يسار شيوعي أم يسار وطني

كاظم محمد

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة العاشرة ـ العدد 2190 )

الماضي البعيد والقريب، يؤكد وبكل حراكه السياسي والاجتماعي على وجود حركة شيوعية عراقية عريقة بتأريخها النضالي وبحضورها الوطني، وبتميزها في خلق وترسيخ تقاليد كفاحية تربت عليها فئات شعبية واسعة، لا زالت اجيال منها تحتضن في ذاكرتها وفي حسها هذه التقاليد، وتتمثل في سلوكها القيم الفكرية والاجتماعية التي تدفعها بأستمرار لملامسة قضايا الوطن ومحنته، وتجعلها منحازة وبكل وضوح لهموم المواطن وتطلعاته، وخاصة في هذا الظرف التاريخي الذي لم يشهده الوطن العراقي في تاريخه القديم والحديث.

هذه الاجيال نفسها تشهد اليوم حالة حركتها الشيوعية في الانحسار والتشتت، وقسم كبير منها يقف حائرآ عاطفيا وفكريا وسياسيا بين خطابين، خطاب قيادة الحزب الشيوعي العراقي الحالية، وخطاب واقع الحالة الوطنية والاجتماعية والسياسية التي يشهدها العراق بعد الغزو والاحتلال، والذي ينقض التوجهات الفكرية واالسياسية لدعاة االشيوعية وحاملي رايات حزبها والمتاجرين بتأريخها وبدماء شهدائها.

ومما كرس ويكرس هذه الحيرة والحيادية عند البعض، واليأس والتشاؤم والانسحاب عند البعض الاخر، هو حجم التعقيد الهائل الذي شهده ويشهده الوضع الميداني والسياسي في العراق، خاصة خلال الحصار وعملية التحضيرلغزو العراق وما تلاها من احداث معروفة، حيث وقف الكثير من الشيوعيين العراقيين عاجزين امام امتحان فكري وسياسي يتعلق باساسيات المنهج الماركسي في مسألة الموقف الوطني من الغزو والاحتلال.

الحالة الوطنية

فمنذ احتلال العراق عام 2003، دخلت البلاد في حالة شديدة القسوة، توجت اكثر من ثلاثة عشر عاما من الحصار والحرب المتواصلة، التي اثرت تاثيرا عميقا في المجتمع العراقي، وغيبته عن الحياة الطبيعية باتجاهاتها الثقافية والمعيشية، وجعلت المواطن يلهث وراء تأمين لقمة عيشه ومتطلبات الحياة اليومية، ودفع الشعب العراقي ضريبة الدم بمئات الالاف من اطفاله ورجاله ونسائه، واصبحت قصص الماسي الاجتماعية هي السائدة، وحكايات القتل اليومي والتهجير وافراغ مؤسسات الدولة المهشمة من خبراتها وكوادرها، هي الفعل السائد مع محاصرة الوطنيين وارهابهم واغتيالهم، لتكريس السياسات الجديدة (لمحرري) العراق اجتماعيا وثقافيا، وضرب أية امكانية نهوض وطني حقيقي يتجاوز احزاب الاحتلال واجندتها.

حيث كان الاحتلال واحزابه من العراقيين وما زالوا، يريدون انتاج وصياغة حالة (دولة) منبثقة من تطبيقهم النموذج الامثل لفوضتهم الخلاقة عند غزوهم للعراق، في تحطيم الدولة العراقية وتفكيك جغرافية ارضه، وتصديع مجتمعه وكسر اواصر وحدته الوطنية، وتعريض كل التراث الانساني والثقافي وذاكرة تاريخه التي تمتد لألاف السنين الى النهب والسرقة الرخيصة، وبنفس الوقت تطبيق مخطط ذي اهداف محددة، باطلاق ايادي ميليشات احزابهم ودوائر مخابراتهم وشركاتهم الامنية في اشاعة ثقافة القتل والاجرام والفساد، وتشريد الملايين الى الخارج واجبار ملايين اخرى على تموضع مناطقي جديد، مع هندسة مخابراتية لإرهاب منظم يطالُ ارواح المواطنين وعقولهم ويخلط الحابل بالنابل عبر شيطنة المقاومة الوطنية العراقية والقوى المناهضة للاحتلال والرافضة لنتائجه وافرازاته، إذ سُخرت لهذا الغرض إمكانيات هائلة وماكينة اعلامية ضخمة، عراقية وعربية وعالمية، واستخدمت فيها الاماكن الدينية لتكريس خطاب سياسي استعار من قاموس المذهبية والطائفية اسوأ عبارات الكراهية والاستعداء ومن قاموس السياسة أتعس مصطلحات التضليل والاستغباء، مترافقآ بحملة دعائيةواقلام صفراء واصوات نابحة، مهمتها التضليل والتأليب وشحن النفوس، ومقرونة بسياساتٍ يومية لحكومة الاحتلال في ايصال عقل المواطن الى حالة من الاستلاب والشللوالتسليم بما هو قادم.

