الذاكرة الشعبية والعنف المشروع ضد المرأة (الجزء الاول)

كلاديس مطر

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة العاشرة ـ العدد 2193 )

مقدمة

إن أي حديث عن المرأة لا يُختزل بواحدة فقط، لأنه فضاء الشاهدة على عصرها والمشاركة في الجرم في آن، فضاء وحشة الحرملك المرة والاستلقاء الحر تحت شمسه، فضاء السيدة في ثياب الخادمة والعكس، فضاء البحث عن الأنوثة في جوارير المكاتب وقوانين العمل الذكورية الصارمة والتوق للاختباء في عباءة “سي السيد”، فضاء اللهث وراء الجوائز التقديرية والرغبة في الانزواء في مطبخ العائلة الممل، فضاء الخوف من الرجل وتخويفه، فضاء المساواة والتمييز، واخيرا فضاء محاربة العنف المشروع والسعي الخفي وراءه.

انه حديث لا يختزل بواحدة، ولا يسعى للثأر، ثم ينشغل عنه بالمجاملات وإنما يرى بعين التكامل مع وجدان الرجل، كل النساء ؛ تلك التي تفور بأنوثتها الوجدانية المحققة، وتلك التي تعاني من أنوثة متعطلة، تلك التي تطلب من الرجل كل شيء، وتلك التي لا تطلب إلا محبته واحترامه، تلك التي تتداعى روحها بسبب العنف النفسي والعاطفي المشروع، وتلك التي لا تحيا من دونه.

انه حديث لا يختزل بواحدة في حمية الدفاع عنها ضد كل أشكال التمييز والعنف، وانما هو خطاب يلم في داخله المرأة الطفل، والمراهقة الأبدية، والمرأة المنافسة، والمرأة العقلانية، والمرأة النرجسية، والمازوخية، وتلك التي تسعى في كل حركة للحصول على الأمن، وتلك التي تمارس الختان الروحي على نفسها، وتلك التي ختنت تحت مشرط “التهذيب البشع”. انه موجه حقا لامرأة كل يوم، لامرأة بلادي وبلاد العالم..

انه حديث عن المرأة التي ” تريد أن تضفي صفة شخصية على كل شيء، العاجزة عن تطبيق عدالة ما من دون ان تعرف الوجه الإنساني لمن هو موضوع الاتهام لأنها ترفض اللاشخصية في الكلمات والأفكار”.[1]

انه حديث عنها تلك الطالعة من الذاكرة الشعبية، والتي مجدتها الدراما السينمائية.. امرأة لم “يعمرها” رجل مفتون بها، و إنما آخر، أراد قطع رقبتها باسم الحب وادعاء الحفاظ عليها.

انه “حديث – بحث” عن النموذج القديم حين كانت “الأنثى – الكلمة ” ترف على وجه الماء الأولى، بحث عن المرأة المتعافية و المتصالحة مع ذاتها، السليمة والقوية والمتوارية في روح “تيامت” (أنثى الماء المالح في أسطورة اينوماايليش)، وفي روح صيادة انكيدو الجبار في جلجامش، و شتار ربة العشق التي لعنته وكانت سبب موته، و”عناة” التي قضت أيضا على اقهات في الكون الكنعاني القديم ، والزباء ملكة تدمر والجليلة بلقيس، وفاطمة الزهراء ورابعة العدوية وأسماء بنت بكر وخولة بنت الازور وكذلك السيدة خديجة ملهمة الرسول الكريم. انها فاتن حمامة الهشة الناعمة طيعة العود، المتوارية في روح الخيزران، زوجة الخليفة المهدي وام الهادي والرشيد وفي “ممتاز زماني” معبودة الهند وصاحبة تاج محل وكذلك مدام رولاند سيدة الحرية في فرنسا، ومدام دوستايل سيدة الفكر، وهيلين كيلر الروح التي قهرت العمى ولم يعرف العنف طريقه إليها. إنها سناء جميل القوية الصاخبة وصائدة الحق المتوارية في روح في مريم العذراء والمجدلية.

أفق الأسئلة

تفتح عبارة “العنف المشروع” أفقا هائلا من الأسئلة والصور، ليس عن المرأة فحسب، وإنما عن هذا العالم اليوم بشكل عام. إننا ندخل حقا في ألفية هذا النوع من العنف المبرر بحيث يبدو ذلك العنف الممارس ضد المرأة ربما الأخف وطأة.

