لدى القائمين عليها ان تكون نسب المشاركة 20 بالمئة او 40 بالمئة، المهم ان تجري العملية وتحسب الاوراق بمعزل عن النسبة والتناسب ويمكن تعديل النسب امام الاعلام بعد الرجوع الى توافقات ذات القوى المتنافسة. ليس مهما فيها وجود احصاء سكاني يقدم البيانات الضرورية والمعتمدة والتي على اساسها تحسب اعداد الذين يحق لهم التصويت ومن ثم نسب الاصوات الازمة للمقعد الواحد وتحديد اعداد المقاعد وتوزع الميزانيات الانمائية وايضا الاحاطة بحركة التغير الديموغرافي واتجاهاته ـ النمو، الهجرة، الكثافة، الاحتياجات،الكفاءات النوعية في الداخل والخارج. ليس مهما لاصحاب الشأن في العملية السياسية الدائرة حول نفسها في العراق ان ينظم عمل الاحزاب والتي تعتبر مصانع لانتاج المرشحين قانونا على اساسه يمكن التفريق بين الاحزاب والمافيات ـ لا يرخص لحزب ما الا اذا استوفى الشروط التنظيمية والبرنامجية والمالية المتوافقة مع دستور البلاد ـ ليس مهما لديهم ان يغيب عن تشكيل مفوضية الانتخابات الاسس المهنية والمستقلة فعلا وتحت اشراف وطني ودولي حقيقي، غياب كل هذه المفقودات النوعية سيعطينا بالنتيجة حالة فوضوية فيها تجاوزات على ابسط المباديء الاولية في اي نظام يدعي الدستورية والبرلمانية ناهيك عن نظام يدعي الديمقراطية، ومن الطبيعي والمنطقي ان لا يتوفر قانون انتخابي نزيه حتى لو جرى تبنيه بالتوافق السياسي والبرلماني لان فاقد الشيء لا يعطيه، فالقوى المتوافقة طائفيا وعرقيا ومناطقيا تنسف باحقية تمثيلها للمكونات جوهر فكرة المواطنة التي يقوم عليها اي نظام ديمقراطي حقيقي، اي ان قانون الانتخابات هو تحصيل حاصل لكل المواد الاولية اعلاه ودونها لا يمكن ان يكون نزيها مهما كان محاطا بتوافقات الفرقاء، انه مجرد منظم توافقي لعملية مشبعة بالفساد والتزوير والحصص والغنائم!

الامريكان ومنذ البداية كان لهم القول الفصل وهم من وضع اسس الحالة التي تمر بها البلاد، كان تدخلهم وما يزال حاسما وحتى النخاع في تواصل البناء على ما اقاموه وفي حالات التعطل والتنافر فانهم يجهدون للتسكينات والضغط باتجاه الهروب الى الامام، قانون ادارة الدولة المعد سلفا في واشنطن كان الاب الروحي للدستور الذي جرى فبركة الاستفتاء عليه وفي ظروف شاذة اراد الامريكان ان تكون دافعا لتمريره السريع، ومنذ ايام مجلس الحكم وهكذا دواليك حتى الان!

لا مفاجئات دراماتيكية ستنتجها الانتخابات البرلمانية في العراق والتي ينتظر الاعلان النهائي عن نتائجها التي ستعزز ما هو سائد ومن دون الخروج على اصول اللعبة ذاتها فالتوقعات الفعلية لطبيعة التشكيل البرلماني والحكومي القادمين تشير الى تقدم المالكي وعلاوي وانحسار تحالف الحكيم وجبهة الوفاق وحصول قائمة التغيير الكردية على حصة من نصيب التحالف الكردستاني. وهذا يعني ايضا عدم قدرة اي طرف لوحده من تشكيل حكومة لوحده اي ستتكرر دورة التوافق السابقة ضمن سلسلة متوالية تفرضها الاسس التي قامت عليها العملية السياسية ذاتها، التغييرات استبدالية لذات الوجوه او ظلها، ويشاع بان المالكي يستعد لتقديم مرشح بديل عنه ويمثله في ان واحد هذا اذا تعسر ترشيح نفسه لرئاسة الوزارة ثانية، السيد جعفر محمد باقر الصدر، نجل باقر الصدر مؤسس حزب الدعوة ليستطيع من خلاله ابتزاز الائتلاف الوطني الذي يقوده الحكيم وكذلك التيار الصدري، وبذلك سيكون بمقدور قائمة دولة القانون تشكيل حكومة بدعم من الائتلاف الوطني وبعض الكتل الصغيرة ومن دون الحاجة الى مشاركة الاكراد او علاوي، هذا على الرغم من امكانيات التوافق مع الاكراد ومن دون حتمية اشراكهم في المناصب الحكومية!

من كل الذي تقدم نستطيع القول بان الامريكان قد صوتوا فعلا لصالح استمرار ما صنعوه ويصنعوه للعراق ومستقبله!