أن الأفخاخ التي نصبت لشعبنا ووطننا، قد اوقعت الكثيرين في مصائدها وشباكها، والتي كان هدفها ولا زال ترويض الناس وتهيئتهم لهذا القادم من المخططات التي تبغي تكريس التحاصص وصولاً الى التقسيم والقضاء على أي من مقومات التنظيم الشعبي الوطني المناهض للأحتلال وحكومته وعمليته السياسية، خاصة بعد ان انقشع الضباب عن ديمقراطية الغزو والاحتلال، وانكشف زيف هامش الحرية بتدجين الحياة السياسية ومسخها، لتتحول الكثير من الدكاكين الحزبية التي فتحت والصحف التي اصدرت إلى أُطر تزويقية تعتاش على ما تمنحه لها ادارة الاحتلال واحزابه الطائفية والانفصالية من الاموال المسروقة من شعبنا، خدمةً لأهداف الاحتلال ومتطلبات مشروعه، ولأضعاف قدرة شعبنا بطبقاته وفئاته المختلفة، لسلاحهافي التنظيم والمواجهة.

ان ولادة حركة وطنية جديدة كان ضرورة حتمية لمخاض طبيعة الظرف التاريخي وتعقيداته، وان نضوجها وتبلورها مرتبط بنضوج عناصر هذه الحركة من التيارات الاجتماعية والوطنية، وما اليسار الجديد إلا احد اشكالها، رغم ان ولادته بأطر وبحركة سياسية ليس بديهيا، ومن الصعوبة ان يتخذ شكلا او اطارا إلا من خلال تكامل بعض العوامل ومؤثراتها في ولادة هذه الحركة اليسارية او تلك، فالمحرك الاساسي لهذه الولادة بأشكالها المتعددة سياسياً وبعفويتها احيانا، هي المتغيرات وطبيعتها ودرجة مساسها لحياة الناس، درجة مساسها للاكثرية الشعبية ونوعية المخاطر التي تستشعرها في تهديد وتقويض طموحاتها ورغبتها في الحياة الامنة الكريمة، وفي تهديد وجودها الوطني وانتزاع عناصر استمرارية هذا الوجود، في ظل اشكال جديدة من الصراع بين الوطني بحدوده الجغرافية وبين الوحش الامبريالي القادم بعسكره وقيمه وثقافته وشركاته العملاقة، بين الوطني الذي يرفض التدخل والوصاية بإشاعة ( الديمقراطية) وتعليم الشعوب الف باء الحياة السياسية، ووقف ضد استبدال الاستبداد الداخلي بالغزو والاحتلال، وبين اليمين العولمي المحافظ واتباعه من الطائفيين والعنصريين والعشائريين ومن اصطف معهم من دعاة الشيوعية والليبراليين الجدد، في تحالف استهدف تكبيل الحركة الاجتماعية وضرب الخيار الشعبي قبل نضوجه، لصياغة حالة تلبي المصالح الامبريالية الانانية والرجعية للمحتل والتابعين له.

ان الوضع الوطني، وطبيعة المتغيرات في الساحة الاجتماعية والسياسية، والخيبة واليأس الذي اصاب شرائح وفئات شعبية واسعة مما كان يسمى بالمعارضة العراقية، فرضت وتفرض على الوطنيين العراقيين وخاصة الشيوعيين منهم، الذين نأوا بنفسهم عن نهج القيادة (الشيوعية) الخادم لأجندة الاحتلال والاحزاب الطائفية والعشائرية، النظر برؤية جديدة ومختلفة عن ما ساد الساحة السياسية وعناصرها في العقود الاخيرة، وتشذيب هذه الرؤية من تأثيرات المراكز الاممية وترسباتها، ومن تعقيدات حالة الاحتراب السياسي الوطني وافرازاتها، وما تركته في العقول والنفوس، مما يعيق الحاجة الفكرية والسياسية للرؤية الجديدة والمختلفة في تناول الوضع الوطني وتأثير المتغيرات على آليات حراكه الاجتماعي والسياسي.

ان التخلي عن التصنيفات الموروثة لعقليات قيادية تمت ادانة سلوكها ونهجها، اصبح مهمة اساسية لأستيعاب نوعية المتغيرات الحاصلة، وتأثيرها على مزاج ونفسية الشرائح الاجتماعية، التي ليست لم تُعد تميل الى الخطاب السياسي الحزبي التقليدي فحسب، بل فقدت جمهرة واسعة منها ثقتها بجدوى العمل المنظم، واهتزت عندها القيم الوطنية والاجتماعية، وطغت عليها ثقافة الأفساد المتعمد من الاحتلال واحزابه، وتنتشر بين اوساط شعبية منها روح النفعية والانانية، أضافة إلى اشاعة جو التدين المزيف من خلال شعائر ومناسبات يتم تسخيرها لصالح اجندة الطائفيين ومراميهم السياسية.