فتحت قانون “مكافحة الإرهاب” العتيد، رأت الدنيا مجازر كثيرة وصل البعض منها إلى المليون روح، أخذهم هذا القانون في طريقه ” بقصد أو بغير قصد “من دون أن يحاكم احد على الإطلاق، بل العكس، كانت تقدم التبريرات الواحدة تلو الأخرى للانتهاكات الفادحة للروح والجسد ضد النساء والرجال على السواء.

لقد أصبح هناك فلسفات ووجهات نظر تطرز بها هذه التجاوزات المشروعة و تملح بالأمثلة والبراهين لدرجة أصبح منطقيا ان تعامل المرأة على رأي المثل الشعبي ” السجادة كل مرة بدها نفض او كالزيتونة التي لا تحلو الا بالرص او كمدقة الباب المباحة لكل الأيدي كل الوقت او كالبغلة او كالشيطان…الخ”.

لكن الأمر يتجاوز هذه الشكوى كما يتجاوز حقا تقارير الأمم المتحدة المدججة بالدراسات والإحصائيات المتاحة، وأقول المتاحة، لما في الأمر من صعوبة على الاستقصاء والوصول إلى الأرقام الحقيقة للانتهاكات و حوادث العنف المشروعة او التي تغض عنها قوانين الدولة والمجتمع الطرف. الأمر يتجاوز حقا كل هذا لأنه – برأيي – يتعلق في طبيعة الشخص الممارس للعنف، او القامع، أكان رجلا أم امرأة. والعنف والقمع وجهان لعملة واحدة في نسيج الشخصية، اذ انهما يتجليان في هذا الميل التدميري، وليس البناء للفرد. وفي كونه شخصية كارهة للمجتمع، او لنقل مؤيدة لأكثر قوانينه المكتوبة والشفهية، خطأ وتشويها وتدميرا.

والمستوى الثقافي كما أرى لا يتدخل كثيرا في تحسين سلوك الشخصية القمعية، وانما في اغلب الأحيان يجعل من وسائلها أكثر تعقيدا وتفننا. ففيروس الحريم يصيب مثلا الكثير من الرجال المتعلمين بعد الزواج، بينما قد نجد أميا ذا شخصية اجتماعية متفهمة وبناءة. و من هنا نفهم ان “المعلومة أي المعرفة” لا تلعب هذا الدور المفصلي في تهذيب الشخصية إلا اذا كانت هذه الأخيرة، سليمة نفسيا و منفتحة من دون ردود فعل دفاعية خاصة تجاه الدنيا حولها والناس. فلم تنفع عبقرية نيتشة الإبداعية في منعه من الاعتراف بثقة “لا تدخل على المرأة إلا والسوط في يدك”، ولا لاهوتية القديس توما من التصريح أن “المرأة إنسان ناقص التكوين و كائن عرضي”، ولا حتى فلسفة أرسطو من اعتبارها” مثل الهمجي الإغريقي”، ولا بصيرة أفلاطون من أن يراها “أحط طبيعيا من الرجل”، ولا موضوعية ابقراط العلمية الطبية من اعتبارها “مرضا آخر من بين الأمراض الأخرى”، ولا أدب توفيق الحكيم من أن يدينها ” كمخلوق تافه.. صنعت من ضلع تافه من أضلاع آدم وخرجت من الجنة و أخرجته بسبب تافه”.

الفرد القمعي ـ العنيف

فاذا كانوا مثل هؤلاء قد كتبوا عنها ما كتبوا، ألا يمكننا أن نفهم أن هناك خصائص ربما لمثل هذا النموذج الإنساني الفردي الذي أطلق في الذاكرة الشعبية أمثالا على شاكلة “المرأة مثل السجادة أو الزيتونة أو هي شيطان رجيم بحاجة للضرب أو الرص”، و ذلك بلغة عامية بسيطة بعيدة عن فذلكة النحو وتكلف البلاغة؟؟؟

الحق لقد لفت نظري تفنيد خصائص هذه الشخصية من قبل الفيلسوف الاميركي لافاييت ران هبارد كما هي واردة في بحث مطول له بعنوان “antisocial personality ” [2] او الشخصية اللاجتماعية، وذلك من بين العديد من مدارس التحليل النفسي والدراسات والأبحاث المنتشرة والمعروفة التي تعنى بدراسة الأنماط الشخصية للإنسان. ولقد وجدت في هذا التفنيد نموذجا لذلك الذي “يمارس العنف” ضد الآخرين بغض النظر إن كان هذا العنف مشروعا أو غير مشروع.

