قصص محزنة عن ضحايا الإبادة الثقافية

د. ثائر دوري

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة العاشرة ـ العدد 2192 )

بالمصادفة البحتة وفي أسبوع واحد استمعت إلى المقابلة التي بثتها محطة البي بي سي مع حمد عمار النائب العربي (وليس الدرزي كما يُعرف نفسه وتعرفه وسائل الإعلام) في كنيست الكيان الصهيوني، وإلى مصعب يوسف وهو يرطن بالإنكيزية ويبرر خيانته من منفاه الأمريكي الذي هاجر إليه بعد أن غير دينه و وطنه ولو استطاع لغيّر لون جلده كما فعل مايكل جاكسون ليصير رجلاً أبيض يرطن بالإنكليزية .

ما يجمع بين الشخصين رغم أنهما لا يعرفان بعضهما أنهما ضحيتان من ضحايا الإبادة الثقافية التي تتعرض لها أمتنا بشكل منظم على يد الغرب منذ قرن و نيف تقريباً . فهما يتبنيان الرواية الصهيونية كاملة، فالأول، حمد عمار المنتمي إلى حزب ليبرمان العنصري الذي يحتقر العرب بكافة مذاهيهم وطوائفهم، يُصر على انتمائه الدرزي ويعلن بشكل شبه معلن أن لا علاقة له بما يسمى الوسط العربي لأنه ممثل للدروز فقط، وهذا تبن أعمى لما يحاول الغرب منذ قرنين ترسيخه في عقول أبناء الأمة وهو أن لا وجود لأمة عربية بل مجرد طوئف واثنيات ونجد ذلك واضحاً العملية السياسية التي أقامها الأمريكان في العراق على أسس طائفية تقسم العراقيين إلى سنة وشيعة لتُنكر وجود شيء اسمه العرب . فحمد عمار يعرف نفسه كدرزي فقط، كما أنه يكرر كلاماً ببغائياً عن ديمقراطية الكيان الصهيوني المزعومة، ولو أكمل لقال نفس ما يقوله الصهاينة عن أنفسهم عن “أنهم واحة الديمقراطية والتقدم في محيط دكتاتوري متخلف” وهو بالمناسبة نفس منطوق ما يسمى بوزير خارجية العراق عن الديمقراطية التي جاءت مع دبابات الاحتلال، وهو في المحصلة النهائية مجرد ضحية من ضحايا الإبادة الثقافية التي يمارسها الغرب على كل شعوب الرابطة الإسلامية منذ قرنين وأكثر ونتج عنها ايرانيون وأكراد يعتقدون أنهم آريون، وأتراك يركضون وراء أذيال الإتحاد الأوربي، وعرب يحتقرون ذواتهم، والجميع يقلد الغربي في مأكله وملبسه ومشربه ويتمنى لو أن بشرته كانت بيضاء حتى اللون الأحمر الاسكندنافي، ولو أنه يرطن بالإنكليزية، ويندب حظه مع الجغرافية التي جعلته بعيداً عن سويسرا، كما كان زعيم عربي راحل يشتم الجغرافيا التي ظلمت بلده حين جعلته في هذا المكان وليس في أوربا .

ولا يختلف عن هذا التشخيص منطوق مصعب يوسف الذي يعلن إدانته للمقاومة، ويقول إن أيدي المقاومين ملوثة بالدماء، وأنه فعل ما فعل من خيانة لأمته وشعبه وحتى لأسرته كي ينقذ دماء الأبرياء . فهذه هي مقاربة الكيان الصهيوني الغاصب للصراع الذي يدور على أرض فلسطين العربية حيث يصور هذا الكيان الغاصب نفسه ضحية للمتوحشين المحيطين به الذين يريدون إبادته. كما يقوم بقلب حقائق الصراع فيصبح الكيان الغاصب المعتدي ضحية، ويصير الضحية المعتدى عليه قاتلاً!

الإبادة الثقافية هي أن تتبنى نظرة الآخر لك، فتسمي نفسك كما سماك، و تحتقر عاداتك و تقاليدك، وتخجل من أهلك، وتبدل ملابسك بملابس عدوك . يضرب الباحث منير العكش مثلاً على ذلك بقبيلة “سو” من الهنود الحمر تتلخص القصة في أن الغزاة الأوربيين أطلقوا على هذه القبائل والشعوب الناطقة بلغة أوجيبوا Ojibwa في سهول الشمال الأمريكي بين نهر المسيسبي والجرودRocky Mountains، أطلقوا عليها اسم ((سو))، وهو اسم مشتق من لغة الهنود أنفسهم من كلمة تعني الأفاعي المخاتلة ((فقد استعاروا الكلمة Nadouessioux من لغة الضحايا ثم اختصروها إلى ((سو)) Sioux لتتناسب مع أنظمتهم اللغوية….)) ولفرط ما تعرضت له هذه الشعوب من إبادة ثقافية تبنت الاسم الذي أطلقه جلادوها، فهنود هذه القبائل يسمون اليوم أنفسهم ((سو))، أي الأفاعي المخاتلة، ويلقنون ذلك لأبنائهم وأحفادهم!!!

نقطة الضوء الوحيدة في القصص السابقة أنها قصص فردية وتكاد تنحصر في أوساط المثقفين، ولو كانت غير ذلك لما أفردت لها الصحف ووكالات الأنباء مساحات واسعة . فهي الاستثناء وليست القاعدة.