نحن امام متغير عراقي مرتبط اشد الارتباط بالمتغير الدولي والاقليمي الذي فرضته رأسمالية الغرب المتصهين، وخاصة الولايات المتحدة الامريكية، رغم فشلها في مفاصل حيوية منه، إلا انها حققت نجاحا نسبياً في العراق، أعتمد ولا يزال على ضعف التنظيم الشعبي الوطني المقاوم والمناهض والعابر لخطوط الوهم الطائفية والعرقية التي خلقها الاحتلال واحزابه. وإذ يرتبط هذا الضعف بحجم التدمير وقساوة الضربات العسكرية التي تتعرض لها الحواضن الشعبية، وعمليات القتل والارهاب والاعتقال ضد الوطنيين من ابناء شعبنا، فأنه من الجهة الاخرى يرتبط بطبيعة القيادات والمجاميع والفصائل والشخصيات الوطنية المناهضة للاحتلال وحكوماته، وبمختلف توجهاتها، والتي لا زال بعضها قاصرآ عن إدراك الاهمية الحاسمة لقيام جبهة الشعب الوطنية في قيادة الكفاح التحرري لشعبنا، ويساهم عبر سياسات ومواقف انانية في عرقلة وتأخيرقيام التحالف الوطني الواسع.

وهنا إذ يتحمل اليسار الشيوعي الوطني قسطه في هذا القصور، فأن عددآ ليس بالقليل من مجاميعه وعناصره، لا زالت في حالة من التمترس الفكري والسياسي الممزوج بعنعات وبصمات شخصية، لا تخرج عن دائرة ترسبات النمطية المدرسية للاطر الحزبية المريضة، والتي أضعفت البصيرة الفكرية في النقد والتحليل والتقييم، وبالتالي محاولة الاجابة على السؤال التقليدي، ما العمل؟، ازاء الظرف التاريخي المحرج الذي يمر به الشعب العراقي.

إن حاجات شعبنا وقضيته الوطنية، تستدعي وبقوة من الشيوعيين الوطنيين تجاوز الامتحان الفكري والسياسي لمتغيرات حادة، فرضت وقائع واصطفافات، لا يمكن إلا أخذها بنظر الاعتبار، وفق قراءة جديدة تستند إلى بصيرة نقدية وتقييمية، تستهدف متغيرات الواقع السياسي المفروض ما بعد الاحتلال، وتأثيراته العميقة والخطرة على الحالة الاقتصادية للفئات الشعبية الواسعة وطبيعة مواقعها ومواقفها الاجتماعية ودورها في الاصطفافات الجارية، خاصة بعد ان فقدت ومنذ سنين طويلة ادواتها السياسية المنظمة بانتقال قيادة (الحزب الشيوعي العراقي) الى الضفة الاخرى بتحالفها مع النقيض الطبقي والوطني، وفقدانها لصفة اليسار، لتصطف إلى جانب اليمين الرجعي الاجتماعي بسياساتها المتخادمة مع الاحتلال.

أن واقع المجاميع الشيوعية العراقية الحالي، وارتباطآ بنوعية الظرف التاريخي ومتغيراته، وطبيعة التعقيد الذي رافق بروزها، هي غير مهيئة لبناء يسار شيوعي، على اساس وحدة العمل والتنظيم، رغم إدعاء بعضها ذلك، مع عدم قدرة البعض الاخر على هضم متغيرات الواقع الاجتماعي وتعقيداته في الأصرار على خطاب سياسي وفكري ونظري لا يلامس أرض هذا الواقع، ويضع نفسه في موضع التميز الأرادوي، الذي يٌرضي نفوس اصحابه.

الحاجة الوطنية وارتباطاً بظرفها التاريخي، تتطلب من الشيوعيين الوطنيين الاقتراب أكثر من عناصراليسارالاجتماعي الرافض للاحتلال وافرازاته، والأنخراط الجدي في السعي لقيام أطار يساري وطني يضم عناصر اليسار الاجتماعي بمختلف مشاربه. فليس ان الفكر الثوري لا يمكن أعتباره حكراً على الفكر الشيوعي فحسب، وإنما ليس من الصحيح أيضآ وصف اليسار بمدى التصاقه واعلانه التمسك بالمنهج الفلسفي والاقتصادي للماركسية، والامثلة التاريخية كثيرة لطلائع اليسار الاجتماعي الذين قادوا كفاح مجتمعاتهم الوطنية في التحرر والبناء، وفي صياغة التحول المتجذر لصالح الطبقات الشعبية ومستقبلها.