ولعل من أهم خصائص هذه الشخصية القمعية أو العنيفة هي في كون الفرد:

1) يتحدث انطلاقا من عموميات عريضة جدا، مبهمة وغير قاطعة او محددة. مثل “قالوا..”، “الكل يعتقد..”، “الجميع يعلم..”. إن مثل هذه العبارات هي التي تُعتمد دائما، خصوصا متى أراد الشخص نشر الشائعات حول الآخرين. ( والشائعة عنف مشروع متعارف عليه ؛ وهو تدمير الآخر وسمعته من خلال إطلاق أخبار مريبة وكاذبة عنه ). وعندما تواجه هذا الشخص سائلا إياه: “من هم الجميع…” ندرك ان الجميع ليسوا سوى مصدر واحد اعتمده الشخص القمعي او العنيف باعتباره رأي كل المجتمع، وذلك بقصد الوصول الى مآربه التدميرية. و الملاحظ يجد ان المثل الشعبي لا يشير الى خصوصية الحالات، وانما هو حكم عام. فعندما يتحدث عن المرأة فهو يقصد كل النساء، وعندما يتحدث عن الحماة او الكنة فهو لا يتحدث عن كنة بعينها او حماة بعينها وانما يشمل الجميع بعبارة او بتقييم واحد. المثل الشعبي هو حكم عام مطلق، وبهذا المعنى يعتبر مثلا قمعيا لأنه يلجأ الى التعميم، خالطا الصالح بالطالح.

2) القمعي – العنيف فرد لا يتعاطى او يتعامل الا مع الاخبار السيئة، والملاحظات النقدية الجارحة والعدوانية، والإهانات القمعية التي تقضي على معنويات الآخر. والمراقب لهذا النوع من الشخصيات سوف يرى انه فرد عاجز عن التلفظ بكلمات لطيفة او مشجعة، او نقل اخبار جيدة عن امر ما او انسان ما.

3) القمعي – العنيف فرد يحور و يبدل في الحديث الذي ينقله، بحيث يجعله اسوأ او ابشع وقعا على الاخرين. الاخبار الجيدة تتوقف عنده، يحتفظ بها في داخله و لا ينقل الا البشع منها، وفي اغلب الاحيان تكون الاخبار السيئة من اختلاقه هو.

4) من الاشياء المحزنة عن هذا النوع من الشخصيات انه لا يتفاعل او يظهر أي ردة فعل تجاه العلاج الجسدي او الاصلاح النفسي. انه مستهتر بصحته وعلى الأغلب يعتبر ان العلاج بحد ذاته عقيم ومدعاة إلى السخرية.

5) إن المحيطين بهذا النوع من الأفراد يشعرون بالتهديد. (وهذا نوع من العنف الخفي والمستمر والمشروع، طالما ليس ثمة عقوبة يمكن ان تطاله أو قانون جزائي يمكن ان يشمله) فإذا لم ينتهوا الى الجنون، فهم على الأقل يتصرفون بطريقة شاذة وخرقاء في الحياة. إنهم فاشلون ومتداعون. والملفت ان هذا النوع من الأفراد وأقصد المحيطين بالشخصية العنيفة – القمعية، يتحولون الى “مصدر كامن للمشاكل” (أي مسببين للمشاكل) الأمر الذي يجعل من المرأة الناجية من العنف، او تلك التي تتعرض له بشكل مستمر، والتي هي على علاقة ما بشخصية قمعية او عنيفة، امرأة مسببة للمشاكل لمن حولها. إنها امرأة غير مستقرة لا صحيا ولا نفسيا، كما ان مكاسبها الروحية قليلة لا تلبث ان تعود الى الانتكاس، المرة تلو الاخرى، من دون ان تتمكن من الاستفادة من خلفتيها المعرفية او الثفافية. وربما كان هذا هو السبب بوجود هذا الكم التراكمي من الأمثال الشعبية المعادية للمرأة في الذاكرة الجمعية للمجتمع التي تحرض على نبذها، و السخرية منها، وتجنبها، وحتى قتلها قتلا ناجزا. الحق ان المثل الشعبي لا يميز بين المرأة التي تتعرض للعنف فتتحول الى نموذج مسبب للمشاكل وبين النساء الاخريات. انه، كما اسلفنا، يشمل النساء جميعا ضمن حكم مطلق واحد عام.

