مشاهد رام الله المحررة: أنشطة وبيانات التطبيع الثقافي ومنه الأحمر

ثابت عكاوي

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة العاشرة ـ العدد 2193 )

لست ادري اللغة الأم للمصطلح (سكلانس)، وإن كنا نعرف معناه العام بأنه خليط عجيب أو عدة مخاليط غير متجانسة وغير قابلة للتفاعل الكيميائي حتى تتجانس او يُخرج منها عنصر جديد.

هذا حال الأرض المحتلة اليوم. بلد لا يحكمها اي معيار من معايير دنيا السياسة والكيانات السياسية، استقلال بلا سيادة، سلطة بلا ارض، اقتصاد بلا إنتاج…الخ

في زيارة لمكتب صديق قريب، سمعت صوت طبول وأدوات موسيقية (بورزان- كما يقول الترك) . نظرت إلى الشارع وإذا قرابة خمسين رجل يرتدون بزة كشفية ويسيرون في طابور عسكري، ولكن بأيدي مرخية وسيقان تتباعد بطريقة غير منضبطة. ووراء هؤلاء تُرفع يافطة مكتوب عليها:

13 آذار يوم الثقافة الوطنية!

اثار هذا الشعار في راسي تساؤلات قاسية:

ما هي الثقافة الوطنية الفلسطينية؟ هل هناك اصلاً ثقافة وطنية فلسطينية؟ فالثقافة الوطنية تعني:

اولا: أن هناك وطنًا محتلاً لا يسميه اهله (الوطن المحتل) هل يجوز هذا؟

ثانياً: أن الوطن كل فلسطين، وليس ما يتم تدريسه في المدارس بأن الوطن من جنين إلى خانيونس.

ثالثاً: أن الثقافة الفلسطينية هي جزء من الثقافة الفعلية اي العربية.

رابعاً: تكون هناك ثقافة وطنية حين يكون هناك مثقفون وطنيون؟ فهل المثقفون الذين يعيشون على التطبيع او يسكتون عن التطبيع او لا يهتمون بالتطبيع أو يرضون بفلوس الأنجزة أو يصرخون لتحسين حصصهم من المال الممنوح حراماً هم مثقفين وطنيين؟

خامساً: هل الاحتفال بيوم الثقافة الوطنية هو بالمارشات والطبول ام بتقييم علمي نقدي موضوعي لأداء المثقفين واختبار حدود أو مستوى عطائهم فنيا ووطنيا وارتباطهم بقضيتهم وتعبيرهم عنها.

سادساً: من بين الخمسين ممن شاركوا في هذا العرض العسكري الثقافي/التطبيلي في الحقيقة، لم اشهد اية إمرأة! ربما افضل لها.

المشهد الثاني

في اليوم نفسه، نشرت جريدة القدس خبرا أن عملا مسرحياً عرض مساء 12 آذار كعمل مشترك أميركي-فلسطيني بعنوان “من القدس مع حبي…ناجي” والعمل ممول من القنصلية الأميركية في القدس.

كاتب النص اسمه عزام ابو السعود، والفرقة التي تبنته هي مسرح الحواتي، ومديرها اسمه جمال غوشة. وكما ورد على لسانه “ان هذا العمل يحمل رسالة إنسانية حول أهمية التبادل الثقافي”.

يحار المرء اي تبادل ثقافي مع القنصلية الأميركية ؟ ألم يسمع هؤلاء الناس من هي الولايات المتحدة، لا نقول في مذابح العراق وافغانستان، بل هنا في فلسطين! تقدم بضع دولارات لمسرحية وتقدم لإسرائيل طائرة فانتوم!

فاين هي الثقافة الوطنية والمثقفون الوطنيون من هكذا اختراق وفضائح؟ ام أن المثقفين قد بِيعوا وبايعوا على الوطن؟

المشهد الثالث

وفي اليوم نفسه، كانت مجموعات من الصبية يوزعون على منعطفات شوارع المدن في الضفة المحتلة بوسترات صغيرة عليها صورة ما يسمى في عرف المرحلة “مطرب” من مصر اسمه عمرو مصطفى. الذي سوف يحيي حفلا في سرية رام الله الأولى يوم الخميس 18 أذار الجاري.

والحفل بالتعاون مع الاتحاد العام للفنانين الفلسطينيين وهو الاتحاد الذي فتحت له القننصلة الأميركية قبل بضع سنوات بيتها ليعرض هؤلاء الفنانين رسوماتهم.

بكلمة أخرى، فاتحاد الفنانين يمارس التطبيع “الفني”، وسرية رام الله تمارس التطبيع الأحمر، بما هي مؤسسة يُقال إنها يسارية.

ماذا يقول المثقفون الفلسطينيون إذن؟ هل سيكتب أحد سطراً؟

إذا كان لامرىء فرد ان يشهد كل هذه الأعمال الخطيرة والتخريبية بل عثر عليها قدمه دون بحث، فكم هو عدد الأعمال المشابهة في البلاد؟

وطالما أن كل هذه ضد الوطن وليس فقط الثقافة الوطنية، فماذا يفعل المثقفون؟ اين هم؟

إذا كانت الثقافة سكلانس، فماذا نقول في الاستجداء، والفساد، والسمسرة، وتفكيك القيَم.

وفي النهاية. هل هناك من قبضة من المثقفين لتقف ضد هذا؟

المشهد الرابع

صدر على إحدى المواقع الإلكترونية بيان ينقد اتحاد الكتاب الجديد بدأه أربعة كتاب هم: جميل هلال (أحد الموقعين على بيان أل 55 ضد العمليات الاستشهادية) ، وزكريا محمد (الذي أطلق مؤخراً صرختين : الأولى ضد مسرح القصبة، لكنه رفض التوقيع على عريضة ضد التطبيع!!! والثانية طالب بتحسين مقدار تقاعده من سلطة أوسلو) ، وفيحاء عبد الهادي ونجوان درويش.

يعترض هؤلاء على الانتخابات التي جرت مؤخراً لاتحاد الكتاب ويعتبرون الاتحاد لا يمثلهم.حيث تمَّ تعيين أمانة عامة للاتحاد، باتفاق فصائلي .

هذا البيان مطلبي مناصبي. لم يُشر إلى الوطن لا من قريب ولا من بعيد، ولم يلامس التطبيع، ولا أنشطة التطبيع الثقافي التي تنخر دماغ الثقافة العربية في فلسطين ومنها الأنشطة المذكورة أعلاه. فهل في فلسطين مثقفون وثقافة، فما بالك بوطنية!

إذا كان هؤلاء المثقفون ومن سيوقع معهم لا يكترثون بالتطبيع سواء مع إسرائيل أو اميركا، ففيمَ يقلقون!