أن إنعاش اليسار الشيوعي الوطني وتشذيب خصائله، وتجاوزه لحالة الجزر، وخلق الظروف المؤاتية لحالة التحول المتجذر في أعادة بناء الاداة الطبفية، يرتبط بقدرة شخوصه ومجاميعه، الفكرية والعملية على المساهمة المؤثرة في إصطفاف اليسار الوطني المنظم والمؤطر، كقوة وطنية واسعة، ومن مختلف التيارات الاجتماعية، والذي سيدفع بأتجاه إنضاج وبروز حركة وطنية واضحة المعالم، تبني في سياق كفاحها اليومي جبهة الشعب المتحدة من أجل التحرير والبناء.

لذلك فأن دعوات بناء يسار شيوعي، لا تجد صداها السياسي الضروري، وتظلُ مبتسرة في سياق المتغيرات والأصطفافات الاجتماعية الوطنية، وفي ظل تبعات انهيار حصون الشيوعية، والردة التي اصابت قيادات واحزاب شيوعية عريقة، في الفكر والممارسة، وتحولها الى جانب اليمين العولمي، وفي ظل امبريالية راس المال الفاشي، الذي كرس بنهجه المعروف في الهيمنة والاحتلال استقطابات واضحة، لا تدع إلا خيار بناء اليسارالاجتماعي والسياسي الواسع لمواجهته.

لقد لفظت فئات شعبية وقطاعات عريضة من النخب المثقفة (يسارها) السابق، بقيادته ونهجه، لكنها لم تلفظ وطنيتها وقيمها الفكرية، ولا زال العديد من طلائعها يسعون في داخل العراق وخارجه للملمة وبناء حركة يسار وطني تستند إلى أوسع تمثيل اجتماعي، له المصلحة الحقيقية في هذا المنعطف التاريخي من الكفاح الوطني والطبقي. والذي من خلاله تُمتحن حنكة الطلائع السياسية، اشخاصا وجماعات في ترشيد الكفاح اليومي والتحرك المتواضع في صياغة الشعارات والبرامج التي تكتل حولها حاملي رايات النضال الوطني والمطلبي.

من الطبيعي ان تجد بعض فصائل (اليسارالشيوعي العربي) نفسها في حالة من ضعف التأثير والجزر الجماهيري، خاصة بعد ان تلبرنت، وتبنت قياداتها فكر ونهج المحافظين الجدد، راس حربة الامبريالية العالمية، وانسلخت عن منبعها الوطني واصطفت الى جانب مافيات السياسة والطفيليين وخدم الشركات الراسمالية العملاقة، وتنكرت لمبادئها وارتدت عن اهدافها، لتجد نفسها اليوم تابعاً ذليلاً او متخادماً رخيصاً، تقف الى يمين الحركة الاجتماعية، يصعب عليها التخلي عن الامتيازات الوظيفية والرواتب الضخمة والمقاولات الثقافية والمالية.

ان واقع اليسارالعربي لا ينفصل عن قراءة واقع الحركات الوطنية ومكوناتها، التي تعرضت لتخريب مقصود والى ارهاب وقمع، استهدف استبدال هوياتها الوطنية بهويات طائفية ومناطقية وعرقية، والذي إرتبط بأجندة المشروع الاستعماري الجديد بتغيير عناوين الصراع في منطقتنا خدمة لأهدافه في بناء نظام أقليمي خاضع وتابع للمصالح الاستراتيجية لراس المال الغربي وممهدا الطريق لتأمين الحزام الامني، الذي لا تعرف حدوده لدولة الكيان الصهيوني وطموحاتها التوسعية.

ان إنعاش اليسارالعربي، يستدعي قوى فكرية وسياسية جديدة قادرة على استيعاب طبيعة جدل العلاقة التصادمي بين مجتمعاتها الوطنية ونظام الإعاقة الخارجي، بين تداعيات العولمة الامبريالية والمتغيرات الاجتماعية، بين نظام الاستبداد الداخلي وموضوعية علاقته بنهج وتوجهات اقطاب العالم الراسمالي. ان هذه القوى مدعوة لتوسيع افق نظرتها الاجتماعية وتعميقها سياسيا، عبر رعاية نهج فكري وعملي، يتخلى عن الحساسية المفرطة تجاه الخطاب القومي والديني، وقادر على التعامل مع اليسار القومي والليبرالي الوطني واليسار الاسلامي الديمقراطي المتجذر ومع اليساريين المستقلين، لبناء يسار وطني، فعال في مشاركته الوطنية والطبقية، يشتق برنامجه من اصول تعقيدات وضعه الوطني ومتطلباته الاجتماعية والسياسية.