ان المرأة التي تعيش في كنف شريك عنيف قمعي، تتمتع بمقاومة مناعية ضعيفة أمام الأمراض، وقدرة بطيئة على ترميم دفاعها الجسدي الذاتي العودة الى الصحة. ويبدو من العبث ان تعالج او تمرن او تعلم او تدرب مثل هذا النوع من النساء، طالما هن تحت تأثير هذا الفرد العنيف والقمعي، وهذا القانون ينطبق ايضا على كل الناس بشكل عام.

الحق ان اكبر عدد من المجانين -على راي هبارد- هم مجانين بسبب صلاتهم مع هذا النوع من الشخصيات، وهم غير قابلين على الشفاء لنفس هذا السبب. بينما نادرا ما نرى القمعي في مشفى الأمراض العصبية، وانما فقط “اصدقاءه” وافراد عائلته. الحقيقة ان المجنون الفعلي ليس ذلك القابع في هذه المشفى وانما ذاك الذي سبب وجوده هناك.

6) غالبا ما يتوجه العنيف – القمعي الي الهدف الخطأ. فاذا كان سبب مشكلته هي ألف فانه ينتقم من باء، واذا كانت جيم فانه يرد الصاع صاعين لدال…!!!!

7) القمعي – العنيف غير قادر على إنهاء عمل ابتدأ به. انه فرد محاط بأعمال وأشغال غير منتهية.

8) للقمعي العنيف قدرة على الاعتراف وببرودة أعصاب بأكبر الكبائر والجرائم من دون ان يشعر بمسؤوليته تجاهها، او بأي نوع من الخجل او الاسف. انه شخص يدعم المنظمات و التجمعات التدميرية، او التي نطلق عليها اليوم ارهابية، ويحبذ انشطتها و يعطيها مشروعيتها ويعارض تلك التي تسعى الى تحسين شرط الانسان وعالمه. والفنان كما يلاحظ هبارد بشكل خاص، يشكل جاذبا لهذا النوع القمعي- العنيف من الأشخاص الذين يرون في فنه شيئا يجب تدميره، وهم يفعلون ذلك بشكل مستتر باعتبارهم “أصدقاءه”.

9) للشخص العنيف- القمعي إحساس خاطىء بالملكية. إن فكرة ان يملك أي إنسان أي شيء، هي محض ادعاء بالنسبة له. فلا احد في الواقع ـ برأيه – يملك شيئا حقا. ولهذا فهو يعتدي حتى على الأملاك العامة وليس فقط على الآخرين حوله.

اما السبب الرئيسي الذي يدفع العنيف- القمعي لكي يتصرف على هذه الشاكلة بحسب نظرية هبارد، فيعود الى خوفه المستتر من الآخرين. فبالنسبة لمثل هذا الفرد يعتبر كل إنسان عدواً له يجب التخلص منه سرا أو علنا. اما بقاءه على قيد الحياة فيعتمد على الإبقاء على الآخرين في حالة مزرية أو في حالة جهل. و هذا هو العنف اليومي الذي يمارس سرا وجهارا من دون ان يحتويه قانون جزائي، أو يحيط به استنكار مؤسساتي حقيقي.

والحق ان العنيف يستشعر بالخطر الشخصي من أي إنسان يغدو أقوى وأفضل وأحسن وأغنى منه. ونظريته كما وضح هبارد مبنية على الفرضية التالية: “انه اذا كان الناس حولي ضعفاء أو مغيبين فإنهم سيهلكون ولا يغدو بعد احد ذكيا وقويا لدرجة يشكل فيها تهديدا لي”.

لكن لننتبه هنا، ان العنف الجماعي المتمثل في الانتهاكات الجنسية الذي يمارسه الجنود في النزاعات المسلحة يعتبر امراً رائجاً و معروفاً وهو لا يعني ان كل الكتيبة أو كل افراد الجيش يتمتعون من دون استثناء بخصائص هذه الشخصية القمعية العنيفة، وانما هناك ظروف معينة تفرض على الإنسان سلوكا معينا محددا بذاته. والإحصائيات الواردة في (الدراسة المتعمقة بشأن جميع أشكال العنف ضد المرأة في تقرير الأمين العام لعام 2006 ) تظهر حقائق مرعبة بالنسبة لهذا النوع من العنف “التقليدي”، وبالتالي المشروع ظاهريا الذي يحدث في فترات الصراع المسلح. ولقد ذُكر في هذا التقرير تحت بند (العنف ضد المرأة في الصراع المسلح) “أن النساء يتعرضن لكل أشكال العنف الجسدي في هذه الفترات من الصراع، وهو عنف تمارسه جهات فاعلة تابعة للدولة، و جهات فاعلة غير تابعة لها. ومن بين هذه الأشكال، هناك العنف المتعمد وأنواع القتل غير المشروع، والتعذيب والتعاطي القاسي والمهين والاختطاف والاسترقاق الجنسي والاستغلال الجنسي واقتطاع أجزاء من الجسد أو تشويهها والتجنيد القسري للنساء كمقاتلات والاعتقال التعسفي والزواج القسري والبغاء القسري والإجهاض القسري والتعقيم القسري.”[3] وكل هذا يستخدم في فترات الصراع كشكل من أشكال التعذيب. إما لإلحاق الأذى بالمرأة أو لابتزاز المعلومات أو لإهانة المجتمعات وتخويفها وتدميرها، وكذلك لإهانة الأعداء وطرد المجتمعات أو فئات عرقية معينة من أرضها، أو لنشر فيروس المناعة البشرية عن قصد.[4] ومن أهم البلدان التي مورس فيها هذا النوع من العنف أفغانستان وبوروندي وتشاد وكولومبيا وكوت ديفوار وجمهورية الكونغو الديمقراطية وليبريا والبيرو والشيشان / الاتحاد الروسي ورواندا وسيراليون ودارفور في السودان وشمال اوغندا ويوغوسلافيا السابقة.[5]

عود على بدء نقول أن الشخصية القمعية- العنيفة لا يمكن ان تدرك انها كذلك. وليس صحيحا انه لو عثرت فيك على احد خصائص هذه الشخصية انك منهم. فالنقد الذاتي رفاهية لا يمكن للقمعي- العنيف ان يحصل عليها. فقط الانسان متوازن العقل يمكن له ان يصحح من سلوكه.

إن من الحكمة بمكان ان يؤخذ بالحسبان تعميم خصائص هذه الشخصية لتصبح جزءاً من ثقافة المجتمع تماما، فلا يتم تعيين قمعي او ميال للعنف في أي منصب حساس اكان سياسيا او اجتماعيا او اقتصاديا او اداريا تنفيذيا.. وذلك لان القمع ليس ظرفا او حالة او شرطا وانما هو انسان، والعنف كذلك.

الذاكرة الشعبية وشرعنة العنف

تعد الذاكرة الشعبية سلة ثقافية متكاملة. انها مرآة نقية غير مجاملة، وفوق هذا وذاك انها تبدو بلا روح، وذلك لصرامة صراحتها التي تصل أحيانا الى حدود الفجور صورة ولفظا. الذاكرة الشعبية شريط بانورامي يعج بالأفكار والأمثال والحكايات ووجهات النظر والفرضيات والآداب والفنون والتسالي وثقافة الجسد والتراث المعماري والعلوم والأخلاقيات والطباع والعقائد والطقوس والعادات من كل صنف ونوع، وتطور اللغة والعلاقات المدججة بقواعد المجتمع والاقتصاد والدين والسياسة.. انها شريط يختزل أنواع الرجال والنساء وكذلك تاريخ تطور المطابخ المحلية والأطعمة والأزياء وفن الحروب والزراعة والصناعة وعلم تشريح الحب والكره وسلم الأمزجة البشرية والأحلام التي لم تجد منفذا لها إلا في الشكوى والموت البطيء، وكذلك قهقهات النصر ولحظات الفرح العابرة. إنها وعاء تصنعه ربما معارك القادة المدججين وأكاليل المجد المضفرة على رؤوس الحكام والمشرعين العسكريين و جنرالات المراحل، و هي ايضا خزانة لخرق الفقراء ولأغطية النساء المقدسة عبر العصور. انها تاريخ الحجب والحريم الاحتفالي وكل ما يمت اليهما بصلة من أمثال وقصص وقوانين وممارسات.

لكن هذه الذاكرة الشعبية ليست إحدى وسائل الأعلام بالمعنى المتعارف عليه للكلمة، مع ان تأثيرها يماثل تأثيره، وان كان بطريقة أبطأ و ضمن حركة أوسع واشمل وأكثر تجذرا. وبالرغم من ظهور ثقافة أخرى او ذاكرة أخرى في المجتمع وهي الثقافة الوطنية القومية والثقافة العالمية بحيث بدت الذاكرة الشعبية وكأنها حاضرة غائبة بشكل ما، الا أن تأثيرها على الثقافة الوطنية أو على الشخصية المجتمعية الوطنية للفرد، حقيقي بشكل ما، وهي نادرا ما تفند او يدقق فيها، وانما تتسلل الى نسيج روح الفرد بهدوء وتؤدة مع التربية والنقل الشفاهي التواتري عبر الأجيال.

ما يميز الثقافة الشعبية المدنية عن أية ثقافة تلقينية أخرى هو في كونها مربوطة تلقائيا وطبيعيا بالصيرورة الزمنية والمكانية لحركة التاريخ ؛ اي أنها نتاج لصراع الطبقات والأجيال والعقائد ووسائل الإنتاج، بينما ليس هو الحال تماما في الثقافة الدينية التي لم تصل إلى الإنسان نتيجة لأي صراع فكري أو مادي معين، وإنما لقنت له وقدمت بكل ما تحمله من خطوط حمراء وثوابت. وبسبب سرعة تناقلها فقد ساهمت النساء أنفسهن مع الرجال في نقلها عبر الثرثرة ودعم أدبياتها التربوية غير السوية في المنزل كتشجيع الأخ على تأديب أخته، وضرب الزوج لزوجته، وعدم السماح للمرأة بالتحكم بإدارة المنزل الاقتصادية، وأشكال العنف الأخرى التي تعتمد على الإهانات المستمرة والتقليل من شأنها وعزلها روحيا ونفسيا… الخ.

:::::

الموقع الالكتروني للكاتبة:

http://www.gladysmatar.net


[1] بيير داكو ( بحث في سيكولوجية الأعماق – المرأة؟ ) ص 407 ” الدار المتحدة ” ترجمة وجيه اسعد.

[2] How to Confront and Shatter Suppression ( PTS/SP) course. By R.HUBBARD. Bridge Publication HCO PL 27 sept.66 ( the antisocial personality ).

[3] الدورة الحادية و الستون – البند 60 (أ) من جدول الأعمال المؤقت – النهوض بالمراة، دراسة متعمقة بشأن جميع أشكال العنف ضد المرأة – تقرير الامين العام.

[4] NGO Working Group on Women, Peace and Security, Fact Sheet on Women and Armed Conflict, October 23, 2002, available at: http://www.iwtc.org/212.html

[5] ) أ ( Swiss, S., Jennings, P. J., Aryee, G. V. et al., “Violence against women during the Liberian civil conflict”, Journal of the American Medical Association, vol. 279, No. 8 (February 1998), pp. 625-629.

) ب ( Giller, J., Bracken, P. and Kabaganda, S., “Uganda: War, Women and Rape”, Lancet, vol. 337, No. 604 (March 1991).

) ج ( Hynes, M., Ward, J., Robertson, K. and Crouse, C., “A determination of the prevalence of gender-based violence among conflict-affected populations in East Timor”, Disasters, vol. 28, No. 3 (September 2004), pp. 294-321.

) د ( Amowitz, L., Reis, C., Lyons, K., Vann, B., Mandalay, G., Akinsulure-Smith, A. et al., “Prevalence of war-related sexual violence and other human rights abuses among internally displaced persons in Sierra Leone”, Journal of the American Medical Association, vol. 287, No. 4 (January 2002), pp. 513-52